عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

عماد خالد رحمة: التاء في العربية

التاء في العربية: بين الرسم والصوت والدلالة، تاء التأنيث الساكنة، والتاء المربوطة، والتاء المفتوحة في ضوء النحو وفقه اللغة

تُعَدُّ التاء من أكثر الحروف العربية ثراءً في وظائفها الصرفية والنحوية والإملائية، إذ تتجاوز كونها حرفاً مبنياً إلى أن تصبح علامةً فارقةً في بنية الكلمة، ودليلًا على معناها، ومفتاحاً لفهم أصولها واشتقاقها. وقد أولى النحاة واللغويون هذه التاء عنايةً بالغة، فتناولوا أنواعها وأحكامها، وميّزوا بين تاء التأنيث الساكنة، والتاء المربوطة، والتاء المفتوحة، مبرزين ما بينها من فروقٍ صوتيةٍ وصرفيةٍ ودلالية.

لقد نظر نحاة البصرة إلى الظواهر اللغوية من خلال القياس والاطراد، فجعلوا لكل نوعٍ من هذه التاءات وظيفةً محددةً لا يجوز الخلط بينها، بينما اتسم منهج الكوفيين بسعة الرواية وكثرة الاحتجاج بالسماع، فقبلوا بعض الاستعمالات التي تحفظت عليها المدرسة البصرية. ومن هنا نشأ ثراءٌ علمي أسهم في تعميق فهم بنية العربية.

أولًا: تاء التأنيث الساكنة:

هي التاء التي تلحق آخر الفعل الماضي للدلالة على أن فاعله مؤنث، وتكون ساكنةً في الأصل، ولا محل لها من الإعراب، لأنها حرف مبني.

ومن أمثلتها:

١ - كتبتْ فاطمةُ الدرسَ.

٢ - نجحتْ الطالبةُ.

٣ - أشرقتْ الشمسُ.

وقد أجمع البصريون والكوفيون على أنها علامة تأنيث لا ضمير، وإنما هي حرف دال على تأنيث الفاعل، ولذلك لا تُنطق عند الوقف إلا بالسكون، ولا تتحول إلى هاء كما هو شأن التاء المربوطة.

ويرى إمام النحاة  أن هذه التاء لحقت الفعل محافظةً على المطابقة بين الفعل وفاعله المؤنث، وهي من العلامات الملازمة لبنية الفعل الماضي إذا كان الفاعل مؤنثًا ظاهرًا أو ضميرًا مؤنثًا.

ثانياً: التاء المربوطة:

التاء المربوطة علامةٌ صرفية تلحق غالب الأسماء المؤنثة، وتُكتب (ة)، وتُنطق هاءً عند الوقف، وتاءً عند الوصل.

ومن أمثلتها:

- مدرسة.

- شجرة.

- مدينة.

- فاطمة.

فنقول:

- هذه مدرسةٌ كبيرةٌ.

- ذهبتُ إلى المدرسةِ.

فالوقف يكون: "مدرسه"، والوصل: "المدرسةِ".

وقد أكد علماء الصرف أن التاء المربوطة ليست مقصورةً على تأنيث الأسماء، بل قد تلحق أسماءً مذكرةً سماعًا، مثل:

١ - حمزة.

٢ - طلحة.

٣- معاوية.

كما قد تأتي للمبالغة، نحو:

١- علّامة.

٢- نسّابة.

٣- رحّالة.

وأشار فقهاء اللغة إلى أن التاء المربوطة تطورت تاريخياً عن هاء التأنيث في بعض اللهجات العربية القديمة، ثم استقر رسمها في المصحف والكتابة العربية بالشكل المعروف اليوم.

ثالثًا: التاء المفتوحة:

التاء المفتوحة تُكتب (ت)، وتبقى تاءً في الوقف والوصل معًا، وترد في مواضع متعددة، منها:

أولًا: في جمع المؤنث السالم:

١- معلمات.

٢- طالبات.

٣- مؤمنات.

ثانياً: في بعض الأسماء المختومة بتاء أصلية:

١- بيت.

٢- صوت.

٣- زيت.

ثالثاً: في بعض الكلمات المرسومة بالتاء المفتوحة رسماً اصطلاحياً، مثل:

- بنات.

- أوقات.

- أصوات.

وقد ناقش الكوفيون هذه الظاهرة على ضوء اختلاف الرسم والاشتقاق، بينما جعلها البصريون من مسائل السماع التي لا يُقاس عليها إلا بدليل.

آراء المدرستين البصرية والكوفيّة:

امتازت المدرسة البصرية بالدقة والقياس؛ فكانت ترى أن لكل علامة وظيفةً مخصوصةً، وأن القياس هو الأصل، ولا يُترك إلا لسماعٍ ثابت.

أما المدرسة الكوفية فقد وسعت دائرة الاحتجاج، فأجازت كثيرًا مما ورد في كلام العرب وإن خالف القياس، وعدّت السماع أصلًا لا يقل شأنًا عن القياس.

ولهذا نجد أن البصريين أكثر تشددًا في التفريق بين التاء المربوطة والمفتوحة، في حين أن الكوفيين يفسرون بعض ظواهر الرسم والإبدال تفسيرًا تاريخيًا يعتمد على اختلاف اللهجات.

موقف فقهاء اللغة:

يرى فقهاء اللغة أن التاء ليست مجرد علامة كتابية، بل هي شاهد على تاريخ الكلمة وتطورها. ولذلك فإن التمييز بين التاءات الثلاث يقتضي الجمع بين علوم النحو والصرف والإملاء وأصول اللغة.

وقد نبه العلماء إلى أن كثيرًا من الأخطاء الإملائية المعاصرة مردُّها إلى إهمال الأصل الاشتقاقي للكلمة، فيكتب بعضهم "مدرست" بدل "مدرسة"، أو "رحمه" بدل "رحمة"، أو يقف على التاء المربوطة تاءً، وهو لحنٌ يخالف سنن العربية.

نماذج تطبيقية:

النموذج الأول:

١ - كتبتْ هندٌ الرسالةَ.

٢ - التاء: تاء التأنيث الساكنة؛ لأنها لحقت فعلًا ماضياً.

النموذج الثاني:

١ - هذه مكتبةٌ واسعةٌ.

٢ - التاء: تاء مربوطة؛ لأنها في اسم مؤنث.

النموذج الثالث:

١ - حضرت الطالباتُ مبكراتٍ.

٢ - التاء: تاء مفتوحة؛ لأنها علامة جمع المؤنث السالم.

النموذج الرابع:

١ - ارتفعت الأصواتُ.

٢ - التاء: تاء مفتوحة ثابتة في الوقف والوصل.

النموذج الخامس:

١ - رحمةُ الله واسعةٌ.

٢ - عند الوقف تُنطق: "رحمه".

٣ - وعند الوصل: "رحمةُ الله".

إن التمييز بين تاء التأنيث الساكنة، والتاء المربوطة، والتاء المفتوحة ليس قضيةً إملائيةً فحسب، بل هو مظهرٌ من مظاهر إحكام النظام اللغوي العربي، حيث تتداخل الأصوات مع الأبنية، وتتآزر الدلالة مع الرسم، ويغدو الحرف الصغير شاهدًا على عبقرية العربية في إحكام بنيتها. ولئن اختلف البصريون والكوفيون في بعض التفصيلات المنهجية، فإنهم أجمعوا على أن العربية لغةٌ دقيقةٌ في نظامها، وأن فهم دقائقها لا يتحقق إلا بجمع السماع إلى القياس، والرواية إلى الدراية، والصرف إلى النحو، حتى تبقى لغة الضاد مثالًا للفصاحة والإحكام.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في المثقف اليوم