أقلام ثقافية
عماد خالد رحمة: "رُبَّ" بين تخفيف الدلالة وثِقَل التأويل
جدل البصريين والكوفيين في تخوم الحرفية والاسمية
ليست "رُبَّ" مجرد أداةٍ عابرةٍ في نسيج العربية، بل هي عتبةٌ دقيقةٌ يتقاطع عندها النحو بالدلالة، ويحتدم فيها الخلاف بين مدرستين عظيمتين: البصريين والكوفيين. فهي على قِصَر لفظها تُثقل كاهل الدارس بأسئلةٍ تتجاوز الإعراب إلى فلسفة اللغة ذاتها: أهي حرفٌ خالص الوظيفة، أم اسمٌ متخفٍّ في هيئة أداة؟
ذهب البصريون، وفي طليعتهم أبو العباس محمد بن يزيد المبرّد، إلى أن "رُبَّ" حرفُ جرٍّ لا محيد عن حرفيته، يُفيد التقليل في أصل وضعه، ويدخل على النكرات فيجرّها لفظاً، نحو: رُبَّ رجلٍ كريمٍ لقيتُ. واستدلّوا على حرفيتها بما استقرّ في منهجهم من معايير تمييز الكلم: فالاسم عندهم ما يقبل علامات الإعراب، ويدخله التعريف بـ"أل"، ويتنوّن؛ والفعل ما يقبل تاء الفاعل أو نون التوكيد، نحو: جلستُ، اذهبنَّ. فأين "رُبَّ" من هذه العلامات؟ لا تقبل تنويناً، ولا تعريفاً، ولا إسناداً؛ فامتنع في نظرهم أن تكون اسماً، وثبتت حرفيتها.
أما الكوفيون، وعلى رأسهم ثعلب، فقد وسّعوا أفق النظر، ورأوا في "رُبَّ" اسماً دالًّا على معنى القِلّة، يُستعمل مبتدأً في بعض التراكيب، نحو: رُبَّ ذكيٍّ لا يفهم. والتقدير عندهم: قليلٌ من الأذكياء لا يفهم. فهي بهذا التأويل اسمٌ مضاف، و"ذكيٍّ" مضافٌ إليه، وما بعده خبرٌ أو جملةٌ خبرية. وقد حملوا "رُبَّ" على "كم" الخبرية، التي تفيد التكثير، فقالوا: كما أن "كم" اسمٌ للعدد، فكذلك "رُبَّ" اسمٌ للقلة.
وهنا يتجلّى موضع التنازع: أهي نظيرة "كم" في الاسمية، أم مخالفةٌ لها في الطبيعة؟
إن "كم" في العربية اسمٌ صريح، يُسأل به عن العدد أو يُخبر به عن كثرته: كم كتاباً قرأتَ؟، كم من رجلٍ لقيتُ. أما "رُبَّ"، فليس لها من سمات الاسم إلا ما أُوِّل، لا ما صُرِّح به. فهي لا تُثنّى ولا تُجمع، ولا تُعرَّف، ولا تُسند، بل تظلّ ملازمةً صدر الكلام، كأنها مفتاحُ افتتاحٍ لا يقبل الإزاحة.
ويؤكد البصريون حجّتهم بقاعدةٍ أصولية: الحرف لا يدخل على الحرف، و"رُبَّ" قد تُسبق بـ"ما" الزائدة في نحو: رُبَّما، كما في قوله تعالى:
﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وهو شاهدٌ يفتح باباً دلاليّاً آخر؛ إذ إن "رُبَّ" هنا لا تفيد التقليل على وجهه الصريح، بل تُومئ إلى التكثير أو إلى معنى التهديد والإنذار، كأنها تقول: كثيراً ما سيودّ الكافرون لو كانوا مسلمين. فهل تظلّ "رُبَّ" حبيسة معنى القِلّة؟ أم أن السياق يُحرّرها من قيدها الأول، ويجعلها أداةً مرنةً تتلوّن بحسب المقام؟
ومن الشواهد التي تُعمّق هذا التعدّد الدلالي قول النبي صلى الله عليه وسلم:
«رُبَّ كاسيةٍ في الدنيا عاريةٍ في الآخرة».
فـ"رُبَّ" هنا لا تُراد بها القلة الحسابية، بل التنبيه إلى ظاهرةٍ متكرّرةٍ في بُعدها الأخلاقي، وكأن القِلّة قد تُستعمل لتهويل الأمر لا لتقليله.
إن هذا التذبذب بين القِلّة والكثرة، بين الحرفية والاسمية، يكشف أن "رُبَّ" ليست أداةً جامدة، بل كيانٌ لغويٌّ يتأرجح بين حدّين:
حدٍّ نحويٍّ صارم، يقيّدها بوظيفة الجرّ.
وحدٍّ دلاليٍّ رحب، يفتحها على احتمالات التأويل.
ولعلّ أعمق ما في هذا الخلاف أنه لا يدور حول "رُبَّ" وحدها، بل حول ماهية الكلمة في العربية:
أهي بما تقبله من علامات، أم بما تؤدّيه من معانٍ؟
فالبصريون جعلوا الشكل معياراً، والكوفيون وسّعوا الدلالة حتى كادت تُعيد تعريف الشكل.
وخلاصة القول:
إن "رُبَّ" في أفق التحليل الدقيق حرفٌ في بنيتها، اسمٌ في تأويلها، وجسرٌ خفيٌّ بين النحو والبلاغة. فهي تُعلّمنا أن اللغة ليست قوالب جامدة، بل حركةُ معنى تبحث عن صورتها، وأن الخلاف النحوي ليس ترفاً علميّاً، بل هو بحثٌ في سرّ التعبير ذاته: كيف تقول القليل، فتُراد به الكثرة؛ وكيف تبدأ بالحرف، فتفتح به أبواب التأويل.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين







