عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

فؤاد ميرزا: بعضٌ من أسفار

ليس بإمكاننا إيقاف تلك الصور والأحاسيس والأحداث التي تمرّ مرور الريح..

لذلك تصبح الذاكرة ملاذاً..

الكتابة والرسم والتصوير والسينما.. كلّها محاولات يائسة لإقامة خيمات وهمية ثابتة عند فوهة مياه الشلال!

بغداد الحلم / الحقيقة

تلوّنت السماء بأحشاء زرقاء، وبدت أشبه بموج البحر.. ومن الألوان الأشدّ عمقاً والأثقل من الأثير، كان يأتي الموج.. ويختلط الزبد بالغيم، والنوارس بالأسماك، والقوارب الصغيرة بالصقور، والرعد بخرير الجدول والشلال..

كنت عابراً، مرتحلاً، مؤقتاً، وقفراً..

في بلّورة الروح

تنمو المروج.. وتعدو الخيول.. وتجري البحار!

فهي المدينة نفسها.. والروح مكتئبة.. الأخت والأم وابنة الجيران ينتحبن في الزاوية.. والأخ يدور في حلقة التوجّسات والأقدار المعتمة.. عسسٌ بلا أسنان حول البيت يتربّصون بشمعة تُضاء، فتلمع روحها في الباب والنافذة.. حان موعد الخروج.. عَدْواً بين القبور أو أزاهير المروج!

لؤلؤة بحرية

تنام فينيسيا تحت الماء، لتصحو بمنائرها وأبراجها الخالدة مع كلّ فجر..

ما زلت أتذكّر ذلك اليوم البعيد من عام 1978، حين أُجبرتُ، في ليلة سوداء، على الرحيل هارباً من العراق عبر تركيا إلى اليونان، بجواز سفر وختم منتهيَي الصلاحية..

كنت أعدو باحثاً عن مرفأ أو ملجأ..

الباخرة اليونانية متّجهة إلى فينيسيا.. وضعت حقيبتي في الغرفة المخصّصة للنوم، وخرجت إلى المقصف الرئيس.. أحسست بالإعياء والدوار.. دوار البحر رافقني طوال الرحلة.. صداع وغثيان.. الناس في الصالة يمارسون كلّ أنواع المرح، ويتناولون الطعام والأنخاب، ويتعارفون ويرقصون.. بينما أزدرد أنا حبوب الدوار واحدةً بعد أخرى، وأتألّم..

بعد أيام في البحر، أعلنوا موعد الوصول: الخامسة صباحاً..

خرجت إلى سطح الباخرة.. السماء بلا نجوم، ترقد كلوح أسود فوق بساط البحر العميق المعتم.. حزن وخوف ورهبة.. المشهد لا يوصف.. فراغ لانهائي مغلق.. اختفى الكون كلّه، وتهدّمت أعمدته في فراغ معتم..

النسيم وصوت محرّك الباخرة وحدهما ما يذكّر بالحياة.. أينما نظرتَ ترى سواداً يتكرّر.. العقل يتشوّش ويضيع المعنى..

شعور مرير بالمرض والرهبة والضعف والوحدة والوحشة والقنوط..

من لا مكان.

فجأةً.. انبثقت عبر الظلام البعيد رؤوس أبراج تشعّ مثل بصيص أمل أو خيط من سراب.. كانت تلك فينيسيا، الغافية وسط محارة كونية، تستيقظ وهي تتثاءب.. أبنية وأبراج وسفن راسية ومعالم مدينة كاملة تظهر..

أحسستُ بلذعة جنونية من البهجة..

أخذت أضحك بلا انقطاع..

أنظر إلى السماء وإلى البحر وأضحك..

أضحك على السواد والعتمة والشك والضعف واليأس والحزن..

بهجة الدنيا كلّها وعافيتها استيقظتا في داخلي..

يا له من فرح!

كلا.. لا يمكن لفينيسيا أن تُرى إلا بهذه الطريقة.. يُعثر عليها كمحارة بحرية في لحظة قنوط.. تؤخذ دفعةً واحدةً.. بكلّيتها.. تؤخذ ولا تُعاد.

نوارس

في صيف عام 1995، وفي زيارتي الأولى لشلالات نياگرا في كندا، بقيت مذهولاً، غائباً عن الوعي للحظات..

المياه الجبّارة تنهمر على الأرض، خالقةً ما يشبه حلماً فلسفياً غامضاً، له لون أزرق ودخان رذاذي يفصل المياه عن الهواء.. يفصل الوجود عن العدم.

ولولا ذلك الرذاذ البارد المتطاير على وجهي، لما استيقظت من حلمي العجيب ذاك!

إنه الانذهال المغتبط الحزين أمام رؤية الجمال الكوني المطلق!

أحسست بقربي وجود رجل من السكان الأصليين، من الهنود الحمر، أتى بابنه في فجر ذلك الصباح البلّوري ليريه الشلال العظيم..

كان وجودهما أثيرياً، وخطابهما طقسياً:

قبل أن يطأ رجل أبيض أو أسود أو أصفر أميركا، واحة الملائكة هذه..

يشرح الهندي لابنه:

إذا دقّقت النظر في الرذاذ الشفيف، سترى في قوس القزح المائي انبعاث أرواح أجدادك الموتى، وستسمع حديثهم، وحتى ضحكاتهم.

بعد لحظات، كانا قد انقلبا إلى نورسين، ولحقا بالنوارس التي كانت تحلّق بغبطة فوق سطح الماء!

الفردوس

في بيرو تمتدّ غابات الأمازون..

عشنا أياماً في بطن الحوت.. لا توجد مكيّفات هواء، ولا مرافق صحية، ولا أطعمة لها مذاق مألوف أو مأمون.. ننام ونصحو تحت المطر.. رذاذ ومطر..

المطر في كلّ مكان.. داخل الخيمة مطر، وخارج الخيمة مطر.. سيول من المطر، وكأن البحر انتصب واقفاً، يفرغ مياهه فوق هامات الأشجار والحيوانات والطيور والبشر على السواء..

من العسير التنفّس في هذا المكان، إلا لمن يمتلك رئةً صالحةً.

بعد اليوم الرابع من المطر المتواصل، ظهرت الشمس بين أطراف أشجار الغابة التي بدت وكأنها تودّع الحياة، كشراع سفينة تغرق..

مع ضوء الشمس ظهرت بالونات نيونية من ألوان باهرة.. وظهرت برك مليئة بالأسماك المذهلة.

من أين جاء كلّ هذا السمك؟..

ظهر هنود الأمازون بأجسادهم العارية ونبالهم المسمومة، وعلى أكتافهم صيدهم من الطيور والأرانب والقِرَدة..

نباتات وأشجار فطرية عذراء، وحيوانات وطيور لم ترَ إنساناً، ولم تتلوّث برائحته بعد..

كيف خُلق هذا العالم، ولمن؟..

قال المترجم:

هذا هو الفردوس.. إذا تخلّف فيه إنسان واحد، فسيحيله إلى جحيم!

ساحرة جامايكا الوثنية

بسنانيرها تعلّق الفراشات والطيور والأسماك الصغيرة..

على الشاطئ، في مكان قريب من صخرة كونية هائلة، كانت تبيع الحلزونات العملاقة وقلائد الصدف المربوطة بتعاويذ الفودو..

لونها، بسبب أشعة الشمس والغوص الدائم في الماء المكثّف بملوحة البحر، وبسبب أرديتها القليلة التي لا تكاد تغطّي عورتها وصدرها، يجعلها تبدو كحارسة سوداء من بنات الجزر..

بمليمات قليلة وضعناها وسط راحتها، أدنت من آذاننا تلك القواقع والحلزونات، وتركتنا نلمسها بعناية ولطف، لنصغي إلى صوت انطلاق الريح وتكسّر الأمواج على الشطآن البعيدة التي لم ترَ بشراً من قبل.

انصرفنا عن المرأة، وفي قلوبنا لغز، وفي أرواحنا متاهة من ضباب.

راهبات المتعة

في مساء مدينة كيوتو، دخلت مقصفنا أربع دمى من نوع الغيشا، بملابسهن الزاهية، وأشرطتهن الحريرية، وقبعاتهن التي تمثّل الربيع والجمال..

رقصن بمظلّاتهن الملوّنة رقصات الباراسول*، وغنّين أربع أغنيات من الميكادو*، ثم جلسن على الأرض ليعزفن لنا مقطوعات على الشاميسن*، ويلقين على مسامعنا أبياتاً من نظم ماتسوؤو باشو*..

كان علينا أن ننظر ولا نلمس..

تلك الأشرطة الصفراء التي تطوّق الخصور الرهيفة لا يمكن فتحها.. تلك الشفاه لا يمكن تقبيلها.. تلك الأجساد لا يمكن لمسها أو رؤيتها عاريةً.

يبتسمن ولا يضحكن، فالضحك ممنوع..

يتحدّثن بأصوات تشبه أجراس النسيم..

راهبات الفن والبهجة.. عذراوات بوجوه دمى من مرمر..

كيف فكّر اليابانيون في خلق ذلك الحلم.. تلك الهلوسة الزاهية للوجود البشري؟..

يا لها من عذوبة يتخدّر بها السمع والبصر.. تبقى معك، ولا تتلاشى ولا تنتهي ما حييت..

لا أزال أفكّر بهن.. بوجوههن الحقيقية.. بأجسادهن التي لم يلمسها بشر.. بأقدامهن بالغة الصغر..

أراهن سجينات صومعة وهم مقدّس.. شهيدات كاميكازي*..

لولا كراهيتي للسيوف والحروب، لتمنّيت أن أعود ساموراي*، لأطلق وثاق حبيباتي السجينات..

لا أزال أشمّ عطرهن المميّز.. عطر جزر اليابان المقدّسة..

آه، يا له من حلم مدوّخ!

Geisha: a traditional female Japanese entertainer.

Parasol dance: a dance performed with an umbrella.

Mikado: a type of traditional Japanese singing.

Shamisen: a banjo-like, three-stringed musical instrument.

Matsuo Bashō (1644–1694): one of the greatest Japanese poets.

Kamikaze attacks: suicide attacks carried out by Japanese aircraft against U.S. warships and aircraft carriers during World War II.

Samurai: warriors in feudal Japan.

فايكنغ

في الدنمارك زرنا قصراً جبّاراً يعود إلى الملك.. جلسنا على أثاث ذهبي يعود إلى الملكة.. تمشّينا بين الساحرات ذوات الشعور والعصي الذهبية..

ألقينا نظرةً على حشائش كريستيانيا، وشربنا من مياه بحر يضجّ بحوريات أندرسن..

خلعنا أرديتنا، وارتدينا قبعةً وأساطيرَ مجد الفايكنغ..

يا له من مكان عامر بالأمن والسلام..

ما إن تركناه، حتى ذبلت السعادة في قلوبنا كذبول أزهار وأشواق صديقتي «هَه ني»، التي اختطفتها قبلات طيور القاطرات المعدنية، شرهة المخالب والمناقير!

التفاحة الكبيرة

حفنة من صبايا الغيوم ترقص حول جذوع ناطحات السحاب..

الخراف البيض والسود تمرح في الطرقات بين حقول الحجر والأسمنت..

الساعات المعلّقة فوق رؤوس الأبراج، والتي تشبه ساعة «بيغ بن»، تنثر علينا نثارة الوقت كأشرطة ونجيمات الأعياد..

جادات نيويورك تفضي كلّها إلى مراقص ومطاعم وبارات..

أضواء تشبه المساحيق الملوّنة لمهرّج السيرك..

نرتعد مع كلّ مفاجأة.. ونجفل من كلّ مطب..

كؤوس وأوانٍ خزفية تتهشّم.

*التفاحة الكبيرة: أحد أسماء مدينة نيويورك. Big Apple

خبز

يلقي نهر مانثاناريس ربطة عنقه الزرقاء خلف ظهره، فتخفق كمنديل في طرقات مدريد وساحاتها..

هذا اليوم لم تكن السماء المشمسة على طبعها المعتاد.. رُزقنا بغيوم كأزهار شوكية دامعة..

بلا مظلّات أو ربطات رأس تقي تسريحات النساء، يتسكّع المدريديون، وعلى بدلاتهم الباذخة الملوّنة تنقر الغيوم بمناقير مائية نقرات سريعةً مرحةً.

كالعشّاق، يطوّحون بأذرعهم فوق الأسيجة، ويتبادلون مسرّة إطعام أسماك متلألئة كالألمنيوم اللمّاع، أيقظتها فقاعات المطر، فأخذت تتقافز قرب أقواس القناطر والجسور..

خلف صرح متحف «ديل برادو» البهي، توقّفت لأراقب الثور الهائج الذي أطلقوه في طرقات المدينة..

قالت فتاة ترقص في الشارع رقصة الفلامنكو مع شاب خصره كخصر الدبور:

ننام جياعاً ليلةً أخرى لتخفيف الوزن.

ثم تبادلا قبلات سريعةً.

ضغط دالي على الزر في طرف شاربه الأيمن.. فخرجت لنا ساحات الأزمان الرمادية المغطّاة برائحة أسلحة الحروب الأهلية..

جرادة إسبانية طويلة الأطراف تربض على عنق فرانكو..

حياة عنيفة وموت.. رقص وخبز وجوع!

تحليق

النفق الذي يصل المطار بالطائرة يمرّ بمتحف زجاجي يحتوي على مجسّمات مصنوعة بإتقان وعناية فنان:

أغلال تتدلّى من معاصم عبيد فشلت أجنحتهم في محاولة الطيران الأولى..

صقور ونسور بمناقير بشعة وعيون محتقنة بالحمرة، تفترس عصافير أسكرتها الحرية والثقة بالنفس..

حشرات بقلوب مذهّبة، احترقت أجنحتها بين لهيب مشاعل الإغراء وشموع الدفء..

أنا المسكون بالوحشة..

أنام بين مقاعد السماء الرابعة والخامسة..

أحلم بالأرض الموعودة القديمة.. أرض سومر وعيلام.. مرتعاً للجنّة الأولى، وللزاد والماء الوفير.. مرتعاً للبهجة الفطرية وأحلام الخلود..

ذراعاي من طين غريني وماء..

أحلّق فوق مدرّجات مسلّات الرحمة وعتبات الحق والغفران..

أسري بأجنحتي..

لا يعفّرني التراب، ولا يمنعني الحنين..

أحلّق..

أنجو..

ولا أعود!

عودة

أخطو على هذه الدرب الطويلة الموبوءة بالهواجس..

سأمرّ من تحت قنطرة المرفأ..

طيور فاختة ونوارس على أسفلت الدكّة المبلّلة..

سأجتاز دروباً ومحلّات تصعد.. حتى أصل إلى مدرّجات طويلة تشبه مدرّجات معبد.

وأخيراً أصل إلى بيتي..

بابه رمّانيُّ الخشب..

أفتحه..

يصرّ.. يصرّ..

أطبقه..

ويتلاشى الخوف!

***

فؤاد ميرزا

 

في المثقف اليوم