كلَّ يومٍ أسافر.. أسافر بعقلي وروحي، وأحلّق في فضاءات التأمل والصمت والتمعّن والتبصّر. أنقّب في مفهومٍ من مفاهيم الحياة الكثيرة، وتسحرني الطبيعة البشرية بما فيها من تعقيدٍ وغموض؛ فأغوص في ردّة فعلٍ صدرت مني، أو في مشهدٍ مرّ أمامي في الحياة، أو حتى في لقطةٍ من فيلمٍ لامست قلبي.
لا أتوقف عند ظاهر الحدث، بل أحاول أن أتمعّن في روحه، وفي ذلك الشيء الخفي الذي يختبئ خلف الكلمات والأفعال والمشاعر.
ثم تأتي الكتابة… المحطة الأخرى من هذه الرحلة.
فعندما أكتب، أتبصّر أكثر فيما جال في عقلي وخيال روحي، وأحاول أن أحوّل ذلك اللاملموس إلى شيءٍ ملموس، يمكنني رؤيته والتأمل فيه ومواجهته. وربما لهذا أشعر، حين أكتب، بمسؤولية تجاه ما أكتبه؛ لأنه لم يعد مجرد فكرةٍ عابرة، بل أصبح شيئًا خرج من أعماقي إلى النور.
وأشعر، على نحوٍ خفي، أن الكتابة تساهم في ترتيب عقلي وروحي، وكأنني في كل مرة أكتب فيها أضع شيئًا من الفوضى في مكانه، وأمنح بعض الأسئلة شكلًا، وبعض المشاعر اسمًا، وبعض الألم فرصةً لكي يُفهَم.
وقد ساعدتني في بعض هذه الأسفار علاقاتٌ جاءت محمّلةً برسائل لكشف ظلالي، فأظهرت لي جوانب في نفسي ربما لم أكن لأراها لولاها. ومن كشف الظلال قد يصبح الطريق أكثر سلاسةً نحو النور.
لذلك، ربما لا تكون كلُّ العلاقات المؤلمة علاقاتٍ فاشلة، إذا أحسنّا قراءة ما جاءت لتكشفه لنا؛ فقد تنتهي العلاقة، لكنها تتركنا أكثر معرفةً بأنفسنا وأقرب إلى نورنا الداخلي
وهذا يجعلني أتذكر ما قرأته لعالم النفس كارل يونغ عن تلك الجوانب المتعددة التي يحملها الإنسان في داخله؛ جانب النور، بما يمثله من .خيرٍ ووعيٍ وقيمٍ جميلة، وجانب الظل، بما يختزنه الإنسان من مشاعر مكبوتة، وآلام، وغضب، وضعف، وربما جوانب لا يحب أن يراها في نفسه أو يعترف بها.
ولعل الحكمة الحقيقية لا تأتي من ادعاء أننا أبناء النور فقط، بل من امتلاك الشجاعة للنظر إلى ظلالنا أيضًا.
فالإنسان المتصل بنوره ليس ذلك الذي لا ظلال له، بل ذلك الذي عرف ظلاله، وكاشف نفسه بها، واعترف بما فيها، وحاول أن يفهمها ويعالج ما يمكن علاجه فيها، ثم تصالح معها دون أن يسمح لها بأن تقوده.
ربما كانت بعض أسفاري الأعمق هي تلك التي لم أقطع فيها طريقًا، ولم أحمل فيها حقيبة…
بل أغمضت عيني، وتأملت، وغصت في أعماقي، ثم عدت من تلك الرحلة وأنا أعرف عن نفسي شيئًا جديدًا.
فالأسفار التي غيّرتني حقًا، لم تكن جميعها إلى مدنٍ بعيدة…
بعضها كان إلى داخلي.
بذور أفكاري
***
حميدة القحطاني








