عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

محمد خليفة أحمد: قراءةٌ فكريةٌ في فيلمِ «المُلْحِد» وخطاب الوصاية

هناك عبارةٌ منطقيةٌ وقاعدةٌ تقول «الحُكْمُ على الشيء فَرْعٌ عن تصورِهِ»، بمعنى أنك لا يمكنك أن تُصدِرَ حُكمًا وتقييمًا لشيء ما، إلا بعد المعرفةِ به، والإلمام بتفاصيلِهِ، وإلا سيكون ما سوى ذلك من قبيل الانطباعاتِ الهوجاءِ، التي لا تستندُ إلى لا إلى عقلٍ ولا إلى منطقٍ.

بدايةً، فإن فيلم «المُلْحِد» الذي جاء في عنوان هذا المقال، هو فيلم مصري، مِن تأليف الأستاذ: إبراهيم عيسى، تم اكتمالُ تصويره، وكان من المفترَض أن يُعرَضَ في العام ٢٠٢٣م، ولكنه مرَّ بسلسلةٍ مِن التطوراتِ وإيقاف العرْض، إلى أن تم عرْضُهُ للمرةِ الأولى في سينمات مصر في نهاية العام الماضي ٢٠٢٥م، في رأس السنة، وقد قَيَّدتُ عنوانَ المقالة بأنها قراءة «فكرية»، لأنني أعلمُ أن هناك بعض الانتقادات «الفنية» حول الفيلم والسيناريو والتنفيذ...إلخ من أمور الصناعة السينمائية، ولكني -كما قلتُ- أتناولُ هذا الفيلم مِن ناحيةٍ «فكرية» فلسفية.

والفيلم قامَتْ حوله وبخصوصِهِ حالةٌ مِن الجدل الكبير، فبمجرَّدِ نزول «البرومو» الخاص بالفيلم؛ اندفعَ جمْعٌ غفيرٌ مِن الجماهيرِ، والتياراتِ الدينيةِ، معارِضة أو ساخطةً أو لاعنةً ومُتَّهِمَة للفيلم ومؤلِّفِهِ والقائمين عليه، وتبرير هؤلاء لهجماتهم هذه هو أن هذا الفيلمَ يَدْعَمُ الإلحادَ، ويريدُ أن يضربَ الدينَ ويحاربَهُ.

هذا الانطباعُ هو ما جعلني أبدأ المقالة بعبارة: «الحُكْمُ على الشيء فَرْعٌ عن تصورِهِ»، فإننا إذا أردنا تناولَ حالةِ الصَّخَبِ التي دارتْ بشأن هذا الفيلم في إطار هذه العبارةِ المنطقية؛ سنجِدُ أن هذا الصَّخَبِ حول الفيلمِ لم يحقق أدنى درجاتِ التفكير المنطقي؛ علامَ تُهاجِم؟ ومَن تُهاجِمُ؟ هل كان الفيلم وقتها تم عرْضُه أصلًا حتى تستبق كلَّ شيء، وتَقْفِز على كل القواعد العقليةِ، والمنطقيةِ، وتعطي حُكْمًا على شيء لم تتصوره، ولم تشاهده، أي لم تعرفه أصلًا بعدُ؟ وكأن هذه الحالة الهوجاء في هذه الفترة التي أعقبَتْ عَرْضَ «البرومو» تُشبه إلى حد كبير ما يسمِّيه المناطقة -علماء المنطق-: مغالطة رجل القش، أو مهاجمة رجل مِن القَش، ومعنى هذه المغالطةِ المنطقيةِ، في إحدى صورها، أن الشخصَ يُنشئ شيئًا لا وجودَ له، ثم يَشْرُعُ في مهاجمته(١).

ومِن ثَمَّ، علينا أن نعرِف ما الدوافعُ وراء مهاجمةِ شيء لم يكن -وقتها- قد عُرِضَ من الأساس، ولنستبْطِن الأسباب.

أولًا: الانطباعات المُسبَقة

إن مؤلِّفَ فيلم «المُلْحد» هو الأستاذ إبراهيم عيسى، ولا يخفى على كثيرين مدى الخلاف من الجماعات الإسلامية وغيرهم معه ومع أطروحاته، وبالتالي، عندما عُرِضَ الإعلانُ عن إذاعة فيلم يحمل اسم «المُلْحد»، وكان مؤلُّفه إبراهيم عيسى؛ فالنتيجة إذًا: حَكَمَتْ هذه الجماعاتُ على الفيلم بمعاداة الدين، وتدعيم الإلحاد، من غير انتظارٍ لمشاهدة الفيلم على الأقل، ثم تكوين الانطباع، لم تحتَجْ هذه الجماعات وقتًا؛ فُحُكْمُها جاهزٌ، وسوء النية مُفتَرَضٌ، مع أنهم يقرأون ليلًا ونهارًا قولَه تعالى: «یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِن جَاۤءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإࣲ فَتَبَیَّنُوۤا۟ أَن تُصِیبُوا۟ قَوۡمَۢا بِجَهَـٰلَةࣲ فَتُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَـٰدِمِینَ». (سورة الحجرات، الآية: ٦)، ومع تلاوتهم لهذه الآية، إلا أنهم ليسوا بحاجةٍ إلى التبيُّن ولا إلى التثبُّت من كوْن الفيلم معاديًا للدين، وداعمًا للإلحاد أم لا.

ثانيًا: اسم الفيلم

مما لا شكَّ فيه، أن جزءًا كبيرًا، وعنصرًا رئيسًا -من ضمن العناصر- من أسباب مهاجمة الفيلم، كانت بسبب اسمه: «المُلْحِد»، مع أن اسمَ الفيلم يتكون من كلمة واحدة، غير دالة لا على تأييد ولا على معارَضة، فمِن أين وكيف استنبطوا من عنوان فيلم بكلمةٍ واحدة «المُلْحِد» أنه يدعمُ الإلحادَ؟ العنوان بهيئته مجرَّدٌ من أية ميول، فلا يَحمِلُ دلالةً على التأييد ولا على الرفْضِ، وسأضْرِبُ على ذلك مثالًا: المستشرق المجري: جولد تسيهر، له كتاب بعنوان: «العقيدة والشريعة في الإسلام»، فهل نفهمُ مِن عنوانِهِ هذا (طبقًا لمنطق المهاجمين لفيلم المُلْحد) أنه يؤيِّدُ الإسلامَ فقط لأن عنوان كتابه وردت فيه ألفاظٌ إسلاميةٌ مثل: «العقيدة» و «الشريعة» و «الإسلام»؟ وفقًا لمنطق هذه الجماعات نعم، إذا فُهِمَ من عنوان فيلم «الملحد» أنه يدل على الإلحاد، فلنفهم إذًا أن عنوان كتاب هذا المستشرق يدل على أنه يدافع عن الإسلام.

ومثالٌ آخَر، الدكتور طه حسين له كتابه الشهير، بعنوان «في الشِّعْر الجاهلي»، فهل لمجرد ذِكْر كلمة «الشِّعر الجاهلي» في العنوان يعني أنه يؤيِّدُ الشعر الجاهلي؟ بل على النقيض تمامًا، كان طه حسين في هذا الكتاب ينفي وينكر وجودَ معظم الشعر الجاهلي(٢)

ثالثًا: سيكولوجية الجماهير

يقول غوستاف لوبون في كتابه «سيكولوجية الجماهير»: إن الجماهير غير ميَّالة كثيرًا للتأمُّل، وغير مؤهلة للمحاكمة العقلية، ولكنها مؤهَّلة جدًّا للانخراط في العمل...ففي بعض الأحيان، يمكن لتكتُّلٍ ما من البشر أن يمتلك خصائصَ جديدةً، مختلفة تمامًا عن خصائصِ الفردِ عندما كان وحده وبمفرده بعيدًا عن جماعة ما، فعندئذ تُطمَس الشخصية الواعية للفرد، وتصبح عواطف الجماهير هي المسيطرة والمُتَحَكِّمة والموجِّهة له(٣).

بمعنى أن الشخص عندما يندرجُ وينخرطُ في جماعة من الجماهير، فإنه يكتسب صفاتٍ أخرى غير التي كانت عنده وهو فرد خارج الجماعة، وهنا تختفي شخصيةُ الفرد، لينخرط في الجماهير، ويردد هتافاتهم عن غير اقتناع -غالبًا- ولا منطق، ولكن وجوده وسط هذا التكتل جعلَه يكتسبُ آراء هذا الوسط وجماعته، وينادي بأصواتهم، ويأتمر بأمرهم.

وإذا أردنا أن نطبِّق هذا المنظورَ التحليلي النفسي للحالة التي صاحبَتْ الإعلانَ عن فيلم الملحد، فنشيرُ إلى أن جمهرةً كبيرةً -دون تعميم- انخرطتْ في الهجومِ على فيلم «الملحد» انجرافًا وراء الجماهير وما هو سائد، وتأثرًا بالحالة الملتهبة التي كانت حاصلة حينها، فكأن شخصية كل فردٍ من الجماعات المتكتلة -وليس على التعميم أيضًا- انْمَحَتْ لصالح الجماهير والصوت العالي وقتها، ومِن ثَمَّ، فهذه الحالة شكَّلَتِ اجتماعًا جماهيريًّا عريضًا، ليس بالضرورة أن يكون كل فرد من هذه الحشود واعيًا بما يقول، ولا مُدرِكًا لِمَا يعارِضه ويردده، وإنما كل ما في الأمر أن الحالة العامة المشتعلة التَهَمَتْه وابتلعتْه؛ فلم يستطع أن يقول كلمةً واحدةً خارج هتافات هذه الجماهير، وإذا أردنا أن نقرِّبَ الصورةَ: فهذا الأمر يُشبِهُ شخصًا يجلسُ في مدرجاتِ ملعب كرة قدم، لمباراة بين الأهلي والزمالك -على سبيل المثال-، فإذا كان هذا الشخصُ يَجْلِسُ وسط جماهير الأهلي، فإنه لا يستطيع -غالبًا- مثلًا أن يرتدي تيشيرت الزمالك، أو أن يَهتِفَ لصالح الزمالك؛ وإنما سينضوي تحت جماعة الجماهير وتوجههم، وإلا لحدَثَ ما لا يُحمَد عقباه.

هذه حالةٌ مزمنةٌ لا تتعلقُ فقط بفيلم «المُلْحد»؛ وإنما هي توجُّهٌ وصائي جماهيري، يَجْعَلُ مِن نفسِهِ رقيبًا على كل شيء، أو بمصطلح الدكتور مراد وهبة: «مُلَّاك الحقيقة المُطلَقة»، الذين يظنون في أنفسهم أن مصيرَ كوكب الأرض بأيديهم، ولديهم الأحكام الجاهزة دون أن يتصوروا الأمرَ أو يعرفوه، أو يطَّلِعوا عليه مِن الأساس، ومِن مظاهر هذه الوصاية التي عاينتُها بنفسي: كانت عند ذهابي لسماع فيلم «المُلحِد» بصحبة خطيبتي؛ حيث وجدتُ الموظفَ المُكلَّفَ بحجْزِ التذاكر ينظرُ إليَّ شزرًا، وذلك عندما أخبرتُه بأن يقوم بالحجز لنا لمشاهدة فيلم «المُلْحد»، وقام بالحجز على مَضَض، وكانت هناك سينما أخرى، قريبة من السينما التي شاهدنا الفيلمَ فيها، أنكرَ موظفُ قطْع التذاكر وجودَ عرْضٍ للفيلم أصلًا، قائلًا: الفيلم ممنوع من العرض! بينما كانت هذه السينما تضع إعلانًا عن الفيلم وغيره من الخارج، والفيلم قد سُمِحَ بعرضه، ولكن لربما ظن هذا الموظف أنه بذلك يقدِّم خدمةً للدين، بنجاحه في إبعاد أحدهم عن مشاهدة الفيلم! وكان من اليسير وضْع هذا الموظف في موقف محرج وتقديم شكوى بذلك، ولكني -لسبب أو لآخر- آثرتُ عدم فعل هذا الأمر، وتوجهتُ للسينما المجاورة، وقمتُ بمشاهدة الفيلم فيها برفقة خطيبتي.

هذا بخصوص السياق العام لظهور فيلم «الملحد»، أما أحداثُ هذا الفيلم، والقضايا الفكرية والتراثية التي تَعَرَّضَ لها، فنستكملُها بإذن الرحمٰن فيما هو قادمٌ مِن المقالاتِ بخصوص هذا الموضوع.

***

بِقَلَم: محمد خليفة أحمد ـ باحث دكتوراة بكليةِ دارِ العلوم

....................

هوامش المقالة

(١) عادل مصطفى، «المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوري»، (ط١، القاهرة، مؤسسة هنداوي، ٢٠١٩م)، ص ١٤٣: ١٤٤.

(٢) د. طه حسين، «في الشعر الجاهلي»، تقديم: عبد المنعم تليمة، (ط١، القاهرة، دار رؤية للنشر، ٢٠٠٧م)، ص ٧١: ٧٢.

(٣) غوستاف لوبون، «سيكولوجية الجماهير»، ترجمة وتقديم: د. هاشم صالح، (ط١، بيروت، دار الساقي، ١٩٩١م)، ص ٤٥.

 

في المثقف اليوم