بين زمان «أقحوان منتصف الليل» ومكان «مدينة تسكنني»
إذا كان المكان هو الذاكرة حين تتخذ شكلًا، فإن الزمان هو الذاكرة حين تتحرر من المكان.
وبين روايتي «مدينة تسكنني» و«أقحوان منتصف الليل» يبدو أنني كنت أكتب، دون أن أنتبه، عن الشيء نفسه من جهتين مختلفتين: مرةً عن مكانٍ يسكن الإنسان، ومرةً عن زمانٍ يسكنه الإنسان.
في «مدينة تسكنني» لم تكن المدينة جغرافيا فحسب؛ كانت كائنًا حيًا، ذاكرةً تمشي معي، وبيتًا لا تنتهي حدوده عند آخر شارع فيه. المدينة هناك لا تُغادر عندما يغادرها الجسد، لأن بعض الأمكنة لا تسكن الخرائط، بل تسكن القلب. وقد كتبتُ أن بعض المدن تتحول إلى «نبض سري» يرافقنا كلما ظننا أننا غادرناها.
أما في «أقحوان منتصف الليل»، فقد انتقلتُ من سؤال أين؟ إلى سؤال متى؟
لكنني لم أتعامل مع الليل بوصفه عقربًا في ساعة، بل بوصفه حالةً من حالات الروح. قلتُ إن الليل لم يكن زمانًا بالمعنى البسيط، بل حالة، وإن الصمت لم يكن فراغًا، بل امتلاءً بأصوات لم تُقَل.
وهنا تلتقي الروايتان.
«مدينة تسكنني» هي مكانٌ يتحول إلى زمن، و«أقحوان منتصف الليل» هو زمنٌ يتحول إلى مكان.
فالمدينة تحفظ طفولتنا، وأصوات الذين أحببناهم، ورائحة البيوت، وظلال الأشجار، وملامح الشوارع التي تغيرت بينما بقيت صورتها فينا كما هي. إنها لا تحفظ المكان فقط، بل تحفظ الوقت الذي عشناه فيه.
والليل، في المقابل، يفعل الشيء ذاته.
حين يأتي منتصف الليل، لا يعود الليل مجرد ساعات تمتد بين مساء وصباح؛ يصبح غرفةً داخلية، ندخلها وحدنا، ونلتقي فيها بما أخفيناه عن النهار. لذلك كان الأقحوان قادرًا على أن يزهر في الظلام؛ لأن بعض الجمال لا يحتاج إلى الضوء كي يولد، بل يحتاج إلى العتمة كي يُرى.
ولعل الفرق بين الروايتين هو أنني في «مدينة تسكنني» كنت أبحث عن الذات في المكان، بينما كنت في «أقحوان منتصف الليل» أبحث عن الذات في الزمن.
في الأولى أسأل:
ماذا فعلت بنا الأمكنة التي أحببناها؟
وفي الثانية أسأل:
ماذا تفعل بنا الأزمنة التي عبرناها؟
لكن السؤالين يلتقيان في نهاية الطريق:
من نحن بعد أن يترك المكان أثره فينا، ويترك الزمن ندبته؟
فالمدينة تشبه الذاكرة؛ كلما ابتعدنا عنها ازدادت حضورًا.
والليل يشبه الذاكرة أيضًا؛ كلما خفتت أصوات العالم من حولنا، ارتفعت أصواتنا الداخلية.
ولهذا ربما لم تكن المصادفة بريئة حين التقت في مكتبتي روايةٌ اسمها «مدينة تسكنني» بروايةٍ اسمها «أقحوان منتصف الليل».
واحدة تقول:
أنا المكان الذي بقي فيك.
والأخرى تقول:
أنا الزمن الذي بقي منك.
وبينهما يقف الإنسان، ذلك الكائن الغريب الذي لا يعيش في المكان وحده، ولا في الزمن وحده، بل يعيش في المسافة السرية بينهما؛ في الذكرى.
فالطفولة مكان، لكنها أيضًا زمن.
والحنين زمن، لكنه يحتاج إلى مكان كي يتجسد.
والحب مكان نسكنه، حتى لو لم يكن له عنوان.
والفقد زمن نعيش فيه، حتى لو توقفت الساعة.
لهذا أشعر اليوم أن الروايتين ليستا كتابين منفصلين بقدر ما هما فصلان من سؤال واحد.
في «مدينة تسكنني» كتبتُ عن مكانٍ لم أستطع مغادرته.
وفي «أقحوان منتصف الليل» كتبتُ عن زمنٍ لم أستطع الخروج منه.
وفي الحالتين كنت أكتب عن الإنسان حين يصبح أسيرًا لما أحب.
فالمدينة التي أحببناها لا تنتهي عند حدودها.
والليل الذي عبرناه لا ينتهي عند الفجر.
كلاهما يترك شيئًا منه فينا.
وربما لهذا، حين أغلقتُ «أقحوان منتصف الليل»، شعرت أنني لم أنتهِ منها؛ خرجتُ من الكتاب جسديًا، لكنها بقيت مفتوحةً في داخلي، تزهر كلما حلّ الليل.
وكذلك «مدينة تسكنني»...
لم أغادرها يومًا.
لأن بعض المدن لا نعود إليها...
هي التي تعود إلينا.
وبين مدينةٍ تسكنني، وأقحوانةٍ تزهر في منتصف الليل، أكتشف أنني لم أكن أكتب عن المكان والزمان بقدر ما كنت أكتب عن الإنسان الذي يصنع من كليهما وطنًا لذاكرته.
***
صابر الحميدي








