أول ما يلفت في المجموعة (ساق تحدق) للكاتب والروائي جمال العتابي.. جمال الأسلوب والتعبير والوصف الدقيق، الذي قابل ما بدا «حزنًا لا بدّ منه» عندما نكتب قصةً عراقية. أجاد الكاتب في الوصف دون مغالاة، ولم يستعطف القارئ. فأبطال القصص لا يبحثون عن التعاطف بقدر ما يبحثون عن إسماع الآخرين ما مرّوا به. كُتبت القصص بفرشاة رسّام شاعر، يصف بإحساس أرقّ من خفق جناح فراشة، بلا تكلّف. وللأسلوب السردي قربٌ من نبل القوافي الشعرية، فالكلمات كانت في مكانها طوال القصص.
وأكثر ما أحببتُ هذا المقطع من «اعتراف متأخر»:
«أناس غير مكترثين بأنك عشت وطرًا من حياتك هنا، تكتظ بهم الأرصفة، لا يعنيهم شيء من أحلامك، ولا شظايا روحك المبعثرة. تقلّب فيمن حولك النظر، لم تجده مرة أخرى، ذلك الوجه الشاحب والنظرات الخفيضة، ما ضاع، ضاع، لا وقت للحسرة. لتسترح، لقد تعبت خطاك في متاهات السنين.
ـ ألم تدرك بعد أن هذه المدينة خالفتك منذ زمن بعيد؟ ودّعها، ودّعها؛ إنها في البحر تغوص، ومن أمامك تنمحي.
ـ كانت لي ذات يوم، لي أنا وحدي، أو هكذا أوهمتني.
ـ كفّ عن البكاء. فالعشّاق الموتى يتكاثرون…
صفير قطار بعيد يتعالى على أهبة الرحيل.»
أحببتُه لأنه قد يكون صدى لما يدور في داخلي وأنا أعود بذاكرتي إلى تلك الأيام التي عشناها في زمن البعث، وإلى هذه الأيام التي نعيشها الآن في زمن «العبث». كأننا لم نربح من صبرنا على ويلات البعثيين سوى تغيير طفيف في مواقع حروف واقعنا العراقي.
تنجح «ساق تحدّق» في تحويل الألم الجماعي إلى تجربة جمالية تحترم القارئ، وتجمع بين صدق التجربة ورهافة اللغة وعمق الدلالة. وهي بذلك مجموعة جديرة بالقراءة المتأنية، وتستحق مكانها ضمن الكتابة السردية التي تتجاوز الشكوى إلى الشهادة.
تحياتي وامتناني لك، عمو جمال، وشكري وتقديري الكبير لك؛ لأنك سمحت لي بأن أحظى بقراءة «ساق تحدّق».
***
عمار الحميداوي
كاتب وإعلامي مقيم في فرنسا








