عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

رمزي ميركاني: المسلسلات المدبلجة

حين تدخل الدراما إلى قلب العائلة العربية

لم تعد المسلسلات المدبلجة مجرد وسيلة للتسلية وتمضية الوقت، بل أصبحت جزءاً من الحياة اليومية في كثير من البيوت العربية. فمنذ انتشار الدراما التركية والهندية والكورية واللاتينية، تغيّرت عادات المشاهدة لدى العائلات، وأصبحت شخصيات هذه الأعمال وحكاياتها حاضرة في الأحاديث اليومية، حتى إن بعض المشاهدين يتعاملون مع أبطالها وكأنهم أشخاص يعرفونهم عن قرب.

وقد ساعدت الدبلجة إلى العربية على وصول هذه المسلسلات إلى جمهور واسع، خصوصاً في العراق وسوريا ولبنان والأردن ودول الخليج، إذ لم تعد اللغة عائقاً أمام متابعة أحداثها وفهم تفاصيلها. ومع انتشار القنوات الفضائية ومنصات المشاهدة الرقمية، تحولت بعض الأعمال إلى ظاهرة اجتماعية تجاوز تأثيرها حدود الشاشة.

من الشاشة إلى تفاصيل الحياة اليومية

يتذكر كثيرون كيف حققت المسلسلات التركية المدبلجة، مثل «نور» و«سنوات الضياع»، انتشاراً واسعاً في العالم العربي، وأصبحت موضوعاً للأحاديث بين الأصدقاء والزملاء، فيما تابع ملايين المشاهدين أعمالاً لاحقة مثل «حريم السلطان» و«العشق الممنوع». ولم يقتصر الاهتمام على متابعة الأحداث، بل امتد إلى الممثلين وأماكن التصوير والأزياء والموسيقى، حتى إن بعض المشاهدين أبدوا رغبة في زيارة المدن التركية التي شاهدوها في تلك الأعمال.

 ويمكن ملاحظة هذا التأثير في الأحاديث اليومية داخل البيوت وأماكن العمل، حيث تتبادل بعض العائلات توقعاتها بشأن نهاية المسلسل، وقد يختلف أفرادها حول تصرفات شخصية معينة أو موقفها من الحب والزواج. وفي بعض البيوت، يصبح موعد عرض الحلقة مناسبة يجتمع فيها أفراد الأسرة، بينما تتحول متابعة الحلقات المتتالية عبر الإنترنت إلى عادة يومية لدى آخرين.

في بلدان عربية، لم يقتصر الأمر على الدراما التركية؛ فقد وجدت المسلسلات الهندية، مثل «من النظرة الثانية» وغيرها من الأعمال الرومانسية والعائلية، جمهوراً واسعاً، كما جذبت المسلسلات الكورية شريحة من الشباب، بفضل قصصها العاطفية وأساليبها المختلفة في تناول العلاقات الإنسانية.

بين المتعة والتأثير السلبي

لا يمكن إنكار أن بعض هذه الأعمال يقدم قصصاً إنسانية تلامس مشكلات حقيقية، مثل الفقر وفقدان الأحبة والتضحية من أجل الأسرة ومواجهة الظلم. وقد يجد المشاهد في هذه الحكايات فرصة للتأمل أو وسيلة للترفيه بعد يوم طويل من العمل.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول المشاهدة إلى انشغال يستهلك ساعات طويلة على حساب المسؤوليات الأسرية والتواصل بين أفراد العائلة. فقد تجلس الأسرة في غرفة واحدة، بينما ينشغل كل فرد بالشاشة، فتقل الأحاديث المباشرة وتضعف لحظات المشاركة التي تمنح الحياة العائلية دفئها.

ومن الأمثلة التي يمكن ملاحظتها في الواقع العربي، أن بعض الأزواج قد يدخلون في نقاشات بسبب المقارنة بين حياتهم الزوجية وما يشاهدونه من علاقات مثالية أو قصص رومانسية مبالغ فيها. وقد تشعر بعض الزوجات أو الأزواج بأن حياتهم أقل إثارة أو اهتماماً من حياة الشخصيات الدرامية، متناسين أن ما يُعرض على الشاشة يخضع للكتابة والإخراج، وأن الحياة الواقعية مليئة بالتفاصيل والمسؤوليات التي لا تظهر دائماً في المسلسلات.

كذلك، قد يتأثر الأطفال والمراهقون بطريقة الكلام والملابس والسلوكيات التي يشاهدونها، فيحاولون تقليد شخصيات أعجبتهم من دون إدراك الفارق بين بيئة المسلسل وواقعهم الاجتماعي والثقافي. ومع ذلك، لا يصح تحميل الدراما وحدها مسؤولية هذه السلوكيات، لأن تأثيرها يرتبط أيضاً بالتربية والبيئة المحيطة وطبيعة المحتوى.

مسؤولية الأسرة والمشاهد

لا تكمن المشكلة في الدبلجة نفسها أو في التعرف إلى ثقافات الشعوب الأخرى، بل في طريقة التعامل مع ما تقدمه الشاشة. ومن المهم أن تختار الأسرة أعمالها بعناية، وأن توازن بين المشاهدة والقراءة والعمل والزيارات والأنشطة المشتركة، مع الاهتمام بما يشاهده الأطفال ومناقشة الأفكار التي يتلقونها.

ففي البيت الذي يخصص وقتاً للحديث المشترك والجلوس مع الأبناء وتبادل التجارب، يمكن أن تكون المسلسلات موضوعاً للنقاش والتعلم، لا سبباً للعزلة أو الخلافات. كما أن مشاهدة عمل درامي معاً قد تفتح باباً للحوار حول العلاقات الأسرية والوفاء والتسامح، إذا تعامل أفراد الأسرة مع أحداثه بوعي.

في النهاية، ستظل المسلسلات المدبلجة جزءاً من المشهد الإعلامي العربي، وستواصل التأثير في أذواق الناس واهتماماتهم. لكن الشاشة، مهما امتلكت من قدرة على جذب الانتباه، لا ينبغي أن تأخذ مكان العلاقات الحقيقية. فالمسلسل ينتهي، وتُغلق الشاشة، لكن ما يبقى في الذاكرة هو الوقت الذي منحناه لمن نحب، والحديث الذي جمعنا بهم، والدفء الذي لا تستطيع أي دراما، مهما بلغت شهرتها، أن تعوّضه.

***

رمزي ميركاني

في المثقف اليوم