عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

أكرم عثمان: الكلمة بين الهدم والبناء.. مسؤولية الوعي والتربية

في سورة المجادلة، يلفت انتباهنا موقف إنساني عظيم، يبدأ بشكوى امرأة من مشكلاتها وظروف حياتها وعلاقتها بزوجها وأرتباطها به وبأطفالها وينتهي بآيات قرآنية خالدة تتلى إلى يوم الدين، يقول الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: 1]. إنها قصة خولة بنت ثعلبة رضي الله عنها، التي جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تشكو ما وقع بينها وبين زوجها أوس بن الصامت، بعدما ظاهر منها بقوله: «أنت عليَّ كظهر أمي»، وهي صيغة من صيغ الظهار التي كانت في الجاهلية قبل الإسلام تعد من أسباب تحريم الزوجة على زوجها، وتؤدي إلى وضع أسري قاسٍ ومؤلم يهدد استقرار الأسرة ومستقبلها ويضعف كيانها.

جاءت خولة تشكو وتلح في الشكوى وتجادل وتعرض معاناتها التي سوف يكون لها تبعات مؤلمة وقاسية عليها وعلى أهل بيتها ومن في كنفها، ولم تكن تبحث عن انتصار شخصي أو إظهار للذات أو غلبة على زوجها، وإنما كانت تسعى إلى حل يحفظ كرامتها ويوطد عرين أسرتها ويجمع شملها، ويصون علاقتها بزوجها الذي تحبه ولا تريد أن تتخلى عنه، ويحمي أبناءها من الضياع والتشرد وما أقسى أن يعيش الأبوين كل في جهة وناحية يدفع ثمنها أطفال أبرياء لا ذنب لهم ولا علاقة بما يجري بين زوجين يعيشا في كنف واحد وهنا تتجلى عظمة الموقف؛ فالمرأة التي جاءت مبادرة تنافح عن ظروفها وما الت إليه وتحمل شكوى وألماً وجدت أن الله سبحانه وتعالى يسمع قولها، ويعلم حالها، وينزل قرآناً يتلى إلى يوم القيامة بشأن ظروف حياتها وقضيتها.

ولعل من أبرز الدلالات التي تستوقفنا في هذه الآية الجمع بين قوله تعالى: ﴿الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ وقوله: ﴿يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾. فالمجادلة والحوار، وإن تقاربا في بعض المعاني اللغوية، فإنهما قد يختلفان في المقصد والأسلوب والغاية بحسب طريقة استخدامهما. فهناك جدال يتحول إلى خصومة ومشكلة ونزاع ، يسعى فيه كل طرف إلى إثبات أنه على حق، يريد أن ينتصر لنفسه، ويتعمد في إضعاف الطرف الآخر، والانتصار عليه، دون اهتمام حقيقي بالوصول إلى حل مشتركة قد تنفع الطرفين. وهناك حوار راقٍ يقوم على التفهم الإنصات والاحترام وتبادل الأفكار، ووجهات النظر ويمنح كل طرف فرصة للتعبير عن موقفه، بهدف الوصول إلى الفهم المشترك والحلول الممكنة التي من السهولة بمكان تجاوزها وتخطيها.

إن الحوار الإيجابي لا يعني غياب الاختلاف، بل يعني القدرة على إدارته دون أن يتحول إلى إساءة أو إهانة أو صراع على السيطرة والنفوذ. أما الجدال السلبي فيجعل العلاقة ساحة للانتصار الشخصي والهيمنة، حتى لو خسر الطرفان علاقتهما ومودتهما. ومن هنا، ليست قيمة الحوار في كثرة الكلام، وإنما في جودة الاستماع، واحترام وجهة النظر الأخرى، والبحث عن الحقيقة والحل، لا عن الغلبة والانتصار وتهميش الآخر فكان الكلمة الأولى تجادل ربما لظروفها النفسية وحالتها عندما شعرت بأزمتها وأنها سوف تطلق من زوجها فتبتعد عنه ويلقى أطفالها مصير يهدد حياتهم ومستقبلهم، أما في الكلمة الآخر تحاوركما وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم أدار دفة الحوار وبهدوئه وسمته وأخلاق النبوة وعظيم أفعاله تحول الجدال الذي كانت تقوده خولة بنت ثعلبه بحالتها وظروفها الشخصية إلى حوار يصل في النهاية إلى حلول بالرغم من أنه صلى الله عليه وسلم اشار عليها بأنه قد طلقت منه ثلاث مرات ولم يكن هناك حكم رباني يظهر تلك القضية، قبل نزول الوحي ويبطل ربنا عز وجل حالة الظهار التي كانت سائدة من عهد الجاهلية.

وفي تلك الحاذة إمراءة غيورة على بيتها ومحبة لزوجها وأطفالها لن ترتضي أن تطلق وتبتعد عن أسرتها، فقد بادرت ونافحت وبقيت مصرة على أنها لم تطلق من زوجها، وفي النهاية قد حكم الله لها بطلان هذه الحالة التي تشرفت أن ينزل قرآناً يصدق روايتها وينصفها ويعود بها إلى استقرارها وحالتها وأسرتها.

وفي قصة خولة رضي الله عنها، نلمح أيضاً بعداً إنسانياً وأسرياً وتربوياً بالغ الأهمية؛ فقد كانت القضية أكبر من خلاف زوجي عابر أو أخطاء تمر هنا وهناك، لأنها تتعلق بمصير أسرة وأطفال يحتاجون إلى الرعاية والاهتمام والتربية والاستقرار. وتروى في سياق الحديث عن معاناتها عبارة إنسانية وتربوية تقدر بماء الذهب وتعبر عن خوف الأم على أبنائها: «إن ضممتهم إليَّ جاعوا، وإن ضممتهم إليه ضاعوا»، وهي عبارة متداولة في روايات القصة، تلخص الصراع الذي قد تعيشه الأم حين تجد نفسها أمام احتمال ضياع وفقدان أبنائها أو عجزها عن توفير احتياجاتهم. حياة كريمة وتربية تنفعهم وتعينهم في تشكيل شخصية قيمية وأخلاقية ومهارات تنبني حياتهم وتعليم ووعي يعينهم على بناء مشتبقل مشرق وإيجابي.

 وهنا نصل إلى قضية تستحق التأمل: ما الفرق بين الرعاية والتربية؟ فالرعاية في توفير الاحتياجات الأساسية للأبناء، من مأكل ومشرب وملبس ومسكن وصحة وأمان وحماية ودعم. وهي ضرورة لا تستقيم حياة الطفل دونها. أما التربية فهي بناء الإنسان من الداخل، وتشكيل شخصيته وتنمية قيمه وأخلاقه ومهاراته وخبراته، وتعليمه كيف يفكر ويتخذ القرار ويتعامل مع الآخرين، وكيف يتحمل المسؤولية ويواجه تحديات الحياة وصعوباتها بصلابة وجلد نفسي ومعنوي.

فالطفل لا يحتاج إلى من يوفر له الطعام والملبس فحسب، بل يحتاج أيضاً إلى من يغرس فيه معاني وقيم الصدق والأمانة والاحترام والتوازن والهدوء والمحبة وغيرها، ويعلمه ضبط انفعالاته، ويعزز ثقته بنفسه واحترامه لقدراته وطاقاته، ويمنحه القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ. إنه يحتاج إلى من يرعاه جسدياً ونفسياً، ويربيه ويصقله فكرياً وأخلاقياً واجتماعياً ويدير شؤونه الحياتية كلها، لكي يتدبر مفسه ويعيش بنجاح وتميز. ومع ذلك، من المهم ألا نحصر الرعاية في الأب والتربية في الأم، أو العكس؛ فهذه مسؤولية مشتركة، لكنها في حقيقتها تؤكد أن دور الأب يظهر في الرعاية ودور الأم في التربية، نظراً لتواجدها أكثر فترة ممكنة مع أطفالها وإنشغال البيت بعمله وكده وتعبه، وتتكامل فيها أدوار الوالدين بحسب ظروف الأسرة وقدرات كل منهما واحتياجات الأبناء وفتراتهم العمرية وخصوصية شخصيتهما وقدراتهم. فقد يكون الأب متميزاً في التربية والتوجيه والاحتواء العاطفي، وقد تكون الأم قادرة على توفير الرعاية المادية والحماية، وقد يتقاسمان هذه المسؤوليات بصورة متوازنة ومتناغمة. فالأبوة والأمومة ليستا مجرد أدوار وظيفية، بل هما شراكة إنسانية وتربوية تقوم على توثيق أواصر المحبة والمسؤولية والتكامل بين الأدوار والمهام والمسؤوليات.

إن الطفل الذي يحصل على الرعاية دون تربية قد ينشأ وقد توفرت له أسباب الحياة المادية، لكنه يفتقر إلى البوصلة والشخصية التي توجه وتضبط سلوكه وتحمله للمسؤولية والاعتماد على الذات وقراراته. والطفل الذي يتلقى التوجيه والتربية دون رعاية كافية قد يعاني من احتياجات أساسية تؤثر في نموه النفسي والاجتماعي. لذلك فإن التوازن بين الرعاية والتربية يمثل أحد أعظم أشكال العطاء الأسري، وأهم شروط بناء شخصية متكاملة قادرة على العبور بنفسها بنجاح في أحلك الظروف وأقسى المعاناة. ومن المؤسف أن بعض الخلافات الزوجية تتحول إلى صراع يستخدم فيه الأبناء وسيلة للضغط والتهميش والانتقام، فيتنافس الوالدان على كسب ولائهم، أو يحاول كل طرف تشويه صورة الآخر أمامهم، وكأن الأبناء جزء من معركة شخصية وتصفية حسابات قديمة يثأر كل واحد لنفسه، لا أصحاب حقوق واحتياجات نفسية وتربوية مهمة لبناء شخصيات سوية وصحية.

والحقيقة أن الطفل لا ينبغي أن يدفع ثمن خلاف أو تهور وإندفاع لم يكن طرفاً فيه، ولا أن يحرم من حب أحد والديه أو تهمل رعايته وتربيته بسبب الخلاف بينهما. إن النضج الأسري والحياة المستقرة تظهر عندما يستطيع الأبوان الفصل بين علاقتهما الزوجية ومسؤوليتهما الأبوية، وعندما يدرك كل منهما أن مصلحة الأبناء ليست في انتصار طرف على آخر، بل في توفير بيئة آمنة ومستقرة تمنحهم الحب والرعاية والتوجيه والاحتواء والتربية وبناء شخصيات كفيلة أن تكون ذات خيرية وصلاح في حياتها.

إن قصة خولة بنت ثعلبة رضي الله عنها تعلمنا أن الكلمة قد تحمل وجعاً كبيراً، وأن الشكوى وتكراراها ليست ضعفاً أو ضرباً من الهوان، وأن الحوار والتفاهم قد يكون بداية الإنصاف وإصلاح العلاقات. كما تذكرنا بأن الله يسمع أصوات المظلومين وينصرهم ولو بعد حين، ويعلم ما تخفيه الصدور مهما علق بها من خير أو شر، وأن الأسرة لا تبنى بالخصومة والسيطرة والغلبة، وإنما بالقواعد الإنسانية والأخلاقية والوعي والقيم الأصيلة من خلال التفاهم والرحمة والمودة وتحمل المسؤولية.

فما أحوجنا إلى أن نحسن الحوار قبل أن تتسع الخلافات والشقة بيننا، وأن نحسن التربية قبل أن نبحث عن نتائجها وحصادها، وأن نفهم أن أبناءنا يحتاجون إلى والدين تكتمل بهم أواصر الحياة الزوجية والأسرية يتعاونان على بنائهم وصقلهم، لا إلى طرفين يتنافسان على كسبهم والنتيجة تفريقهم وقتل معاني الحياة في نفوسهم. فالرعاية تحفظ للإنسان حياته، والتربية تمنحه معنى وقيمة لها، والحوار يحفظ للعلاقات كرامتها وقواعدها، والتكامل الأسري يصنع أجيالاً أكثر توازناً وقوة وإنسانية.

***

د. أكرم عثمان

1-11-2026

في المثقف اليوم