عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

صائب المختار: مقاربات بين الثقافة العربية والثقافة الغربية

والمثقف العربي والمثقف الغربي

ينقسم البشر في عموم الكرة الأرضية إلى تجمعات بشرية سكانية تسكن في رقعة جغرافية محددة. فعلى سبيل المثال، هناك المجموعة البشرية التي تسكن في الصين أو تلك التي تسكن في الهند، ومثلها التي تسكن أفريقيا، أو الوطن العربي أو أوروبا أو غيرها من التجمعات البشرية الأخرى التي يتشكل منها عالمنا البشري. والملاحظ أنّ لكل من هذه التجمعات البشرية الجغرافية خصائص وصفات معينة تكون واضحة في طريقة سلوكها وعاداتها وتقاليدها وعقائدها، وتتسم بها تلك التجمعات البشرية، ويتميّز بها كل مجتمع بشري عن غيره من المجتمعات البشرية الأخرى. وتسمى هذه المميّزات التي يتصف بها كل مجتمع من تلك المجتمعات بالثقافة، وتسمى "ثقافة المجتمع". ومنها يحصل الفرد في المجتمع على ثقافته وتسمى "بثقافة الفرد"، وهي التي تمثل سلوك الفرد وعاداته وتقاليده وعقيدته ودينه وغيرها من الصفات الأخرى.

في هذا المقال سنعمل على المقارنة بين أفراد المجموعة البشرية العربية وثقافاتهم، وبين أفراد وثقافات المجموعة البشرية الأوروبية (والتي قد تسمى أيضاً "بالمجموعة البشرية الغربية" إذا ما أضيف لها أمريكا أو أيّ من الدول الأخرى التي تنتهج نهج الدول الأوروبية). والسبب في اختيار المجموعة العربية للبحث والمقارنة، كوننا ننتمي إليها ونشعر بحزن وأسف للتخلف الحضاري الذي تعاني منه، عسى أن نتمكن من التغلّب عليه. أما السبب في اختيار المجموعة الأوروبية أو الغربية للبحث والمقارنة، فذلك لأنها تمثل النموذج الناجح للنهضة والتطوًر الحضاري والذي يمكن الاقتداء به لتحسين حالة المجتمع العربي الحضارية.

إن البحث والمقارنة بين ثقافات الشعوب ينبع من تفاعل الحضارات، وهذا التفاعل الحضاري جرى ويجري بين الشعوب وثقافاتهم على مدى التاريخ. إن حوار الحضارات ليس ترفاً فكرياً، كما يعبر عنه المفكر الفرنسي روجيه جارودي، بل هو ضرورة حتمية لإنقاذ العالم من الدمار، إذ لا يمكن لثقافة واحدة أن تدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة. من هذا المنطلق، يمكن التوجه إلى دراسة ثقافة المجتمع العربي باعتباره المجتمع المتخلّف، ودراسة ثقافة المجتمع الأوروبي (الغربي) باعتباره المجتمع المتحضّر الذي نجح في تطوير نفسه، وذلك لإيجاد نقاط التقارب والتباعد بين الثقافتين. وكذلك البحث عن إمكانية إيجاد جسور تربط بين الثقافتين لغرض الاستفادة منها لتحسين ثقافة المجتمع المتخلّف وبالتالي تحضّره.

ما المقصود بمصطلح "الثقافة والمثقف"

في اللغة العربية جاء مصطلح المثقف من الفعل "ثَقَفَ" والذي يعني الحذق والمهارة وسرعة الفهم والتعلم، وعلى ذلك فالمثقف هو الشخص الذكي النبيه سريع الفهم والتعلّم، وهذا التعبير معلوم ومقبول. لكن مصطلح الثقافة الذي يوحي بأنه مشتق من كلمة المثقف لا يتناسق بالمعنى مع مفهوم المثقف، لأن مفهوم الثقافة يختلف كلياً عن مفهوم المثقف، علماً أن مصطلح الثقافة هو من أكثر الكلمات تداولاً والأقل وضوحاً في المعنى. ولكي نوضح الفرق بين المفهومين ينبغي أن نعود إلى الجذور الأصلية للمصطلحين. وللتوضيح، فإن العرب قديماً لم يستعملوا كلمة المثقف لوصف العلماء أو الفلاسفة كالفارابي وابن رشد، بل كانوا يسمونهم بالعلماء أو الفقهاء أو الفلاسفة، ذلك أن كلمة المثقف ظهرت في التاريخ العربي الحديث بعد أن أخذت من أصلها الأوروبي وترجمت إلى العربية.

كانت أوروبا قديماً تستعمل الكلمة اللاتينية (Intellectual) لوصف من يمارس أي عملاً ذهنياً أو فكرياً كالعلماء ورجال الدين. والكلمة تعني "المفكرون" وهي مأخوذة من الكلمة (Intellect) ومعناها الفكر. وفي أواخر القرن التاسع عشر، في فرنسا بالتحديد، تغيّر مفهوم هذه الكلمة وأصبح يصف المفكرون والأدباء الذين أهتموا بمشاكل المجتمع وتحليلاتها وانحصر استعماله بتلك الفئة من الناس دون غيرهم. وفي بداية القرن العشرين، عصر الانفتاح العربي على أوروبا، ترجم المصطلح إلى العربية ودخل إلى اللغة العربية بكلمة المثقف.

أما مصطلح الثقافة فقد عرف في أوروبا بكلمة (Culture) والتي تعني الحَرث والزراعة، وبذلك فليس لها علاقة بالثقافة أو التثاقف. وقد يبدو أن هذه الكلمة استعملت للتعبير عن الثقافة؛ لأن حرث الأرض وزراعتها يؤتي ثماراً طيبة ومفيدة للفرد والمجتمع، وهذا هو المرجو من الثقافة التي تهدف إلى نشر سلوكيات وأفكار حسنة تنهض وتطوّر المجتمع.

مما تقدم، يمكننا أن نعرّف الثقافة، كما عرّفها إدوارد تايلور، وهو الأكثر شهرة وقبولاً من التعاريف الأخرى بأنها: "ذلك الكل المركب الذي يشتمل على المعرفة والمعتقدات، والفنون والأخلاق، والأعراف، وما يكتسبه الإنسان من عادات وإمكانيات باعتباره عضواً في المجتمع". وبتوصيف عام يمكننا أن نقول إن الثقافة هي "كيفية تعامل الفرد أو المجتمع مع المشاكل والأفكار التي تواجهه ويتعامل معها خلال حياته اليومية". ويعزى السبب في استعمال مصطلح "الثقافة" في اللغة العربية بمفهومه المعروف حالياً إلى سلامة موسى، عندما أشار إلى أن الثقافة هي أصل الحضارة في كتابه "ما النهضة" في عشرينيات القرن الماضي، وأوضح أن الثقافة تشمل العلوم والآداب والفن وهي تتميّز عن مفهوم الحضارة.

أما تعريف المثقف فإنه لن يكون بالأمر اليسير نظراً لوجود الكثير من الاجتهادات والآراء المختلفة حول تعريف مصطلح المثقف، انطلاقاً من الشهرة التي اكتسبها المثقف بنشر أفكاره أو اعتماداً على كمية المعلومات والمعرفة التي يتمتع بها المثقف أو اهتمامه بدراسة القضايا الخاصة بمجتمعه. وإجمالاً يمكن أن نعرّف المثقف بأنه "كل شخص يمتلك كمية كبيرة من المعلومات المعرفية التي تشمل كافة مجالات العلوم والمعرفة كالتاريخ والسياسة والدين والأدب والفن وغيرها، ويهتم بدراسة القضايا والمشاكل التي يعاني منها المجتمع، وله القدرة على دراسة وتحليل المشاكل وإيجاد الحلول المناسب لها، وبذلك يكتسب

ثقة أفراد المجتمع ويكون معروفاً لهم".

كيف نقارن بين الثقافة العربية والثقافة الغربية

تطرّق المفكر الكبير أحمد أمين في كتابه "الشرق والغرب" إلى وصف عادات وسلوك وعقائد الفرد الأوروبي والمجتمع الأوروبي بإسهاب وتفصيل، وقارنها بما ينتهجه الفرد العربي في مجتمعه العربي من عقائد وعادات وسلوك. وخلص إلى نتيجة وهي "على الرغم من أن المجتمع الأوروبي متحضّر ومتقدم لكن المجتمع العربي قد سبقه في التحضّر والتقدم، وكان له الفضل في تحضّر المجتمع الأوروبي".

لو حاولنا دراسة وتحليل شخصية الفرد الأوروبي (الغربي) التي تتمثل "بثقافة الفرد الأوروبي"، والتي تُكتسب عن طريق تربيته وتعايشه مع بيئته المجتمعية (ثقافة المجتمع الأوروبي)، أي من خلال تربيته الأسرية أو التعليمية أو الوظيفية، أو عن أي طريق آخر يكتسب منه عاداته وسلوكه وعقائده؛  ونقارن هذه الشخصية مع ما يماثلها من شخصية الفرد العربي المكتسبة أيضاً من ثقافة مجتمعه العربي، لغرض اكتشاف أو معرفة نقاط التشابه والاختلاف بين الشخصيتين، لوجدنا نقاط تباعد واختلاف بين الشخصيتين أكثر وأعمق من نقاط التلاقي بينهما. وسنلاحظ وبوضوح الفرق الشاسع والكبير بين طباع الشخصيتين.

ليس الهدف من هذه المقارنة إثبات صحة أو خطأ القول المشهور "الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا" وإنما الهدف هو إيجاد عوامل فشل النهضة العربية، والاستفادة من عوامل نجاح النهضة الأوروبية، ومحاولة إيجاد الطريق الصحيح للنهضة.

ونذكّر بقول الشاعر والمفكر الألماني (غوته): "من يعرف نفسه ويعرف الآخرين، سيقر بأن الشرق والغرب لا يمكن فصلهما"، وهذا القول يؤكد أن الثقافات الإنسانية تتفاعل فيما بينهما، وإن الشرق والغرب يمثلان نسيجاً حضارياً متكاملاً، وإن هناك تلاقح ثقافي بين الحضارتين.

كيف نصف ثقافة الفرد الغربي أو المجتمع الغربي

لو تمعنا في شخصية وسلوك الفرد الغربي من خلال معايشتنا للأوروبيين في الدول الأوربية، ومن خلال صداقتنا معهم والعمل في مجتمعهم ومخالطتهم لسنين طويلة وعقود عديدة. ولو درسنا ثقافة وسلوك الفرد العربي مع ثقافة المجتمع العربي كوننا نشأننا وترعرعنا في ظلّه، لوجدنا ما يلي:

- يتميّز الفرد الأوروبي بكونه: هادئاً محباً للعلم والتعلم. متواضع، يعترف بخطئه إذا أخطأ. يمتلك ثقة عالية بالنفس. يتمتع بشخصيه مستقلة عن سيطرة الأسرة والمجتمع وله القدرة على اتخاذ قرارات حاسمة وجريئة.

في المقابل يعاني الفرد العربي والمجتمع العربي من تفشي الأمية والجهل وبنسب عالية. وهم لا يميلون إلى القراءة وحب المعرفة والتعلم. يتميّز الفرد العربي بكونه عاطفياً، إلاّ إنه قد يكون عصبياً ومتسرّعاً في تعاملاته اليومية واتخاذ القرارات. يغلب على طبعه التردد وعدم القدرة على اتخاذ قرارات حاسمة وجريئة بدون دعم ممن يتواجدون حوله. غير متواضع، ولا يعترف بخطئه إذا أخطأ، على الرغم من أنه يعرف ويُقر أن الاعتراف بالخطأ فضيلة، وإن الخطأ طريق النجاح، وذلك لأن الخطأ والفشل يعتبران عيباً عند المجتمع العربي، لا يجوز كشفه أو البوح به.

- يتصف الفرد الغربي بالتسامح، محباً للخير ومساعدة الآخرين خصوصاً المحتاجين والضعفاء. يحترم الآخرين، ولا ينتقص أو يزدري آراءهم وعقائدهم مهما كانت مخالفة لآرائه وعقيدته. يفضّل المصلحة العامة على مصلحته الخاصة.

بينما يفتقر الفرد العربي والمجتمع العربي إلى ثقافة التسامح، وتغلب عليه ثقافة الخشونة والعنف في التعامل مع الآخرين خصوصاً مع الذين يخالفونه في الرأي والمذهب والعقيدة، فهو لا يتساهل ولا يتنازل عن محاولة إثبات صحة رأيه وانتقاص آراء الآخرين. يهتم الفرد العربي بمصلحته الخاصة أولاً ويقدمها على المصلحة العامة.

- تعوّد الفرد الغربي على الالتزام بالنظام والعمل به وبإخلاص. يحترم القانون ويطبقه بدون تردد ولو كان ضده ويعتبره ركيزة من ركائز المجتمع المتحضّر. يحترم الزمن والتوقيتات الزمنية ويخلص في أداء عمله. جريء، يحب المغامرات ويسعى لها. وأفكاره جديدة، نقدية وإبداعية وابتكارية.

لم يتعوّد الفرد العربي على النظام، فهو لا يعيره أهمية ولا يسعى للعمل به. كذلك القانون، إذ ليس للقانون أهمية في وعي الفرد العربي ولا المجتمع العربي. لا توجد سيادة للقانون ولا استقلالية في الحكم، ويسعى الفرد العربي إلى إهماله إذا كان لا يتماشى مع مصالحه. والقانون يطبق على الضعفاء ويحمي الأقوياء لذلك يسود الظلم في المجتمع العربي. يغلب على الفرد العربي المرونة والتساهل في التوقيتات الزمنية ولا يبدي الحرص الشديد للالتزام بالوعود والمواثيق في التعاملات الاجتماعية والعامة مع الغير.

أما طبيعة ونمط تفكير العقل العربي فيمكن وصفه بالبساطة والسذاجة، إذ ما زال يغلب عليه الفكر التقليدي النقلي التلقيني. فمن النادر أن نجد عنده أفكاراً نقدية إبداعية أو ابتكارية. وهنا تكمن المشكلة والحل، وذلك لأن نمط التفكير هو السبب والطريق إلى التطوّر أو التخلّف.

قد يتساءل البعض عن عدم ذكر طباع الغرب السيئة، وهل يعني ذلك إنهم يعملون الأعمال الحسنة والجيدة على الدوام؟ والجواب هو؛ بالتأكيد يوجد لديهم طباع سيئة مثل الانحلال الأخلاقي والانحلال الأسري والتعصب الأعمى للجنس الأبيض والوحشية في التعامل مع أفراد الجنس الملوّن، وغيرها...الخ. لكننا نبحث عن الطباع الحسنة التي تناسب مجتمعنا ولا نريد الطباع السيئة التي لا تتناسب مع طبيعة مجتمعنا. ومن المهم أن نذّكر أن وصف السلوك بالسيء أو بالخطأ إنما هو نسبي وليس حقيقي، لأن ما قد نعتبره سلوكاً سيئاً من وجهة نظرنا، يكون حسناً ومقبولاً من وجهة نظرهم.

فمثلاً شيوع الثقافة الدينية والروحية والأخلاقية في المجتمع العربي، والتي لا يحبذها المجتمع الأوروبي، تعتبر من الصفات الجيدة والحسنة عند الفرد والمجتمع العربي، ولا يرغب بالتخلي عنها. فهي تشكل هوية الفرد العربي، ومنها تستنبط الأعراف والأحكام القانونية والأخلاقية، وتتدخل في كل تفصيله من حياة الفرد العربي العامة والخاصة. والعربي يعيش في بيئة محافظة ويعمل بها، ويميل إلى الالتزام الواضح بالروابط الأسرية والعائلية، إذ يتحمل الفرد العربي المسؤولية المباشرة في رعاية العائلة والأسرة الزوجية ويكن الكثير من الاحترام لكبار السن.

وبالطبع فإن هناك سلوكيات وعادات مختلفة ومتعددة عند المجتمعين، ولا يمكن حصرها جميعاً، لكن ما ذكر أعلاه يكون كافياً لإعطاء فكرة عما هو سيء وما هو جيد للمجتمع العربي، ويكون طريقاً ومنحى لتغيّر المجتمع نحو الأفضل.

كيف السبيل إلى التحضّر

من المعلوم أن أوروبا لم تولد متحضّرة أو متطوّرة منذ أوائل نشأتها، بل أنها نهضت وتطوّرت في العصر الحديث (عصر النهضة) بعد أن ظلّت قرون عديدة تعيش في حالة من التخلف والجهل والأمية والشعوذة. والقول بإن نهضة أوروبا هي امتداد للنهضة اليونانية والرومانية إنما هو كلام عاري عن الصحة، ابتدعه الأوروبيون لينكروا فضل الحضارات الأخرى عليهم وخصوصاً فضل الحضارة الإسلامية على نهضتهم، وهناك أدلة تاريخية على فضل الحضارة الإسلامية في نهضة أوروبا. وهذا حال كلّ شعوب العالم عبر التاريخ. فكل الحضارات التي نعرفها نهضت بعد حالة من التخلًف والجهل والشعوذة. وهكذا كان العرب قبل الإسلام، جهلة متخلفين، ثم نهضوا باعتناقهم الدين الإسلامي الذي أشعل فيهم روح التحضًر والثقة بالنفس والقدرة على التمدّن. لكن يبقى السؤال الذي يقضّ مضاجع العرب "كيف ولماذا نهض الأوروبيون من سباتهم وتخلّفهم، بينما العرب ما زالوا يحبون في طريقهم إلى النهضة، إن لم يكونوا قد أضلّوه وفشلوا في نهضتهم".

يقول سلامة موسى في كتابه (ما النهضة): "كانت أوروبا إلى سنة 1780م زراعية مثلنا، متأخرة مثلنا. ليس للمرأة فيها حقوق وليس للعامل فيها رأي، بل ليس له عقل غير هذا العقل الزراعي الذي يستسلم للخرافات. وكانت أوروبا فقيرة مثلنا. ثم تطوًرت بعد تحولها إلى مجتمع صناعي". فسلامة موسى يعزي سبب نهضة أوروبا إلى التحوّل إلى الصناعة، باعتبار الصناعة المحرّك الأساس للنهضة. وعلى الرغم مما لهذا التفسير من صحة وقبول عند الكثير من المفكرين في تفسير نهضة الشعوب، إلاّ إنه لا يمثّل المحرّك الأول أو الأساس في نهضة الشعوب، ذلك أن السبب الأول والأساس في نهضة الشعوب هو تغيير اسلوب التفكير عند أفراد المجتمع عن طريق حثّهم على استعمال العقل بالشكل الصحيح، وتحويل أسلوب التفكير من الأسلوب القديم الساذج والبسيط، الذي يعتمد على قبول ونقل الأفكار وتقليدها كما هي دون استعمال العقل لنقد الأفكار المتداولة وتمحيصها أو تطويرها أو تغييرها. وقد عرّف كانط التنوير، في نهاية القرن الثامن عشر، بأنه "خروج الإنسان من قصوره الذي اقترفه في حق نفسه من خلال عدم استخدامه لعقله إلاّ بتوجيه من إنسان آخر". وهذا هو فعلاً ما عمل عليه الفلاسفة والمثقفون الأوروبيون منذ بداية عصر النهضة، منذ القرن الخامس عشر، وتمكنوا من جعل الشعوب الأوروبية تغيّر طريقة تفكيرها من ساذجة بسيطة تقليدية ونقلية إلى نقدية إبداعية وابتكارية، فأخذ الشعب ينتج الأفكار والاختراعات والمكتشفات العلمية، فتطورت أوروبا بسواعد أبنائها.

كيف يتم تغير اسلوب التفكير؟ الجواب؛ أنه يتم عن طريق حث الشعب على القراءة وحب العلم والمعرفة. فمثلاً، شرح الفيلسوف الفرنسي ديكارت طريقة استعمال العقل النقدي من خلال مفهوم الشك المنهجي لتحرير العقل من الخرافات. ونشر الفيلسوف الإنكليزي جون لوك والفرنسي فولتير رسالتيهما عن التسامح، حثوا فيها الشعب على سلوك منهج التسامح وحب الخير ومساعدة الآخرين، ونبذ التعصب والتطرّف وإنهاء الحروب الطائفية، واحترام الآخرين وأراءهم ومعتقداتهم. وكتب مونتسكيو كتاب "روح القوانين" شرح فيه للناس نظرية فصل السلطات، وشرح أنواع أنظمة الحكم في المجتمعات، والدساتير، واهمية الالتزام بتطبيق القانون وسريانه على الجميع بضمنهم السلطة الحاكمة. ثم نشر جان جاك روسو كتابه " العقد الاجتماعي" الذي دعا فيه إلى تنازل الأفراد عن حقوقهم الطبيعية، مثل تحديد حرية الفرد لصالح المجتمع للحصول على مصلحة مشتركة للجميع. وإن الحاكم أو السلطة يجب أن يخدم الشعب وليس العكس، ويحق للشعب عزله أذا انحرف عن الهدف. وظهر الكثيرون غيرهم من الفلاسفة والعلماء ممن قدّموا أعمالاً إبداعية لتطوير عقول الناس. واستمرت المسيرة على الطريق الصحيح، ونجحوا في تحويل مجتمعهم من حالة التخلًف إلى حالة التنوّر.

ماذا نحتاجه الآن؟

لو تمعنّا بطبيعة تفكير الفرد العربي وهو يصف المجتمع العربي والذي هو جزء منه، للاحظنا أنه يصف مجتمعه العربي بالجهل والتخلّف والفشل. وهي أفكار وأوصاف وهمية غير صحيحة، لكنها منتشرة في المجتمع العربي. والدليل على خطأ هذا القول هو كفاءة ونجاح العرب الذين تركوا أوطانهم وهاجروا إلى الدول الأوروبية والغربية، وأثبتوا تفوقهم في مجال عملهم وثقافتهم وتحضرهم الاجتماعي في الوسط الأوروبي، وقد فاق بعضهم أقرانهم الأوروبيين. فهذا المثال يثبت أن العربي ليس بالجاهل أو المتخلّف، لكن العيب يكمن في بيئته الحاضنة والسلطة الحاكمة. وكيف يمكن أن نتوقع من مجتمع أن يبدع ويتطور وهو يحمل هذه الأفكار البائسة والفاشلة.

إن أي شعب يؤمن بأنه شعب جاهل ومتخلف وفاشل لا يمكن أن ينهض، فالعيب فينا، والحل يكمن فينا.

ما يحتاجه المجتمع العربي اليوم هو تغيير طريقة استخدام العقل والتفكير، وجعله عقلاً نقدياً إبداعياً بدلاً مما هو عليه الآن من أسلوب نقلي تلقيني، ليصبح عقل الفرد العربي متنوراً، واثقاً من نفسه وقدراته، منتجاً مبتكراً ومبدعاً. هذا ما عمله المثقفون والفلاسفة الأوروبيون ونجحوا فيه. هذا الطريق يهدف إلى حث الشعب على حب القراءة والتعلّم والقضاء على الأمية والجهل. وتعويد الشعب على انتهاج سلوك التسامح والمحبة، ومساعدة المحتاجين، ونبذ التشدد والتعصب والطائفية واحترام الآخرين وعقائدهم.

الطريق إلى النهضة طويل، شائك وصعب، لكن ليس بالمستحيل. فالنهضة الأوروبية استغرقت ستة قرون من العمل المثابر والإصرار لتصل إلى ما وصلت إليه.

رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة كما يقال. لكن، قد تكون الخطوة الأولى في متناول اليد، إذ يقول الباري تعالى "إنَّ اللهَ لا يُغيّرُ ما بقومٍ حتى يغيّروا ما بأنفسِهم". على ذلك فالخطوة الأولى قد تكون بالعمل على إصلاح النفس. وهي في متناول اليد لمن يريد النهضة. فيسعى الفرد العربي بتعويد نفسه على العمل بسلوك التسامح والمحبة واحترام الآخرين، والابتعاد عن التعصب والطائفية والكراهية وغيرها من السلوك السيء المضر بالفرد والمجتمع ومما ذكر في أعلاه.

وإذا بدأت الخطوة الأولى بدأت رحلة الألف ميل.

***

د. صائب المختار

في المثقف اليوم