عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

فؤاد ميرزا: في البدء كان السيرك.. المثقف أمام كلماته القديمة

وصلني عبر البريد الإلكتروني كتاب عبد الكريم كاصد «في البدء كان السيرك». استوقفني فيه انشغاله بمسؤولية المثقف الأخلاقية، ومساءلته لتحولات الولاء وعلاقة المؤسسات الثقافية بالسلطة. يعود كاصد إلى كلام منشور ومواقف سابقة، ويضعها إلى جانب ما يقوله أصحابها ويفعلونه لاحقاً. نرى الأسماء نفسها في مواقع مختلفة، ونقرأ كلماتها القديمة، ثم نسأل عمّا حدث بينها وبين حاضرها.

يلتقط الكاتب العبارات التي تبدو عابرة، ويتوقف عند ما تحمله من استعلاء أو إحساس بامتلاك المؤسسة. وفي مقالات «الرئيس» و«المعموري واستقالته»، يفحص لغة المسؤول الثقافي، وألقابه، وطريقته في مخاطبة المختلفين معه. وتأتي سخريته من التناقض الذي يكشفه بين هذه اللغة والممارسة. فمَن يتحدث عن حرية الثقافة يُسأل عن قبوله النقد، ومَن يعدّ المؤسسة بيتاً للأدباء يُسأل عن حق المعترضين في البقاء داخل هذا البيت.

وكان عرضه لأخطاء نشر النصوص وتداخلها من المواضع المقنعة، لما فيه من أمثلة محددة تتيح للقارئ متابعة الحجة. فعن كتاب «غابات الماء… أنطولوجيا شعراء البصرة»، يكتب: «وقد تبدأ بأبيات من قصيدة، لتنتهي بأبيات من قصيدة أخرى، كما جرى لقصائدي» (ص ٣٩). يمسّ هذا الخلل أمانة النشر وصورة الشاعر عند قارئه. لكنه يظل جانباً من مساءلة أوسع، تتناول أهلية مَن يتولون الشأن الثقافي، والمسافة بين مكانتهم وما ينجزونه فعلاً.

وفي «بشتآشان يستيقظ التل» وجدت كثافة شعرية مؤثرة. يستحضر كاصد من قصيدته «المسلّة الحجرية»:

«ندفنُ مَن مات في الصخر

نكشفُ عن وجههِ الحجريّ» (ص ١٧٣).

تتحرك الصورة بين المواراة والكشف. نقترب من اختفاء الجسد في الصخر، ثم يعيدنا السطر التالي إلى الوجه. ويتكرر الحجر، مكاناً للدفن وصفةً للميت، فيثقل التل بأجساد الذين دُفنوا فيه. وتمنح هذه العودة إلى الضحايا احتجاج الكاتب ألمه الإنساني، وتذكّر بما قد تخفيه التسويات السياسية من خسارات لم تُنصف بعد.

وأحببت صفحاته عن ممدوح عدوان، لما فيها من دفء الصداقة وحيوية التفاصيل. يستعيد سنوات الدراسة بدمشق، واندفاع صديقه إلى اكتشاف المدينة، واستعانته بترجماته الحرفية لقراءة نصوص فلسفية. ويذكر اشتراط ممدوح ألّا يُسأل عن معناها، وأن يُكتفى بالترجمة الحرفية (ص ٢٢٩–٢٣٠). يعيد هذا التفصيل شيئاً من مرح الشباب ومحاولات الفهم. وحين يناقش كاصد لاحقاً بعض أحكام صديقه وتعميماته، يحتفظ بتلك الألفة. يستطيع أن يعترض عليه، وقد حفظ له اندفاعه ومغامرته وما أحبّه فيه.

في جوهره، يكشف «في البدء كان السيرك» عورة الانتهازية في الوسط الأدبي والثقافي، ويتتبع أصحابها وهم ينتقلون من مديح سلطة إلى خدمة أخرى، محتفظين بقدرتهم على تصدّر المجالس وإلقاء الدروس على الآخرين. وهنا تكمن مرارة الكتاب: في المسافة بين ما يعلنه المثقف من قيم وما يقبله لنفسه من منافع، وفي سهولة تبديل الولاء حين يصبح الولاء القديم عبئاً.

يعيد كاصد إلى هؤلاء كلماتهم، منشورةً بأسمائهم، ويضع حاضرهم إلى جانبها. ومن هذه المواجهة يأتي السؤال الذي ينبغي ألّا تطويه المجاملات: ماذا راجعوا من ماضيهم، وعمّ اعتذروا، قبل أن يتقدموا الصفوف من جديد؟ لقد تغيّرت السلطات، لكن المنبر ظل يتسع لبعض الذين أحسنوا مديحها، فيما بقي ضحاياها ينتظرون الإنصاف.

***

فؤاد ميرزا بغدادي

 

في المثقف اليوم