أقلام فكرية

غالب المسعودي: الذات والمكان والكلمة

تحليل العلاقة التعاضدية في بناء الهيكل الأنطولوجي للوجود وتقويض البيوسياسة المعاصرة

إشكالية الهيكل الأنطولوجي للوجود

يسعى الفكر الفلسفي المعاصر إلى فهم الوجود من خلال تجاوز الأطر الميتافيزيقية التقليدية التي تفصل بين الجوهر والوجود، أو بين الذات والموضوع. يتطلب بناء "الهيكل الأنطولوجي للوجود" الانتقال من الفهم السكوني للوجود كـ "ماهية مسبقة" إلى الوجود كـ "كينونة منفتحة ومؤوّلة."لقد تأسس هذا التحول على المبدأ الوجودي المحوري: "الوجود يسبق الماهية" ومن بعده التعاضد الانطولوجي بين الوجود والماهية، الذي يفرض أن الذات تبني هويتها من خلال الأفعال والقرارات التي تتخذها. يشكّل التعاضد محور هذا التحليل، وهو علاقة وجودية ثلاثية الأبعاد لا يمكن فيها عزل الذات أو المكان أو الكلمة دون انهيار المعنى الأنطولوجي الكلي. إن الذات، في سياق كينونتها المنفتحة، هي نقطة التماس والاشتباك بين المكان (كعالم دلالي) واللغة (كأفق للفهم). هذا التضافر يؤكد أن العلاقة بين العناصر الثلاثة هي علاقة تأسيس أنطولوجي نشط، وليست مجرد وصف لعناصر منفصلة. إن هذا الهيكل الأنطولوجي هو في جوهره هيكل للحرية، يقاوم محاولات التشييء التي تسعى لتقييد الذات داخل ماهية محددة أو "تنميط".

 اللغة كشرط للوجود: الكلمة بوصفها بيت الكينونة

تتصدّر الكلمة (اللغة) الثالوث الأنطولوجي بوصفها "بيت الكينونة"، وهي ليست مجرد أداة للتعبير أو التواصل، بل هي الشرط الأساسي لإمكانية الفهم والوجود. يرى هايدغر أن اللغة هي الملكة المتميزة التي يستطيع الكائن من خلالها أن يفكر في الوجود، مما يجعل العلاقة بين اللغة والكينونة علاقة جوهرية وليست عرضية.

تتمتع الكلمة بقوة كشف أنطولوجية؛ فهي التي تُجلّي الموجود أمام الناس، وتُمكّن الأسماء من الاحتفاظ بالرؤى والخبرات الوجودية وتنميتها. إذا كانت الكلمة مفقودة فلا جدوى للخبرة ولا قيمة لها، وربما لا يكون لها "وجود على الإطلاق". وهذا يرفع اللغة إلى مستوى وسيط للبقاء الأنطولوجي في مواجهة الفناء. إن النضال للحفاظ على الكلمة هو في جوهره نضال لضمان بقاء الخبرة الوجودية قابلة للفهم والتواصل. وقد أكّد غادامير، من خلال الهرمنيوطيقا، هذا الدور الأنطولوجي عبر مقولته الشهيرة: "الوجود الذي يمكن فهمه هو اللغة".

بناء الدائرة التأويلية والانتقال إلى أنطولوجيا الفعل

يتطلب الفهم وجود الكلمة كوسيط لتأسيس الدائرة الهرمنيوطيقية. فـ لا يوجد فهم بدون تفسير توقعي، ولا تفسير بدون فهم. إن الفهم المسبق، وهو جزء لا يتجزأ من تكوين المعنى، يعتمد على الافتراض المسبق للمعنى وينطلق في الوقت ذاته من توقعه. وهذا يثبت أن الكلمة هي جوهر عملية الفهم التي تمكّن الذات من تأويل العالم والمكان.

إن الأحكام المسبقة تشكّل عناصر أساسية في الفهم، وهي مرهونة ومتوقفة بشكل وثيق على أفقنا وسياقنا التاريخي. هذا الارتباط التاريخي يؤكد أن اللغة متجذرة في العالم المعيش، كما تلعب دوراً حاسماً في تشكيل الفضاء الأخلاقي والاجتماعي. على سبيل المثال، كانت الفلسفة القديمة شفاهية في الصميم، ترتكز على الكلمة المنطوقة، وكان هدفها ليس مجرد إيصال المعلومة، بل يهدف إلى "إحداث أثر وتحوّل " (التكوين لا التلقين). هذا الدور العملي للكلمة المنطوقة يبرزها كفعل وجودي وممارسة علاجية، مما يؤكد تعاضدها مع الذات في بناء فن العيش.

من هرمينيوطيقا النص إلى أنطولوجيا الفعل (ريكور)

وسّع بول ريكور نطاق التأويل من حصرية النص إلى مجال أوسع يشمل الفعل والممارسة، ليؤسس بذلك "أنطولوجيا الفعل". يؤكد ريكور على جدلية مزدوجة: يمكن فهم الفعل بوصفه نصاً، وفي المقابل يمكن للنص أن يُفهم بوصفه فعلاً وممارسة. هذا التحول يعني أن الذات لا تكتشف وجودها فقط من خلال تأويل النصوص، بل أيضاً من خلال تأويل أفعالها وممارساتها في العالم.

تظهر أهمية الكلمة من خلال هذا التوسع بوصفها أداة لا غنى عنها، ليس فقط للتعبير عن الوجود، بل كذلك لتشكيل الوجود نفسه عبر الممارسة العملية.

المكان والعالم المعيش

بالنسبة لهايدغر، المكان ليس مجرد إحداثيات هندسية فارغة، بل هو "العالم".

أو "الوجود في العالم". إنّ العالم شبكة من العلاقات والأدوات التي يتم اكتشافها في الراهن، وهو شرط مُقدَّم على وجود الذات والموضوع. هذا العالم هو فضاء دلالي أولاً، إذ ينفتح الوعي عليه عبر القصدية.

في الفينومينولوجيا، تتأصّل الذات في المكان، والمكان يكتسب معناه من خلال ممارسة الذات لحياتها فيه. وهذا المكان المعيش هو الذي يحدد أفق الدلالة للذات.

حروب المناعة وتفكيك الرابطة الأخلاقية

تتضاعف زعزعة الهيكل الأنطولوجي عندما تفقد الكلمة دورها الكاشف. في هذا السياق، تظهر العلاقة العكسية بين الخوف وفاعلية الكلمة الأنطولوجية؛ فالخوف يُستخدَم "كأداة حكم مركزية" لترويض الشعوب. هذا الخضوع يتعارض بشكل مباشر مع دور الكلمة كشرط للحوار والتكوين الفلسفي (الذي يهدف إلى إحداث تحول في الشخصية). عندما يسيطر الخوف، تفقد الكلمة قوّتها.

دعوة للهرمنيوطيقا النقدية كطريق للبناء الوجودي

إن الهيكل الأنطولوجي ليس بنية ثابتة، بل هو عملية بناء مستمرة قائمة على التعاضد الحيوي بين الذات المتفهمة، والكلمة الكاشفة، والمكان الآمن الذي يسمح بالعيش الحر. الهرمنيوطيقا النقدية هي الطريق لإعادة بناء هذا الهيكل، إذ إنها تمنح الذات الأدوات الفلسفية اللازمة لتأويل أزماتها، والتمييز بين ما "هو في نطاق سلطتنا" (أفكارنا وقراراتنا) وما "ليس في نطاق سلطتنا" وذلك لتأكيد الحرية الإنسانية في وجه السيطرة البيوسياسية الشاملة.

***

غالب المسعودي

.........................

المراجع

مؤمنون بلا حدود. "فيورباخ في الفلسفة العربية المعاصرة: مشكلة الإنسان". (رابط إلكتروني: mominoun.com)

هنداوي. "هيدجر | فهم الفهم: مدخل إلى الهرمنيوطيقا: نظرية التأويل من أفلاطون إلى جادامر". (رابط إلكتروني: hindawi.org)

ASJP. "ألاساس الأنطولوجي لهرمينوطيقا الوجود عند مارتن هيدغر: ملخص". (رابط إلكتروني: asjp.cerist.dz)

الجابري، عابد. "الفينومينولوجيا وفن التأويل". (رابط إلكتروني aljabriabed.net)

مصطفى، عادل. "كيف طوّر هيدجر منهجاً تأويلياً فينومينولوجيا Hermeneutic Phenomenology في سياق بحثه الأوسع عن أنطولوجيا أكثر أساسية". (مدونة modernitysite.wordpress.com)

بريمي، عبد الله. "السيرورة التأويلية في هرمينوسيا هانز جورج غادامير وبول ريكور". (رابط إلكتروني: abdellahberrimi.com)

الخويلدي، زهير. "فلسفة الفهم عند غادامير والقراءة الهرمينوطيقية للتراث". (رابط إلكتروني: anfasse.org)

مجلة "بحوث". "Biopolitics of Michel Foucault and Giorgio Agamben". مجلد 3، عدد 5 (2023). (رابط إلكتروني: buhuth.journals.ekb.eg)

هايدغر، مارتن. الوجود والزمان. (لأن النص يستند بشكل كبير إلى مفهوم الكينونة/الوجود في العالم).

غادامير، هانز جورج. الحقيقة والمنهج. (المصدر الأساسي لمفهوم الهرمنيوطيقا والأفق التاريخي).

ريكور، بول. صراع التأويلات أو الذات عينها كآخر. (لأن النص يتناول الانتقال من تأويل النص إلى أنطولوجيا الفعل).

أغامبين، جورجيو. الإنسان السيرة. (كمرجع أساسي لمفهوم البيوسياسة الذي تم تقويضه في النص)

 

في المثقف اليوم