آراء

سامي عبد العال: كيف يُفكّر الكاوبوي؟

حدثَ أنْ كشفت وثائق الويكليكس" العقل الأمريكي الحربي" متلبساً بالتجسس وحياكة المؤامرات التي مُورست في أغلب أرجاء المعمورة. حاول أنْ يُبقي ثروات العالم تحت سيطرته متطلعاً إلى المصالح والصفقات الاقتصادية. وإذا كانت للعالم خريطة جيوسياسية، فهناك خريطة أخرى لأعمال النهب. وتلك الخريطة هي الأساس في توازن القوى الدولية وهي المتحكمة في صراعاتها القريبة والبعيدة. ليست هناك قوةٌ عولمية مقارنة بالأخرى دون أنْ تكون هادفةً إلى الاستيلاءعلى ثروات الدول. ولذلك تمثل المصالح بالنسبة لأمريكا أهم من السياسة. تُوجد هناك سياسات أمريكية حيث توجد مصالح أمريكية محتملة ويصح العكس.

عقل الكاوبوي "عقل قنّاص" للفرص مصوّباً حيلّه لخطف الأرباح وإنْ لم تكن من حقه. لا توجد أمريكا في مكانٍ ما من العالم إلاَّ بسبب فرص استغلال تترقبها طوال الوقت. حقيقي هناك بعض الدول الكبرى التي تتعاون لانجاز مشروعات قومية عملاقة في دول أخرى، ولكن أمريكا نمط مختلف تماماً، لا تقوم إلاَّ بمشروعات مدفوعة مقدماً من السيادة والاقتصاد والسياسة. وعقل الكاوبوي هو ما يُحرّك أمريكا للسيطرة على المشاهد الدولية، أي نحن نشهد مرحلة " تدويل الكاوبوي " ليصبح هو المتحكم في العلاقات والصراعات الدولية أيا كان الثمن.

التاريخ لا يكذب ولا يتجمّل، ولكنه قد يتواطّأ إلى حد اللعنةِ بحكم غلبة المرويات المنتصرة وتزييف الأحبار السرية التي يُكتب بها. ومن جانبٍ آخر، حين يريد التاريخ الافضاء والتداعي، فقد يمثلُّ أزمنةً حادةً من التعرية المتواصلة. التاريخ كتابٌ مفتوح على مصراعيه ليقرأ المتابعُ ما يشاء من خفايا، وكيف يكون التراث الحربي للقوى الكبرى فاضحاً.

أسلوب الهيمنة الأمريكية واحدٌ رغم مرور العصور السياسية المتعاقبة، حتى باتت أمريكا نموذجاً للقوى المنتهكة للقوانين والعلاقات الدولية. ولم يعد أمام العالم إلاَّ التكتل في محاور تحفظ عليه بقايا سيادته. أخطر ما في النموذج الأمريكي هو البحث المتواصل عن الاستقطاب، لم يترك دولةً وشأنّها الحُر، فهو يرسم خرائط النفوذ طوال الوقت. يضع الكرة الأرضية تحت مجساته العسكرية وأسلحته بعيدة المدى. فلا يوجد حدث عالمي خارج اهتماماته، لأنّه يعتني بكل صغيرةٍ و كبيرةٍ على الكوكب طبقاً لمؤشرات قوته القصوى. وأعطى لنفسه حق التدخل بحسب مصالحه دون إذن الهيئات الدولية. لم تخطئ له مصلحةٌ يوماً ما في تحريك الاحداث كما يُريد.

أمريكا سياسياً هي الذروة التي وصل إليها الغرب الكولونيالي بكل عتادّه المعرفي والحربي. ليس هذا وحسب على امتداد الخط، ولكنها لم ترضَّ بما يُشبع الاستعمار من ابتلاع مناطق النفوذ والسيطرة، إنما وصل بها " نهم الهيمنة " إلى الهوس بصناعة الحروب والصراعات. المؤشر على ذلك أنَّ ترامب قد غيّر اسم " وزارة الدفاع " الأمريكية إلى" وزارة الحرب" وكأنَّه جاءَ لهذا الهدف تحديداً. وحيدٌ هو الرئيس ترامب الذي وضع الاسم على المسمى بدلاً من فوضى الاصطلاح. وضع النقاط على الحروف قولاً وعملاً. وبهذا الاسم تحول العالم تلقائياً من خانة دول الأصدقاء والجوار إلى أعداء فعليين.

التغيير يقول إنَّ الحرب ليست احتمالاً من بين احتمالات الصراع، ولكنها ستمثل واقعاً لا محالة. كأن الدولة الامريكية في حالة حروب مستمرة لا توقف. وفي كل مرة سيتم جر كرة الاحداث إلى درجة الانفجار العسكري. أي من النهاية ستكُون الحروب محتومةً من جانب القوة الأمريكية وما يرافقها من سياسات واستراتيجيات. منذ نقطة البداية، سيصبح كلُّ صراعٍ أو كل تنافس حربياً.

ليس بعيداً عن ذلك ما جرى من" ميتافزيقا الخراب البشري " في جزيرة جيفري إبستين، حيث عرّت مجتمعاً للنُخب الدولية مازال يعيش مع الاساطير والأشباح ويقدّس الشيطان ويأكل لحوم البشر. جزيرة إبستين ليست أرضاً مترامية الأطراف بين أمواج البحر، ولكنها "عقل دموي " يعيش في ظلام السياسة ممسكاً بيده خيوط "عرائس الماريونيت" فوق منصات السلطة هنا أو هناك. كلُّ موقفٍ، وكلُّ رئيسٍ، وكلُّ مسئولٍ زار جزيرة إبستين كان لمهمة سياسيةٍ معينةٍ. وتصب المهام في النهاية لخدمة المصالح الاسرائيلية- الامريكية. جزيرة ابستين جزء من" عقل الكاوبوي المتصهين " والذي يجيد نصب الفخاخ وإدارة الاحداث بالفضائح وتدبير المكائد والدسائس. لا انفصال بين تاريخ الصهيونية وتاريخ الكهوف الدموية على غرار جزيرة إبستين.

لم تكُّن مشاهد جيفري إبستين خبط عشواء، لقد جمعت بين رموز السياسة ولصوص الاقتصاد وهياكل الدين وخدّام الآلهة وتجّار الموت ومصاصي الدماء. كلُّ ذلك نقل الممارسات الشاذة التي تطايرت أخبارها إلى جميع أصقاع الأرض. وتبين أنها ممارسات أخذت شكل الطقوس والأعمال المقدسة لأغراض وقحةٍ. طبقاً للوثائق التي زادت عن ثلاث ملايين وثيقة تركها جيفري إبستين، بدت الجزيرة معبداً لتقديس الشرور في العالم. لا قانون، لا اخلاقيات، لا حدود بين الواقع والخيال، الأسرار فضائحية أكثر من الوقائع. جاءت الجزيرة عنواناً للغموض بدءاً من وجودها المجهول ومروراً بالطقوس التي يمارسها رواد الجزيرة وليس انتهاءً بصاحبها الذي صعد نجمه كأنَّه جاء من سماوات سحرية!!

أما خلال الأوقات الراهنة، فالحرب "الأمريكية – الاسرائيلية " على ايران دليل أنَّ كل ما سبق ليس مصادفةً، ولكنه عمل مقصود للحفاظ على اسرائيل. هذه " المحمية الصهيونية الأمريكية " وسط الرمال السياسية العاصفة بالشرق الأوسط. مشهد الحرب بين الغرب الصهيوني وبلاد فارس بعثَ الروح في خريطة العالم السياسي اللاهوتي مرة أخرى. كان ترامب الاسرائيلي يرى في نظام الحكم الايراني القائم على عقائد التشيُّع أخطر أصناف الأنظمة السياسية. لأنه جعل من الحروب عقيدةً غير قابلة للانفكاك.

كان ترامب يدرك أنَّ حروب العقائد المسيّسة لا يوازيها إلاَّ عقائد مسيسة بالمثل. فلم يستطع ترامب اختراق جدار امبراطورية فارس العازل، ولم يتمكن من فرض سطوته عليها. لكونه يعلم استحالة أنْ يناطح الايديولوجيات المقدسة لدى اصحابها. حيث كانت الايديولوجيات نموذجاً للارهاب الدموي في المنطقة العربية. وبخاصة أنَّ أمريكا ليست ساذجة، إذْ شكلت بعض أنظمتها السياسية معامل لتفريخ بعض" فيروسات الارهاب " في أرجاء الكرة الأرضية تخليقاً ورعايةً وانتشاراً.

كل حروب آتية إلى حتفِ اصحابها إذا كانت لاهوتيةً بهذه الطريقة. الحروب في أساسها لاهوت ضّل طريقه إلى السياسة وهي سياسة استقرت في أضابير اللاهوت. إراد ترامب أنْ يضيف لاهوتاً حربياً أمريكياً مقابل لاهوت فارس الحربي. أمّا اسرائيل، فلا ينقصها لاهوت حربي، فهي مستعمرة لاهوتية حتى النخاع، جميع تفاصيل وجودها غارقة ومنقوعة في قاع لاهوت الحروب منذ عقود طويلة. الدولة الوحيدة التي تطاول أمريكا في لاهوت الصراع هي اسرائيل رغم المؤسسات السياسية الحداثية التي تتحصن فيها. جميع رؤساء اسرائيل عبارة عن أشباح لملوك بني اسرائيل. الطقوس الحربية والسياسية ذاتها هي ما يقفون تحت ظلها الخفي طوال الوقت، حتى الخطابات السياسية وشكل المشاهد للكيان الصهيوني إنما هي موروثات لاهوتية فاتَ أوانها. وليست الصراعات الحربية التي ينغمس فيها العالم العربي بسبب اسرائيل إلاَّ حفريات يهودية وصهونية قديمة.

ليس صحيحاً أنَّ العلمانية مازالت تحمل الأنظمة الحربية الراهنة في عصر مُعلمن حتى النخاع. لكن الحروب لاهوتية بالضرورة بصرف النظر عن القُوى التي تنخرط فيها. الحرب عقيدة تحمل من يقوم بها على أسطّرة وجوده إزاء الأغيار. على الأقل بينه وبين نفسه وتجاه مناصريه، لكون الحرب تحتاج إلى مركزية القرار وإلى قدرة على الاعتقاد فيما تملك تجاه الأعداء. واللاهوت صبغة حربية تحتوي كل صراع داخلها لتعيد انتاجه بصورة شرسة. من هنا كان على أمريكا وقائدها الراهن دونالد ترامب أنْ يعلنا عن لاهوت الحرب تجاه إيران. أليست ايران تتحصن داخل لاهوت التشيع السياسي والثورة التي تصدّرها للدول المجاورة وتحمل لواء محاربة الاستعمار. فلتكن أمريكا هي " عقل الكاوبوي " الذي يوازي لاهوتاً من نوع معاصر.

المشهد لم يكن يعوزه أي شيء للتدليل على لا هوت الحروب إلاّ قساوسة انجيليون في البيت الأبيض لاقامة صلاة وقداس من أجل ترامب للانتصار الحربي على ايران. حيث تجلى المشهد بوصفه" شعيرة ميتافيزيقية" و" خليطاً لزجاً " بين السياسة والدين، كأنّه أحد المشاهد المتأخرة من العصور الوسطى. دونالد ترامب يجلس إلى مكتبه الفخم في البيت الأبيض، مكتب قيادة العالم وادارة الصراعات ومناورات الحروب وعقد الصفقات على نطاقٍ واسع. ترامب ينظر إلى المكتب الماثل أمامه كأنّه ينتظر نزول الرب في المكان بينما يضع القساوسة العشرون أيديهم على كتفه. ومنْ لم يطل جسم ترامب يضع يده على كتف أقرب قسيس إليه. حتى تكون المعتقدات الدينية ساريةً في خضم تواصل الأجساد والأرواح.

وفي صوت واحد يرددون مع سماع صوت كبير القساوسة مناشداً الرب: " أُصلي من أجل أنْ تحيط الرئيس بنعمتك وحمايتك. وأصلي من أجل أنْ تشمل نعمتك وحمايتك كل قواتنا ورجالنا ونسائنا الذين يخدمون في قواتنا المسلحة. يا آبانا نصلي من أجل أن تواصل منح رئيسنا القوة التي يحتاجها لقيادة أمتنا العظيمة وأنْ نعود أمةً واحدةً تحت راية الله، أمة غير قابلة للانقسام تنعم بالحرية والعدالة للجميع، ونصلي من أجل أنْ تفيض علينا من بركاتك".

السؤال المنطقي: في إطار الصراع الطاحن، أيُّ رب يصلون إليه هؤلاء القساوسة بالبيت الأبيض؟ هل هو رب خاص يطلبون منه النعمة والبركة للرئيس ترامب؟ ولاسيما أنَّ الحرب بين فارس وأمريكا واسرائيل على أشدها عبر شاشات الاحداث في كل انحاء العالم. والأدق كيف وبأية ثقةٍ يضعون كلَّ آمالهم السياسية في سلة الرب الذي يناشدونه الاستجابه؟ هل الرب هو رب حربي يوزع هباته على قوات أمريكا فقط؟

مشهد القساوسة يُعمِد الرئيس ترامب كامبراطور لاهوتي حضر من حفلة تنكرية خلال أكثر العصور تطوراً. وليس هناك من معنى لكون الرئيس في مؤسسة علمانية تمسح عليه الأيادي المقدسة طلباً للبركة والنعمة أكثر من معنى هذا المشهد. إنّ شرور أمريكا الحربية قتلت آلاف البشر، حتى وإنْ واجهها تواجد عسكري لاهوتي فارسي أو غيره. والحماية والصيانة اللتان يطلبهما القساوسة لترامب ورجاله ونسائه إنما يحلان باللعنات على بشر آخرين. فهل قساوسة ترامب يطلبون اللعنات المقدّسة لغيرهم؟ ربما ليس الرب سوى الطائرات المسيرة التي تحلق بالموت في أجواء الشرق الأوسط. وجديدةٌ هي مناشدة الرب الانجيلي مع الرب اليهودي فوق سماء ايران الاسلامية. تداخل غريب بين الأديان الإبراهيمية رغم أن السياقات علمانية.

أية رايةٍ لله تلك التي يطلب القساوسة أنْ تكون تحتها أمريكا أمةً واحدةً؟ أمريكا كقوى عظمى لم تحمل إلاَّ راية الاستعمار الغربي المبكر، ولم ترفع راية إلاَّ وبجانبها راية اسرائيل، يبدو أنَّ رايات الرب توحدت عند خطوط الموروثات الحربية اللاهوتية الراهنة. والجديد أن الرب الانجيلي والرب التوراتي قد إجتمعا تحت سقف البيت الأبيض، وإلاَّ ما الذي يفسّر الحروب الأمريكية الاسرائيلية التي تعصف بكافة القيم والحقوق؟!

وبالطبع إذا كانت سياساتُ أمريكا واسرائيل الدينية فاعلةً في ساحة الحرب، فإنها ستستثير السياسات اللاهوتية عند ايران وسواها ( حزب الله والحوثيين وجماعات العنف في العراق). بل بدا الاسلاميون الآخرون يطلون برأسهم من قلب الرماد بعثاً لخطابات الكراهية بين الشرق والغرب مرة أخرى. ألم يكن هناك تحالف صهيوني غربي في شكل هذا الصراع، فليكن لهم( أي الاسلاميون المتطرفون) قصب السبق حين جاهروا بتكفير الغرب ... هكذا قد يُقال في الخطابات التكفيرية!!

مما يعيد ضبط مؤشر الصراع ليس بين أمريكا وايران فقط، ولكنه يحرك تربة التطرف ويخرج بذوره إلى الهواء والضوء في بلاد الشرق الأوسط، ولعلَّ المناخ المواتي سيجددُ الفرصة لنمو البذور مرةً أخرى. الناس كانوا يتصوروا أنَّ التطرف الذي أدمى المجتمعات العربية قد ذهبَ إلى حيث لا يُعود الموتى، غير أنّ حرباً كهذه كانت عصا تحرث تربة التشدد الديني من جديدٍ. الثقافة التي يجيدها الإرهابيون هي ثقافة الحروب والصراعات. هي يواصلون الظهور فوق جثث الموتى وعلى إيقاع التفجيرات. وتلك كانت ظاهرةً في بعض العصور العربية الاسلامية، يعثرون على ذواتهم في حالة جهاد أبدي لا يُبقي ولا يذر. أمّا في حالة دوران عجلة الحضارة، فلايجد الارهابيون لهم مكاناً مؤثراً.

***

سامي عبد العال

في المثقف اليوم