أقلام فكرية
غالب المسعودي: الدورة البيولوجية ومقاومة التردي
جدلية البقاء البيولوجي والبقاء الإنساني
الجدلية الأنطولوجية بين "الحياة العارية" والوجود السياسي
تُشكل الثنائية القائمة بين الضرورة البيولوجية للبقاء والواجب الأخلاقي للحفاظ على الجوهر الإنساني، المحورَ الأساسي الذي تدور حوله مأساة الوجود البشري في ظل الأنظمة الشمولية وظروف القهر القصوى. يسعى هذا التقرير لتقديم مسح شامل وتحليل عميق لهذه الديناميكية، مستنداً إلى تقاطعات الفلسفة السياسية الحيوية، وعلم النفس التطوري، وشهادات الناجين من معسكرات الإبادة. لا تكتفي هذه الدراسة برصد الظواهر، بل تغوص في البنية التحتية لآليات السلطة التي تستهدف "الجسد الحي" لتفكيك الذات السياسية والأخلاقية.
في الفكر اليوناني القديم، كان هناك تمييز دقيق بين "زوي" حقيقة الحياة البيولوجية المجردة المشتركة بين جميع الكائنات الحية (الحيوانات، البشر، والآلهة)، وبين "بيوس" التي تشير إلى شكل الحياة اللائق والمؤهل لفرد أو جماعة ضمن السياق السياسي والاجتماعي. كانت السياسة التقليدية معنية بـالـ "بيوس"، أي الحياة المؤطرة بالقوانين والأخلاق. ومع ذلك، فإن الحداثة السياسية، كما يجادل ميشيل فوكو وجيورجيو أغامبين، قد شهدت انهياراً كارثياً لهذا التمييز، حيث تم دمج الحياة البيولوجية البحتة في صلب الحسابات السياسية.
تنطلق الفرضية المركزية لهذا التقرير من أن آليات القمع الحديثة لا تهدف ببساطة إلى قتل الخصوم، بل تسعى إلى إنتاج ما يسميه أغامبين "الحياة العارية" وهي حياة مجردة من الحقوق والحماية والقيمة الرمزية، ومختزلة في وظائفها البيولوجية الأساسية. يتم تحقيق ذلك عبر استغلال منهجي للدورة البيولوجية للإنسان (من هشاشة الطفولة إلى وهن الشيخوخة) وعبر تفعيل ضغط تطوري يضع غرائز البقاء الفوري في مواجهة صفرية مع القيم الأخلاقية بعيدة المدى.
السياسات الحيوية: من "حق الموت" إلى "إدارة الحياة"
لفهم ميكانيكيات تحويل الإنسان إلى مادة بيولوجية، يجب أولاً تفكيك التحول التاريخي في طبيعة السلطة. يوضح ميشيل فوكو في تحليلاته لتاريخ الجنسانية أن السلطة السيادية القديمة كانت تتميز بحق "الإماتة أو الإبقاء على قيد الحياة". كان السيف هو رمز السلطة، والموت هو اللحظة التي تتجلى فيها سيادة الحاكم المطلقة.
بيد أنه مع صعود الرأسمالية والدولة الحديثة، انقلبت هذه المعادلة لتصبح السلطة معنية بـ "صناعة الحياة أو ترك الموت يحدث". هذا التحول، الذي "السلطة الحيوية" يعني أن الآليات السياسية بدأت تتدخل في العمليات البيولوجية للسكان، معدلات الولادة، الوفيات، الصحة العامة، والنظافة. لم تعد السلطة تمارس حكمها على "رعايا قانونيين"، بل على سكان" ككتلة بيولوجية". في هذا السياق، لا يُبرر القمع كعقاب قانوني، بل كإجراء "طبي" أو "وقائي" لحماية الجسد الاجتماعي من "العناصر الفاسدة". هذا المنطق هو الذي مهد الطريق لما يسميه فوكو "عنصرية الدولة"، حيث يصبح إقصاء أو إبادة مجموعات معينة شرطاً لزيادة حيوية وقوة المجموعة المهيمنة.
"هومو ساكر" وإنتاج الحياة المستباحة
يأخذ الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين تحليل فوكو إلى مستوى أنطولوجي أعمق من خلال استعادة مفهوم من القانون الروماني الغامض: "هومو ساكر" أو الإنسان المستباح. هذا الشخص هو كائن مزدوج الإقصاء: لا يمكن تقديمه كأضحية للآلهة (لأنه نجس أو فاقد للقيمة الدينية)، وفي الوقت نفسه، فإن مَن يقتله لا يُعاقب بجريمة قتل (لأنه خارج حماية القانون الوضعي). إنه حياة يمكن قتلها دون ارتكاب جريمة جنائية، هذا ليس شذوذاً تاريخياً، بل هو "نوموس" (قانون) الفضاء الذي تصبح فيه "حالة الاستثناء" هي القاعدة الدائمة. في المعسكر، يتم تجريد الأفراد من جنسيتهم وهوياتهم السياسية ليتبقوا مجرد كتل بيولوجية خاضعة لسلطة مطلقة. الهدف النهائي للمعسكر ليس الموت بحد ذاته، بل إنتاج "الحياة العارية" بكميات صناعية. هنا، يتم تعليق القانون والأخلاق، ويصبح الإنسان "مادة" قابلة للتصرف، سواء للتجريب الطبي، العمل القسري، أو الإبادة.
سيكولوجية التجريد: بين "الحيوانية" و"الميكانيكية
لإتمام التحول من "مواطن" إلى "حياة عارية"، توظف الأنظمة القمعية آليات نفسية وتطورية لتجريد الضحايا من إنسانيتهم. تشير الأبحاث في علم النفس الاجتماعي إلى نمطين رئيسيين لهذا التجريد:
التجريد الحيواني: حيث يُنظر إلى الضحايا ككائنات تفتقر إلى الخصائص البشرية الفريدة مثل المنطق والثقافة. يتم استخدام استعارات مثل "الجرذان" أو "الصراصير" لتفعيل مشاعر القرف بدلاً من التعاطف، مما يبرر العنف كإجراء تطهيري.
التجريد الميكانيكي: حيث يُعامل البشر كآلات أو أدوات تفتقر إلى الدفء العاطفي والعمق النفسي. هذا النوع شائع في السياقات البيروقراطية والصناعية للمعسكرات، حيث يُمحى الاسم ويصبح السجين "رقماً" أو "وحدة عمل".
تُظهر الدراسات أن لغة التجريد هذه لا تسهل العنف "الأدائي" فحسب، بل تعطل أيضاً كوابح الردع الأخلاقي الطبيعية لدى الجلادين؛ فعندما تُصنّف الضحية خارج "النطاق الأخلاقي"، تسقط عنها القوانين التي تحكم التعامل البشري.
المنطقة الرمادية وسيكولوجيا التواطؤ القسري
في تحليله الرائد لتجربة أوشفيتز، اجترح بريمو ليفي مفهوم "المنطقة الرمادية" لتوصيف الفضاء الأخلاقي الغامض الفاصل بين الضحايا والجلادين. يرفض ليفي التبسيط المريح الذي يصور المعسكر كعالم منقسم بوضوح بين "أخيار" مطلقين و"أشرار" مطلقين، كاشفاً عن حقيقة مرعبة: لكي تنجو بيولوجياً في بيئة مصممة للإبادة، كان على السجناء غالباً الانخراط في درجات متفاوتة من التواطؤ مع النظام.
تشمل المنطقة الرمادية السجناء الذين قبلوا أدواراً صغرى (مثل "الكابو" أو أعضاء "السوندكوماندو") مقابل امتيازات بيولوجية ضئيلة:
حصة إضافية من الحساء أو بضعة أيام إضافية من الحياة. يرى ليفي أن "الحكم الأخلاقي" التقليدي يتعطل في هذه المنطقة؛ إذ لا يمكن تطبيق معايير العالم الطبيعي على أفراد يواجهون ضغطاً بيولوجياً ساحقاً. ومع ذلك، فإن النظام النازي تعمد خلق هذه المنطقة ليس فقط لإدارة المعسكر، بل لتحقيق هدف شيطاني أعمق:
تدنيس الضحية وتوريطها في جريمة تدميرها الذاتي، وسلبها حتى "براءة" الضحية.
استهداف الدورة الحياتية
تمتد يد السياسات الحيوية لتعبث بمراحل الدورة البيولوجية للإنسان:
اغتراب الطفولة:
يمثل الأطفال "رأس المال البيولوجي" للمستقبل. في الأنظمة الشمولية، يُنظر للطفل كـ “مشروع سياسي" يجب فصله عن ولائه البيولوجي (الأسرة) وربطه بالدولة. تشير الدراسات إلى أن تحريض الطفل ضد والديه عبر التعليم المؤدلج والمنظمات الشبابية هو شكل من أشكال "الإساءة النفسية" التي تكسر الرابط البيولوجي-العاطفي، وتخلق جيلاً يدين بالولاء المطلق للسلطة، مجرداً من الحماية العاطفية الأسرية. وفي حالات الإبادة، يصبح قتل الأطفال استراتيجية "إبادة مستقبلية" لقطع نسل المجموعة الضحية.
الشيخوخة كـ "عبء إنتروبي":
في الطرف الآخر من الدورة، يواجه المسنون خطر التصنيف كـ "حياة غير جديرة بالحياة". وفق المنطق النفعي للدولة (حيث القيمة = الإنتاج)، يُعتبر المسن مستهلكاً للموارد دون مساهمة وحتى في المجتمعات الحديثة، تشير دراسات "الإقصاء الأخلاقي" إلى ميل المجتمع لعزل الشيخوخة، مما يسهل عملية "التخلص" من المسنين في أوقات الأزمات بناءً على معايير "الحيوية البيولوجية" فقط.
الإنتروبيا الأخلاقية ومقاومة التحلل النفسي
يمكن استعارة مفهوم "الإنتروبيا" من الديناميكا الحرارية لتفسير التحلل النفسي تحت القمع. فكما تميل الأنظمة الفيزيائية نحو الفوضى ما لم تُبذل طاقة للحفاظ على النظام، فإن النفس البشرية كنظام قيمي تتطلب طاقة هائلة للحفاظ على تماسكها. في البيئات القمعية، يتم قطع مصادر هذه الطاقة (عبر العزل، والحرمان الحسي، والجوع)، مما يؤدي إلى "إنتروبيا نفسية" متسارعة.
المقاومة كفعل تطوري
من منظور تطوري، لا يُعد المعنى والأخلاق نقيضين للبقاء، بل هما "تكيّفات عليا". في البيئات التي تعجز الغرائز الفردية عن التعامل معها، يصبح "العقل الجماعي" و"الهدف المشترك" أدوات البقاء الأقوى. تحاول الأنظمة القمعية إعادة الإنسان إلى مرحلة "ما قبل التطور الاجتماعي"، بينما تكمن المقاومة في الإصرار على البقاء في "المرحلة الإنسانية"، حيث التعاطف والكرامة هما آليات النجاة الحقيقية. إن الصراع بين البقاء بيولوجياً والبقاء إنساناً ليس ترفاً نظرياً، بل هو المعركة اليومية لكل من يرزح تحت وطأة القمع. تكشف لنا هذه الدراسة أن التحول إلى "حياة عارية" ليس قدراً محتوماً. فمن خلال فهم آليات السياسات الحيوية، والتمسك بما أسماه فيكتور فرانكل "الإرادة للمعنى"، يمكن للفرد ابتكار مساحات للمقاومة؛ حيث لا يكون الهدف مجرد التنفس، بل الشهادة على الحقيقة، والحفاظ على صورة الإنسان في مواجهة محاولات محوها.
***
غالب المسعودي
..........................
قائمة المراجع (References)
المصادر الفلسفية والنظرية (فكر سياسي)
Internet Encyclopedia of Philosophy (IEP). Agamben, Giorgio. Retrieved from: [iep.utm.edu]
Agamben, Giorgio. Homo Sacre: Sovereign Power and Bare Life. The Thing. Retrieved from: [thing.net]
Critical Legal Thinking. Michel Foucault: Biopolitics and Biopower. Retrieved from: [criticallegalthinking.com]
Schutz, A. The Power to Kill Life Itself: Michel Foucault, Biopolitics, and the Political Challenge of Human Extinction. Perspectives on Politics, Cambridge Core. Retrieved from: [cambridge.org]
Foucault, Michel. The Government of Living Beings. University of Warwick. Retrieved from: [warwick.ac.uk]
Hansen, Sarah K. Zoe, Bios, and the Language of Biopower. (“Zoe, Bios and the Language of Biopower - Wiki data”) Dissertation, Vanderbilt University. Retrieved from: [core.ac.uk]
دراسات الهولوكوست وعلم النفس (المنطقة الرمادية والتجريد)
Brill. Finding Man in Der Musselman: The Use & Abuse of the Walking Dead. Retrieved from: [brill.com]
Digital Commons New Haven. An Interdisciplinary Analysis of Dehumanization during the Holocaust. Retrieved from: [digitalcommons.newhaven.edu]
Starr, RJ. The Psychology of Dehumanization and Moral Disengagement. Retrieved from: [profrjstarr.com]
أبحاث علم النفس والسلوك (الضغط النفسي والعنف)
National Institutes of Health (NIH) - PMC. "Stress potentiates decision biases: A stress induced deliberation-to-intuition (SIDI) model." (“Papers by topic | yulab”) Retrieved from: [pmc.ncbi.nlm.nih.gov]
National Institutes of Health (NIH) - PMC. Dehumanization increases instrumental violence, but not moral violence. Retrieved from: [pmc.ncbi.nlm.nih.gov]
Construction of Identities. Homo Sacre: Sovereign Power and Bare Life. Retrieved from: [construcciondeidentidades.wordpress.com]






