أقلام فكرية

حمزة مولخنيف: في محنة الزمن المسرِع

تأملات فلسفية في فقدان الصبر ومعنى العيش

ليس الزمن المعاصر مجرد تعاقبٍ محايدٍ للحظات، ولا هو إطارٌ خارجيٌّ تتحرك داخله أفعالنا كما تتحرك الأشياء في فراغٍ صامت؛ إنه بنيةٌ ضاغطة، ونمطُ عيشٍ يتسلّل إلى الأجساد والعقول، ويعيد تشكيل الإحساس بالذات والعالم. فالحديث عن الإسراع والتسارع ليس حديثا تقنيا عن السرعة بوصفها خاصيةً فيزيائية، بل هو تشخيصٌ فلسفيٌّ لروح عصرٍ جعل من العجلة قيمة ومن الفورية معيارا، ومن التأجيل خطيئةً وجودية. هكذا صار الزمن لا يُعاش بل يُستهلَك ولا يُسكن بل يُطارَد، حتى غدا الإنسان كائنا يلهث داخل زمنٍ يفرّ منه باستمرار.

لقد فرّق بول فيريليو في سياق تفكيكه لظاهرة السرعة، بين الإسراع بوصفه قدرةً على إنجاز الفعل بكفاءة، والتسارع باعتباره منطقا شاملاً يفرض إيقاعه على كل شيء، بحيث لا يعود السؤال كيف ننجز؟ بل: كيف ننجز أسرع؟ هذا التحوّل الدقيق هو ما جعل السرعة تنفلت من بعدها الأداتي لتغدو أفقا وجوديا عاما. فالتقنيات الرقمية وشبكات التواصل واقتصاد الانتباه، لم تضف إلى الزمن أدوات جديدة فحسب، بل أعادت تعريف الزمن نفسه، حتى صار الحاضر لحظةً هشّة لا تكاد تُمسك حتى تتلاشى، وصار المستقبل ضغطا دائما، وصار الماضي عبئا لا يُسمح له بالإقامة الطويلة في الذاكرة.

ففي سياقنا هذا، لا يعود الصبر فضيلةً أخلاقية فحسب، بل يتحوّل إلى وضعٍ وجوديٍّ مهدَّد. الصبر كما فهمه الفلاسفة والرهبان والحكماء، ليس مجرد احتمالٍ سلبيٍّ للأذى أو الانتظار، بل هو فنّ السكن في الزمن، والقدرة على منح الأشياء وقتها كي تنكشف في حقيقتها. وقد عبّر سبينوزا عن هذا المعنى حين ربط الحكمة بالقدرة على الفهم الهادئ، حيث “كل ما هو نفيس عسير المنال”، لا لأن الطريق إليه طويل فحسب، بل لأن النفس تحتاج إلى تهيئة زمنية كي تبلغ نضج الرؤية. أما الزمن المعاصر، فإنه يختصر الطريق ظاهريا، لكنه يفرغ الوصول من معناه، فيصير الإنجاز بلا تجربة والمعرفة بلا تأمّل، والعلاقة بلا عمق.

إن الفلسفة في أصلها تمرينٌ على البطء. ليس البطء هنا نقيضا للعقل أو تعطيلا للفعل، بل هو شرط إمكان الفهم. لقد أدرك أرسطو حين جعل الدهشة مبدأ الفلسفة، أن الدهشة تفترض توقّفا، وانقطاعا مؤقتا عن الجريان المألوف للأشياء. والدهشة لا تُختزل في المفاجأة السريعة، بل هي انفتاحٌ صبور على سؤال الوجود. غير أن زمن التسارع لا يحتمل الدهشة، لأنه زمن الأجوبة الجاهزة والتفسيرات السريعة، والمعاني المختزلة في عناوين عابرة. وهكذا تُستبدل الحكمة بالمعلومة ويُستبدل التفكير بالتفاعل، ويُستبدل السؤال بالنقرة.

لقد وصف هيدغر العصر الحديث بأنه عصر “نسيان الكينونة”، حيث ينشغل الإنسان بالكائنات وأدواتها، وينسى سؤال الوجود نفسه. غير أن ما يميّز الزمن المعاصر هو أن هذا النسيان لم يعد نتيجة انشغالٍ تقنيٍّ فحسب، بل صار نتيجة إيقاعٍ زمنيٍّ محموم لا يترك للكينونة فرصة الظهور. فالوجود يحتاج إلى زمنٍ كي يُقال، واللغة تحتاج إلى صبرٍ كي تحمل المعنى، بينما التسارع يضغط اللغة حتى تصير إشاراتٍ مختصرة، ورموزا سريعة التداول، فاقدةً لثقلها الدلالي. هنا لا تُصاب الفلسفة بالعزلة لأنها معقّدة بل لأنها بطيئة، والزمن المعاصر لا يغفر البطء.

يمكن فهم أزمة الصبر من هذه الناحية بوصفها أزمة علاقة بالزمن، لا مجرد ضعفٍ أخلاقيٍّ فردي. فالفرد المعاصر لا يفتقر إلى الإرادة بقدر ما يفتقر إلى الإطار الزمني الذي يسمح للإرادة بأن تتشكّل. لقد نبّه هارتْموت روزا إلى أن التسارع الاجتماعي يُنتج مفارقةً عميقة، كلما امتلك الإنسان وسائل أكثر لتوفير الوقت، شعر بأن الوقت يضيق. ذلك أن الزمن لا يُقاس بما نملكه منه، بل بما نستطيع أن نعيشه بامتلاء. وحين تتكاثف الخبرات دون أن تُهضم، يتحوّل العيش إلى سلسلة من الانقطاعات، ويغدو الصبر ترفا لا ينسجم مع منطق الأداء والإنجاز.

وليس من المصادفة أن الفلسفات التي أعادت الاعتبار للصبر، سواء في التقليد الرواقي أو في الحكمة الشرقية أو في التصوف الإسلامي، قد ربطته جميعا بالتحرّر. فالرواقيون رأوا في الصبر تدريبا على قبول ما لا يمكن تغييره، لا استسلاما، بل وعيا بحدود الفعل. والمتصوفة جعلوا الصبر مقاما من مقامات السير، لأنه يحرّر القلب من استعجال الثمرة قبل نضجها. أما كانط على اختلاف سياقه، فقد شدّد على ضرورة الزمن في تشكّل الحكم العقلي، إذ لا يُبنى العقل العملي في لحظة، بل عبر تربية طويلة للنفس على احترام القانون الأخلاقي. في المقابل، يقدّم الزمن المعاصر أخلاقا فورية، ومواقف سريعة، وإدانات عاجلة دون فسحةٍ للتروّي أو الفهم.

إن الحياة اليومية في ظل هذا الإيقاع تفقد عمقها الوجودي. فالعمل يتحوّل إلى سباقٍ لا ينتهي، والعلاقات تُقاس بسرعة الردّ لا بعمق الحضور، والمعرفة تُختزل في تحديثٍ مستمرٍّ للمعلومات. وهنا تتبدّى مأساة الإنسان المعاصر، إنه يعيش أكثر، لكنه يحسّ أقل. يرى أكثر، لكنه يتأمّل أقل. يتواصل أكثر، لكنه يصغي أقل. وقد عبّر باسكال في سياقٍ مختلف عن حدسٍ قريب حين قال إن شقاء الإنسان يرجع إلى عجزه عن الجلوس هادئا في غرفة واحدة. غير أن الغرفة اليوم لم تعد مكانا فيزيائيا فحسب، بل صارت حالةً زمنية نادرة، حالة الصمت الداخلي الذي يسمح للفكر بأن يتشكّل.

لا يعني هذا التشخيص تمجيد الماضي أو الدعوة إلى انسحابٍ رومانسي من العالم، بل هو محاولة لفهم الكلفة الوجودية للتسارع. فالتاريخ يعلّمنا أن كل تحوّل تقني يرافقه تحوّل في الحساسية الإنسانية. غير أن خطورة اللحظة الراهنة تكمن في أن التسارع لم يعد مجالا جزئيا، بل صار شاملا، يمسّ الجسد والنفس واللغة والخيال. وهنا تُستدعى الفلسفة لا بوصفها ترفا نظريا، بل بوصفها مقاومةً هادئة، تذكّر الإنسان بحقه في الزمن، وبقدرته على التمهّل دون أن يشعر بالذنب.

إن استعادة الصبر ليست عودةً إلى البطء الكسول، بل هي إعادة توازنٍ بين الحركة والمعنى. فكما أن الجسد يحتاج إلى إيقاعٍ حيويٍّ متوازن كي لا ينهار، تحتاج الروح إلى زمنٍ قابلٍ للسكن كي لا تتبدّد. وقد عبّر نيتشه عن قيمة البطء حين قال إن “كل الأفكار العظيمة تُولد أثناء المشي”، أي في زمنٍ غير مضغوط، زمنٍ يسمح للفكر بأن يتنقّل دون هدفٍ نفعيٍّ مباشر. لكن زمن التسارع لا يسمح بالمشي، بل يفرض الجري، والجري لا يتيح للفكرة أن تتنفّس.

إن أزمة الصبر هي في جوهرها أزمة معنى. فحين يُختزل الزمن في أداة إنتاج، يُختزل الإنسان في وظيفة، وتفقد الفلسفة موقعها بوصفها سؤالا عن الغاية. ولعلّ أعظم ما يمكن أن تقدّمه الفلسفة اليوم هو إعادة طرح سؤال: كيف نعيش الزمن؟ لا كيف نملأه. كيف نسكنه؟ لا كيف نستهلكه. هذا السؤال لا يبحث عن وصفةٍ جاهزة، بل يفتح أفقا للتفكير في إمكانات مقاومة ناعمة، تبدأ من الوعي وتنتهي بإعادة تشكيل علاقتنا اليومية بالعالم.

يمتدّ تأملنا هذا إلى مستوى أعمق تتقاطع فيه اليوميّات الصغرى مع الأسئلة الكبرى للوجود، حيث لا يعود التسارع مجرّد ظاهرة خارجية نلاحظها، بل يصير بنية داخلية تستوطن الوعي نفسه. فالعقل المعاصر لم يعد يفكّر داخل الزمن، بل يفكّر على إيقاع الزمن المسرِع، أي داخل ضغط الاستعجال. ومن هنا تنشأ مفارقة دقيقة، لم يعد الإنسان يفتقر إلى الوقت بقدر ما يفتقر إلى القدرة على الإقامة في الوقت. فالزمن متاح لكنه غير قابل للمعاش؛ ممتلئ لكنه غير مثمر؛ متكاثف، لكنه بلا رسوخ.

إن ما يتبدّى في الحياة اليومية هو تحوّل الانتباه إلى سلعة نادرة. وقد أدرك وليم جيمس منذ وقت مبكّر أن الانتباه هو جوهر التجربة الواعية، وأن ما ننتبه إليه هو ما يصنع عالمنا. غير أن اقتصاد التسارع لا يقوم على تعميق الانتباه، بل على تشتيته، لأن القيمة لم تعد في الفهم، بل في التدفّق المستمر للمثيرات. وهكذا يتآكل الصبر من حيث هو قدرة على تثبيت النظر وعلى الإصغاء الطويل، وعلى احتمال الغموض دون استعجال تبديده. ومع تآكل الصبر يتآكل التفكير العميق، ويصير العقل أقرب إلى شاشة تعكس الصور مما هو مرآة تتأمّل المعاني.

إن الفلسفة لا تواجه اليوم خطر التهميش فقط، بل خطر سوء الفهم الجذري. فهي تُطالَب بأن تكون سريعة مبسّطة قابلة للاستهلاك الفوري، وإلا عُدّت خطابا متحفيا لا صلة له بالحياة. غير أن الفلسفة كما نبّه أفلاطون ليست خطابا يُلقَّن، بل مسار تحوّل للنفس. والتحوّل لا يحدث دفعة واحدة، بل عبر زمن طويل من التمرين، من الشك، ومن إعادة النظر. وحين يُختزل الزمن يُختزل إمكان التحوّل نفسه، فيتحوّل الفكر إلى رأي، والحكمة إلى موقف عابر، والجدل إلى صراع انفعالي سريع الاشتعال.

لقد كان هيغل يرى أن الحقيقة هي الكل، وأن الكل لا ينكشف إلا عبر الصيرورة. غير أن الصيرورة تفترض صبرا تاريخيا، وتراكما بطيئا للمعنى. أما الزمن المعاصر، فإنه يريد الحقيقة مجتزأة قابلة للتداول ومنفصلة عن سياقها. وهنا يفقد الفكر بعده الجدلي، ويغدو أسير لحظةٍ منفصلة لا تعترف بما قبلها ولا بما بعدها. إن هذا التفكك الزمني ينعكس مباشرة على الحياة الأخلاقية حيث تُستبدل المسؤولية، التي تفترض وعيا بالاستمرارية وبردود أفعال لحظية لا زمن لها.

وإذا كان التسارع قد مسّ الفكر، فإنه مسّ الجسد أيضا. فالجسد المعاصر يعيش تحت ضغط الأداء، ويُطالَب بأن يستجيب دون توقّف، وأن يتكيّف دون مقاومة. وقد نبّه ميرلو-بونتي إلى أن الجسد ليس شيئا نملكه، بل هو طريقتنا في الوجود في العالم. وحين يُفرض على الجسد إيقاع لا يحتمله، ينعكس ذلك اغترابا داخليا، وتوتّرا دائما، وإحساسا غامضا بالإنهاك لا يُفسَّر بالتعب الجسدي وحده. إن التعب المعاصر في جوهره تعبٌ زمنيٌّ ناتج عن فقدان الإيقاع الإنساني الطبيعي.

من هنا نفهم لماذا صارت مفردات مثل القلق والاحتراق النفسي وفقدان المعنى شائعة في توصيف التجربة المعاصرة. فهي ليست أعراضا فردية معزولة، بل إشارات إلى اختلال عميق في علاقتنا بالزمن. لقد أشار كيركغور إلى أن القلق هو دوار الحرية، غير أن القلق المعاصر هو دوار السرعة، دوار كثرة الإمكانات التي لا يُتاح لها أن تتحقّق فعليا. فكل شيء ممكن، لكن لا شيء يُعاش إلى النهاية. وكل تجربة تُقاطع بأخرى، وكل رغبة تُستبدل بأسرع منها، حتى يفقد الإنسان القدرة على الالتزام، سواء في الفكر أو في الحب أو في العمل.

في مقابل هذا الوضع، لا تقترح الفلسفة خلاصا جاهزا، لكنها تفتح أفق مقاومة هادئة، مقاومة تبدأ بإعادة الاعتبار للبطء بوصفه قيمة وجودية. وقد نبّه غاستون باشلار إلى أن الزمن العلمي ليس هو الزمن المعاش، وأن الشعر والفلسفة يشتغلان داخل زمن كثيف، زمن تتداخل فيه اللحظة مع الذاكرة والتوقّع. هذا الزمن الكثيف هو ما يتيحه الصبر، لأنه يسمح للتجربة بأن تترسّخ، وللمعنى بأن يتشكّل، وللذات بأن تتعرّف على نفسها خارج ضغط الفورية.

إن استعادة الصبر ليست فعلا سلبيا، بل هي قرار أخلاقي ومعرفي في آن. قرار بالإنصات بدل الضجيج، وبالتفكير بدل التفاعل، وبالسؤال بدل الجواب السريع. وقد عبّر فيتغنشتاين عن شيء من هذا المعنى حين قال إن حلّ مشكلات الفلسفة لا يكون بتراكم الأجوبة، بل بتغيير الطريقة التي ننظر بها إلى الأشياء. وهذا التغيير لا يحدث في عجلة، بل في صمتٍ وتأمّل، أي في زمنٍ مستعاد من قبضة التسارع.

في الحياة اليومية تتجلّى إمكانات هذا الاستعادة في ممارسات تبدو بسيطة، لكنها عميقة الدلالة، القراءة البطيئة، الإصغاء غير المشروط، المشي دون غاية نفعية، الجلوس مع فكرة دون استعجال حسمها. هذه الممارسات ليست هروبا من العالم، بل إعادة تشكيل للعلاقة به. إنها تذكّر الإنسان بأن الزمن ليس عدوا يجب التغلب عليه، بل مجالا للمعنى يجب السكن فيه. وكما قال برغسون، فإن الزمن الحقيقي هو الديمومة، أي ذلك الجريان الداخلي الذي لا يُقاس بالساعات، بل بكثافة الشعور.

تستعيد الفلسفة دورها النقدي، لا بمعنى المعارضة الصاخبة، بل بمعنى الكشف الهادئ. فهي تكشف أن ما نعدّه تقدّما قد يكون أحيانا فقدانا، وأن ما نعدّه ربحا في السرعة قد يكون خسارة في العمق. وهي تذكّر أسوةً بألبير كامو،بأن الإنسان كائن معنى قبل أن يكون كائن إنتاج. وحين يُختزل في الإنتاج، يفقد قدرته على التمرّد الوجودي الذي يمنحه كرامته.

إن استعادة الفلسفة في الحياة اليومية لا تعني تحويل كل لحظة إلى درس نظري، بل تعني إعادة الحسّ بالسؤال، وإعادة الشرعية للتردّد، وإعادة الاعتبار للزمن بوصفه شرط المعنى. ففي عالم يريد كل شيء الآن، تصبح القدرة على الانتظار فعلا مقاوما، ويغدو الصبر شجاعة وجودية، وتتحوّل الفلسفة إلى ملاذٍ لا للهرب من الواقع، بل لفهمه بعمق أكبر.

إن الرهان الحقيقي ليس في أن نبطئ العالم فهذا خارج قدرتنا، بل في أن نمنع العالم من أن يسرق زمننا الداخلي. فهناك في ذلك الزمن غير المرئي، تتشكّل الأفكار الكبرى وتنضج القيم ويستعيد الإنسان صلته بنفسه. وفي هذا الامتداد الفكري لا يكون الصبر فضيلة أخلاقية فحسب، بل شرطا لإمكان الفلسفة، وشرطا لإمكان حياة تستحق أن تُعاش.

***

د. حمزة مولخنيف

في المثقف اليوم