أقلام فكرية

إحسان الحيدري: التفكيرُ مِحْرابًا للوجود

سبرُ غَوْرِ المَنظوماتِ الفكريَّة في مواجهةِ انغلاقِ التكفير

تُمثِّلُ جدليَّةُ "التفكير" و"التكفير" المِحورَ الرئيسَ لأزمة المعنى التي تعصفُ بواقعنا المُعاصر؛ إذ يتبوأُ التفكيرُ مقعدَ القيادة في "معمار إيماني" يقومُ على الحوار الخلَّاق والانفتاح على الآخر؛ بَيْدَ أنَّ التكفير ينزعُ نحو صناعة جُدران منيعة تعزلُ الذات عن محيطها الإنساني؛ وتُحيلُ التعدُّدَ الثريَّ إلى رمادٍ من الفرقة؛ وعليهِ فإنَّ إزاحةَ الستار عن مسرح الحقيقة تقتضي اجتراحَ مساراتٍ فكريَّةٍ تُعيدُ أنسنةَ الوجود؛ وتجعلُ الفلسفة "خبزًا يوميًا" للعقل البشري؛ وترياقًا ضد سموم الإقصاء التي تُهدد السلم المجتمعي.

الأرومة الفلسفية: التفكير بوصفه فعلًا تأسيسيًا للحرية

يتجلَّى التفكير في سياق الفلسفة الغربية بوصفه فعلًا تأسيسيًا للحرية والانعتاق من قيود التبعية؛ ولا سيما عند رينيه ديكارت؛ الفيلسوف الذي أرسى دعائم العقلانية الحديثة عبر "الكوجيتو"؛ إذ يُعدُّ الشكُّ المنهجي لديه أداةً لتطهير العقل من سلطة المُسلَّمات الموروثة التي لم تخضع للتمحيص؛ ويعضدُ هذا التوجُّهَ إيمانويل كانط؛ الذي صاغ مفهوم التنوير بوصفه "خروج الإنسان من قصوره العقلي"؛ حيث نادى بضرورة امتلاك الشجاعة لاستخدام العقل دون توجيهٍ من غيره؛ مما يُفضي إلى عقلانية نقدية تجعل من التساؤل الدائم ضمانةً لعدم السقوط في فخاخ الوثوقية العمياء؛ تلك الوثوقية التي تُعدُّ الجذر الأول لكل نزعة تكفيرية ترفضُ الآخر وتدعي احتكار الحقيقة المطلقة.

تشريح الانغلاق: منطق الإقصاء وتهافت التكفير

إنَّ سبرَ غَوْرِ المنظومات الفكرية يكشفُ عن تهافت منطق الإقصاء الذي يقوم عليه التكفير؛ بوصفه يتغذى على "تحيزات معرفية" تختزل الحقيقة المُطلقة في منظور فردي ضيق؛ ويعاني من فقرٍ مدقع في الخيال الإيماني؛ ويُعدُّ هذا النهج ركاكةً في الاستدلال؛ لأنه يقفزُ فوق سُنَّة الاختلاف المكنونة في الطبيعة البشرية والكونية؛ وعليهِ فإنَّ خطورة التكفير تكمن في تحويل الدين من منبع للطُمأنينة والمحبة إلى سلاح للتصفيَة المعنوية والجسدية؛ مما يتمخضُ عنه تفكيكُ النسيج الاجتماعي وإشاعة روح الكراهية؛ فالتكفيريُّ لا يرومُ البحث عن الحق؛ بل يبحثُ عن نصٍ يؤازرُ نزعته العنفية؛ وهذا ما نُسميه "العقل المُستقيل"؛ الذي يتخلى عن وظيفته في التدبُّر ليُصبح مجرد بوق لأيديولوجيا مغلقة؛ تُعطل لغة العقل لتفتح المجال للغة الدم.

الأنسنة والمقاصد: المنظور الإسلامي الرصين

في سياق الفكر الإسلامي الرصين؛ يتبوأُ العقلُ منزلةً ساميةً بوصفه الحرثَ الأولَ لقبول الوحي وفهمه؛ ولا سيما عند ابن رشد؛ الذي ربط بين الحكمة والشريعة ربطًا عضويًا؛ حيث جعل التفكير فريضةً شرعيةً لا تجوز مصادرتها أو تعطيلها؛ ويرفدُ هذا الطرحَ التجلي المقاصديُّ الذي أصَّل له الشاطبي؛ بتأكيده على حفظ "النفس" و"العقل" كأولويات قصوى ومقاصد عليا للشريعة؛ مما ينفي أي مشروعية لتكفيرٍ يُؤدي إلى استباحة الدماء أو ترويع الآمنين؛ فالإسلام في جوهره دعوة للاشتباك الوجودي مع هموم الإنسان؛ وعليهِ فإنَّ التفكير هو الفعل الذي يُؤمن بـ "أنسنة الدين" وتحويله إلى جسر للتواصل الإنساني الراقي بدلًا من أن يكون مقصلةً للعقول.

الحكمة المشرقية: جسور التسامح والجوهر الواحد

وفي سياق المقاربة الشرقية؛ تُقدم الصوفية الإسلامية؛ مُمثلةً في جلال الدين الرومي؛ نموذجًا فريدًا للتفكير الذي يتجاوز الثنائيات الضيقة (كفر / إيمان؛ نحن / هم)؛ حيث يُعدُّ القلبُ محرابًا للمعرفة التي لا تعرف التكفير؛ وتتسع لكل الخلائق؛ إنَّ هذه الروحانية تجعل من التفكير رحلةً للبحث عن "الجوهر الواحد" خلف "الأقنعة المتعددة"؛ مما يغرسُ بذور الوعي والحب في النفوس؛ ويُحوِّل الكلمات إلى جسورٍ للتواصل بدلًا من الجدران؛ فالحقيقة عند أهل العرفان كالمرآة المُهشمة؛ كل فردٍ يمتلكُ قطعةً منها؛ ولا أحد يمتلكها كاملةً؛ مما يستدعي التواضع المعرفي وقبول الآخر كشريك في رحلة البحث عن المعنى.

التركيب النقدي: نحو عقل متراحم والخلاصةُ التي ننتهي إليها ضمن تركيبنا النقدي الخاص؛ هي أنَّ الانتقال من التكفير إلى التفكير ليس مجرد ترفٍ فكري نُمارسه في الأبراج العاجية؛ بل هو ضرورةٌ وجوديةٌ لإنقاذ الإنسان المعاصر من عدميته ومن طوفان الكراهية الذي يُحيط به؛ إذ أرى أنَّ التكفير هو في جوهره "عجز عن فهم عظم الخالق في تنوع مخلوقاته"؛ ولذا فإنني أدعو إلى تبني منهج "العقل المُتراحم"؛ الذي يقرنُ الدقة المنطقية بالسعة الإنسانية؛ وبناء "هوية حبرية" لا تكتب لتُقصي أو لتُصدر أحكامًا بالإعدام الرمزي؛ بل لتحتوي وتؤازر الفعل التأسيسي للحقيقة؛ وبذلك نُعيد للفلسفة دورها بوصفها "خبز الحياة" وسبيل النجاة من ظلمات الجهل المُقدس.

***

أ.د. إحسان علي الحيدري - أستاذ فلسفة الدين والأخلاق

كلية الآداب / جامعة بغداد

في المثقف اليوم