أقلام فكرية

حمزة مولخنيف: الذات السردية في عصر المنصات.. تفكك الهوية أم إعادة تركيبها؟

في زمن تتقاطع فيه اللغة مع الخوارزمية وتتداخل فيه السيرة الذاتية مع منطق المنصّات، لم تعد الهوية معطى أنطولوجيا مستقرا، بل غدت بناءً سرديا هشا، يتشكّل داخل فضاءات رقمية تحكمها الرؤية أكثر مما يحكمها المعنى. فالذات المعاصرة لا تحيا قصتها في صمت داخلي، بل تُطالَب بأن تعرض نفسها باستمرار، وأن تحوّل تجربتها إلى محتوى، وذاكرتها إلى منشورات، ووجودها إلى حضور قابل للقياس.

من هنا ينهض سؤال الذات السردية بوصفه أحد أعقد أسئلة الفكر الراهن: هل تقودنا المنصّات إلى تفكك الهوية تحت وطأة التشتّت والتسارع، أم تفتح أفقا جديدا لإعادة تركيبها ضمن صيغ أكثر مرونة وتعدّدا؟ إن هذا السؤال لا يخص التقنية وحدها، بل يمسّ صميم علاقتنا بالزمن وباللغة وبالآخر وبأنفسنا.

يسعى هذا المقال إلى مساءلة تحوّلات الذات السردية في العصر الرقمي، من خلال تفكيك آليات الحكي المنصّاتي، وتحليل اقتصاد الانتباه، واستحضار الرهانات الفلسفية والأخلاقية لهذا التحوّل، قصد استكشاف إمكانات المعنى في عالم يتسارع فيه السرد، ويتقلّص فيه العمق.

ولم يعد سؤال الذات في الزمن الرقمي سؤالا أنطولوجيا خالصا كما كان في الفلسفة الكلاسيكية، ولا سيكولوجيا محضا كما في الحداثة، بل أضحى سؤالا تداوليا-سرديا، يتشكّل داخل فضاءات رقمية هجينة، حيث تختلط اللغة بالصورة والتمثيل بالعرض والحضور بالغياب. فالذات المعاصرة لا تُدرَك اليوم بوصفها جوهرا ثابتا أو مركزا وعيانيا مغلقا، بل باعتبارها بناءً سرديا متحوّلا، يتغذّى من تفاعلات المنصّات الرقمية، ويُعاد تشكيله باستمرار عبر أنظمة الخوارزميات وآليات الاعتراف واقتصاد الانتباه.

لقد كان بول ريكور من أوائل الفلاسفة الذين بلوروا مفهوم “الهوية السردية”، حيث ذهب إلى أن الذات لا تسبق قصتها، بل تتشكّل في أفقها، وأن الإنسان لا يوجد وجودا كاملاً إلا بقدر ما يحكي نفسه. فالهوية وفق هذا السياق، ليست معطى قبليا جاهزا، وإنما هي بناء تأويلي مركّب، يتوسط بين الثبات والتحوّل، بين ما سماه ريكور بالهوية المتماثلة (idem) التي تحيل على الاستمرارية الشكلية والتشابه، والهوية الذاتية (ipse) التي تعبّر عن القدرة على الالتزام والوفاء بالوعد عبر الزمن. غير أن هذا التصور المتكوّن في سياق سردي أدبي وتاريخي، يواجه اليوم منعطفا حاسما؛ إذ لم يعد السرد فعلا فرديا حرا، بل غدا ممارسة منصّاتية مؤطَّرة ببروتوكولات تقنية ومحكومة بخوارزميات خفية، ومنخرطة في منطق عرض دائم للذات، حيث تتحول الهوية من مشروع تأويلي إلى صورة متداولة، ومن تجربة وجودية إلى أداء رقمي مستمر.

إن المنصّات الرقمية لا تكتفي بإتاحة التعبير عن الذات، بل تعيد تعريف شروط إمكان هذا التعبير. فهي لا تستقبل السرد بوصفه تجربة داخلية، بل تحوّله إلى محتوى، وتُخضعه لمنطق القابلية للمشاركة والقياس والتداول. وهكذا تنتقل الذات من كونها موضوعا للتأمل إلى كونها مشروعا للعرض، ومن تجربة معيشة إلى ملف شخصي، ومن تاريخ داخلي إلى سلسلة منشورات قابلة للأرشفة والتقييم.

وهنا لا يعود السؤال: من أنا؟ بل يصبح: كيف أُرى؟ وكيف أُقرأ؟ وكيف تُستقبل حكايتي داخل اقتصاد الرؤية؟ وهنا يلتقي ريكور مع فوكو وغوفمان وحنة أرندت في نقطة مركزية: الذات لا تتكوّن في العزلة، بل في فضاء الظهور. غير أن فضاء الظهور اليوم لم يعد سياسيا بالمعنى الأرندي، ولا تفاعليا مباشرا كما عند غوفمان، بل أصبح فضاءً خوارزميا، تُعاد فيه صياغة العلاقات بين القول والتلقي وبين الحضور والتمثيل.

لقد نبّه ميشيل فوكو إلى أن الذات الحديثة ليست نتيجة وعي حر، بل ثمرة أنظمة خطابية وسلطوية تنتج “أشكال الذوات”. أما في العصر الرقمي فإن هذه السلطة لم تعد متمركزة في المؤسسات، بل موزّعة داخل الشبكات، متخفية في واجهات التطبيقات، وفي منطق الإعجاب، وفي سياسات المنصّات. نحن أمام ما يمكن تسميته بـ”السلطة الناعمة السردية”، حيث يُطلب من الفرد أن يحكي نفسه باستمرار، لا باعتباره فعل تحرّر، بل كشرط للاندماج الرقمي.

تتشكّل الذات السردية هنا داخل توتر عميق بين الرغبة في الاعتراف والخوف من الاختفاء. فالمنصّات تُكافئ الظهور وتعاقب الصمت. وهي بذلك تُنتج ذاتا قلقة، متعلّقة بالتفاعل مرتبطة بقيم رقمية (الإعجابات، المشاركات، المشاهدات)، حيث تُعيد تعريف معنى القيمة الذاتية. وكما يقول تشارلز تايلور، فإن الهوية الحديثة تقوم على “أفق الاعتراف”، غير أن هذا الأفق أصبح اليوم تقنيا، سريع التقلّب، هشا، تحكمه خوارزميات لا ترى الإنسان بل سلوكه. ومن هنا ينبثق السؤال الجوهري: هل تؤدي هذه الدينامية إلى تفكك الهوية أم إلى إعادة تركيبها؟.

إن أطروحة التفكك تجد سندها في أعمال زيغمونت باومان حول “الحداثة السائلة”، حيث تصبح الذات كيانا غير مستقر، متعدّد الوجوه، سريع التحوّل، بلا مركز ثابت. فالهوية الرقمية تسمح بتعدد الأقنعة، وبالانتقال السريع بين أدوار متباينة، مما يخلق ما يسميه شيري توركل “ذواتا موزّعة”. الفرد الواحد يمكن أن يكون مهنيا في لينكدإن، ساخرا في تويتر، عاطفيا في إنستغرام، وجوديا في فيسبوك. هذه التشظية لا تُنتج ثراءً بالضرورة، بل قد تفضي إلى تآكل الإحساس بالتماسك الداخلي.

غير أن القراءة المضادة ترى في هذا الوضع إمكانا لإعادة تركيب الهوية، لا بوصفها جوهرا واحدا، بل كنسيج من سرديات جزئية قابلة للتفاوض. فكما يذهب جيل دولوز، الذات ليست وحدة بل صيرورة، وليست مركزا بل عقدة علاقات. والمنصّات رغم طابعها الأداتي، تتيح إمكانات جديدة لتجريب الذات، وإعادة كتابة السيرة، وتجاوز الحدود التقليدية للجندر والثقافة والانتماء.

لكن هذا التفاؤل يصطدم بحقيقة أساسية: أن السرد الرقمي ليس حرا. إنه مُفلتر، مُرتّب، مُقيَّم. الخوارزمية تقترح ما يجب أن يُرى، وتُقصي ما لا يتوافق مع منطق الانتشار. وهكذا تُعاد صياغة الذوات وفق نماذج قابلة للتسويق. ما يُنتج في النهاية ليس ذاتا متفردة، بل أنماطا متكررة من الأداء السردي.

هنا يستعيد كلام أدورنو راهنيته: “الفردانية التي تنتجها الصناعة الثقافية هي فردانية زائفة”. فالمنصّات تُوهم بالاختلاف، لكنها تعمل على توحيد أشكال التعبير. حتى الاحتجاج نفسه يصبح قالبا جاهزا، وحتى الحميمية تُحوَّل إلى محتوى.

إن الذات السردية الرقمية تعيش داخل مفارقة مزدوجة: فهي مطالبة بأن تكون أصيلة، وفي الوقت نفسه قابلة للانتشار؛ أن تكون خاصة ولكن مرئية؛ أن تكون عميقة ولكن سريعة الاستهلاك. وهذه المفارقة تُنتج ما يمكن تسميته بـ”الإنهاك السردي”، حيث يتحوّل الفرد إلى مدير دائم لصورته، ومحرر مستمر لسيرته دون توقف.

ويزداد الأمر تعقيدا حين ندرك أن اللغة نفسها تغيّرت. فالسرد لم يعد نصيا فقط، بل أصبح هجينا: صورة، مقطع، رمز تعبيري، موسيقى خلفية. وهذا التحوّل يعيد تشكيل علاقة الذات بالمعنى. فالعمق يُستبدل بالكثافة البصرية، والتأمل يُزاحمه الإيقاع، والاستمرار تُقطعه اللحظة.

لقد كتب فالتر بنيامين عن “فقدان الهالة” في عصر الاستنساخ التقني، أما اليوم فنحن أمام فقدان الاستمرارية السردية. الذات تُجزّأ إلى لحظات، إلى قصص قصيرة، إلى منشورات عابرة. الزمن لم يعد تاريخا، بل تدفّقا.

ومع ذلك لا يمكن اختزال المشهد في تشاؤم صرف. فداخل هذه البنية المنصّاتية تظهر أيضا أشكال جديدة من التضامن السردي ومن بناء الجماعات الرمزية، ومن إعادة الاعتبار لتجارب مهمّشة. الذات الرقمية ليست فقط منتَجا خوارزميا، بل أيضا فاعلا يعيد توظيف الأدوات.

غير أن الرهان الحقيقي يظل فلسفيا: كيف يمكن للذات أن تستعيد قدرتها على السرد العميق داخل فضاء يُكافئ السطح؟ كيف يمكن للهوية أن تحافظ على وعدها الأخلاقي وسط اقتصاد الانتباه؟ كيف يمكن للإنسان أن يروي نفسه دون أن يتحوّل إلى سلعة؟.

هذه الأسئلة لا تُجاب تقنيا، بل أنطولوجيا وأخلاقيا. إنها تعيدنا إلى كانط حين ربط الكرامة بالغاية في ذاتها، وإلى هيدغر حين حذّر من سيطرة التقنية بوصفها نمطا للكشف، وإلى ريكور حين رأى في السرد أفقا للمصالحة بين الزمن والذات.

فالذات السردية في عصر المنصّات تقف اليوم عند مفترق طرق: إما أن تنحلّ في تدفّق الصور، أو أن تعيد اختراع معنى الحكاية بوصفها فعل مقاومة رمزية.

إذا كانت الذات السردية كما بلورها بول ريكور، تقوم على جدلية الزمن والحكي، وعلى إمكان المصالحة بين التشتّت التجريبي ووحدة المعنى، فإن المنصّات الرقمية تُدخل عنصرا ثالثا بالغ الخطورة في هذه المعادلة: اقتصاد الانتباه. فالسرد لم يعد مجرّد وسيلة لفهم الذات، بل أصبح أداة لجذب النظر واستبقاء المتابع وتوليد التفاعل. وهنا ينتقل الحكي من أفق التأويل إلى منطق التداول، ومن تجربة المعنى إلى هندسة التأثير.

اقتصاد الانتباه كما حلّله هربرت سيمون منذ السبعينيات، يقوم على مبدأ بسيط: في عالم فائض المعلومات، يصير الانتباه هو المورد النادر. غير أن المنصّات لم تكتفِ بإدارة هذا المورد، بل قامت بتسليعه. فالذات السردية تُقاس اليوم بمؤشرات رقمية، تُحوَّل إلى بيانات وتُدرج في نماذج تنبؤية. ولم يعد المهم ما يُقال، بل ما مدى قابليته للانتشار، ولا كيف يُعاش المعنى بل كيف يُستهلك.

تتحوّل الحكاية إلى أداء، والاعتراف إلى استراتيجية والحميمية إلى محتوى. إن ما كان يُعدّ في الفلسفة الحديثة مجالا للباطن والسريرة، أضحى اليوم مادة للعرض العمومي. وهنا يستعيد تحليل غي ديبور لـ«مجتمع الفرجة» راهنيته، إذ تصبح الحياة نفسها تمثيلا دائما، وتتحوّل الذات إلى صورة عن ذاتها.

غير أن ما يميّز عصر المنصّات عن مجتمع الفرجة الكلاسيكي هو أن الفرد لم يعد متلقيا سلبيا للصورة، بل منتجا نشطا لها. إنه يشارك في إعادة تشكيل ذاته وفق متطلبات السوق الرمزي. وهذا ما يجعل السيطرة أكثر تعقيدا: فالذات تستبطن منطق المنصّة، وتعيد إنتاجه طواعية.

تعمل الخوارزميات هنا بوصفها فاعلا تأويليا جديدا. فهي لا تكتفي بترتيب المحتوى، بل تعيد توجيه السرديات، وتُفضّل أنماطا معيّنة من التعبير وتقصي أخرى. إنها تقرّر بصمت ما يستحق الظهور. وبذلك تُمارس نوعا من “الهرمينوطيقا التقنية”، حيث يُعاد تفسير العالم وفق معايير التفاعل لا المعنى.

هذا الوضع يطرح إشكالا فلسفيا عميقا: من يملك سلطة التأويل اليوم؟ هل ما تزال الذات قادرة على امتلاك قصتها أم أن قصتها تُعاد كتابتها من الخارج؟.

لقد نبّه هيدغر إلى أن جوهر التقنية ليس تقنيا بل أنطولوجيا، لأنها تعيد تشكيل علاقتنا بالكشف والحقيقة. وفي المنصّات الرقمية لا تُكشف الذات كما هي، بل كما يمكن استثمارها. الحقيقة تُختزل في الأداء والوجود يُقاس بالحضور الرقمي. ومن هنا تنشأ ذات “مُدارة”، تُصاغ وفق منطق الرؤية المستمرة.

لكن هذه الإدارة لا تلغي تماما إمكان المقاومة. فالذات رغم خضوعها لشروط المنصّة، ما تزال تحتفظ بهوامش للانزلاق، للتأويل المضاد، لإعادة توظيف الأدوات. تظهر هنا أشكال من السرد البديل ومن الكتابة الهامشية، ومن بناء جماعات رمزية تتجاوز منطق السوق. غير أن هذه الإمكانات تظل هشة، لأنها تعمل داخل بنية لا تتحكم في قواعدها.

من زاوية أخلاقية، تطرح الذات السردية الرقمية سؤال المسؤولية. ففي عالم تتسارع فيه الحكايات، وتُختزل التجارب في لقطات، كيف يمكن الحفاظ على عمق الالتزام؟ كيف يمكن للإنسان أن يظل وفيا لوعده السردي كما يقول ريكور، وسط إغراءات التبديل المستمر للصور والهويات؟.

هنا يتقاطع التحليل الفلسفي مع النقد الثقافي. فالمنصّات تُنتج نمطا من الذات الاستهلاكية التي تعيش في الحاضر الدائم، بلا ذاكرة عميقة ولا أفق مستقبلي واضح. الزمن يُسطَّح، والتاريخ يُجزّأ، والهوية تُعاد صياغتها وفق منطق اللحظة. وهذا ما يجعل السرد يفقد قدرته على بناء المعنى الممتد.

وقد عبّر هارتموت روزا عن هذا الوضع بمفهوم «التسارع الاجتماعي»، حيث تتكاثف الخبرات دون أن تتحوّل إلى حكمة، وتتراكم الوقائع دون أن تُهضَم. فتصاب الذات بنوع من الصمم الوجودي، إذ لم تعد قادرة على الإنصات إلى نفسها. غير أنّ أخطر ما في الأمر ليس التشظّي في ذاته، بل تطبيعه؛ إذ تقدّم المنصّات التشتّت بوصفه حرية، وتعرض التعدّد على أنه تحرّر من الثبات. غير أنّ ما يُخفى هو أنّ هذا التعدّد غالبًا ما يكون موجَّهًا، وأن الحرية محكومة بإطارات جاهزة. وهكذا تغدو الذات أسيرة مفارقة قاسية: تُخيَّر بين أشكال محدودة من التعبير، ثم يُقال لها إنها اختارت.

إن الذات السردية الرقمية تعيش شكلا جديدا من الاغتراب، لا يتمثل في الانفصال عن العمل كما عند ماركس، بل في الانفصال عن العمق السردي. الإنسان يُغترب عن قصته، لأن قصته تُعاد صياغتها وفق متطلبات المنصّة.

ومع ذلك لا ينبغي السقوط في حنين ميتافيزيقي إلى ذات نقية لم توجد يوما. فالهوية كانت دائما بناءً اجتماعيا وسرديا. الجديد اليوم هو سرعة التحولات وهيمنة الوسائط وتحول التقنية إلى وسيط كوني للحكي.

من هنا تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في مفهوم الذات السردية، لا بوصفه معطى إنسانيا ثابتا، بل كحقل صراع بين قوى متعددة: التقنية، السوق، الثقافة، الأخلاق. الذات ليست ضحية محضة، ولا فاعلا مطلقا، بل كيانا تفاوضيا، يتشكّل داخل شبكة من العلاقات.

إن إعادة تركيب الهوية لا تعني العودة إلى وحدة صلبة، بل بناء تماسك تأويلي قادر على استيعاب التعدد دون الذوبان فيه. وهذا يتطلب استعادة بُعد البطء والتأمل والمسافة النقدية. فالذات لا تُبنى بالاستجابة الفورية، بل بالقدرة على تعليق الفعل وعلى مساءلة الصور وعلى كتابة الحكاية خارج إيقاع الخوارزمية.

هنا يمكن استحضار كانط مرة أخرى، حين ربط الحرية بالقدرة على التشريع الذاتي. فالذات السردية الحرة هي التي تضع قواعد حكيها، لا التي تكتفي بتكييف قصتها مع متطلبات الرؤية.

كما يمكن استلهام ليفيناس، الذي يرى أن الذات تتأسس أخلاقيا عبر علاقتها بالآخر، لا عبر تمركزها حول نفسها. والمنصّات رغم طابعها الفرداني، تتيح إمكانات للقاء، شرط ألا يُختزل الآخر إلى متابع أو رقم.

إن سؤال الذات السردية في عصر المنصّات ليس سؤالا تقنيا ولا سيكولوجيا فحسب، بل هو في عمقه سؤال أنطولوجي وأخلاقي. فنحن أمام تحوّل جذري في شروط تكوّن الهوية، حيث لم يعد الإنسان يحكي نفسه داخل زمن متصل، بل داخل فضاء متشظٍّ، تُدار فيه الحكايات عبر خوارزميات، وتُقاس فيه القيم بمعايير الرؤية.

لقد حاولنا قدر الإمكان والممكن أن نبيّن أن الذات الرقمية لا تتفكك بالضرورة ولا تُعاد تركيبها تلقائيا، بل تخضع لصيرورة مزدوجة: تفكك على مستوى العمق، وإعادة تركيب على مستوى العرض. إنها ذات تتكاثر صورها، بينما يتهدّد تماسك معناها.

فالمنصّات لا تُلغي الذات، لكنها تعيد تشكيلها وفق منطق الأداء، وتدفعها نحو نماذج جاهزة من السرد. الهوية تصبح مشروعا دائم التحديث، والحكاية تتحوّل إلى تدفّق، والوجود يُختزل في الحضور الرقمي. وتظل إمكانات المقاومة قائمة لا بوصفها خروجا من المنصّة، بل بوصفها إعادة تفاوض مع شروطها.

إن الرهان الحقيقي ليس في استعادة ذات ميتافيزيقية مفقودة، بل في بناء ذات تأويلية واعية، قادرة على إدراك آليات التشكيل، وعلى ممارسة مسافة نقدية من صورها. الذات السردية في العصر الرقمي تحتاج إلى فلسفة جديدة للبطء، وإلى أخلاقيات جديدة للحكي، وإلى وعي بأن السرد ليس مجرد تواصل بل فعل وجودي. فأن نحكي أنفسنا يعني أن نتحمل مسؤولية قصتنا وأن نمنح الزمن حقه، وأن نقاوم اختزال المعنى في التفاعل. وحدها الذات التي تستعيد قدرتها على الصمت وعلى التأمل وعلى الإنصات الداخلي، تستطيع أن تحوّل المنصّات من فضاءات استهلاك إلى فضاءات معنى.

وبذلك، لا يكون السؤال: هل تفككت الهوية أم أُعيد تركيبها؟ بل: أي نوع من التركيب نريد؟ هل نرضى بذات قابلة للتسويق، أم نسعى إلى ذات قادرة على الوفاء لوعدها السردي؟.

وتبقى الذات السردية مشروعا مفتوحا، يتأرجح بين الإغواء التقني والنداء الأخلاقي، بين تسارع الصور وبطء المعنى. وما لم يستعد الإنسان حقه في الحكاية العميقة، سيظل يروي نفسه بلغة لا تخصّه.

***

د. حمزة مولخنيف

في المثقف اليوم