أقلام فكرية
غالب المسعودي: الوعي البشري.. من التعقيد العصبوني إلى الأفق الكمومي
يمثل الوعي البشري أحد أكثر الألغاز استعصاءً في تاريخ العلم والبحث المعرفي، فهو تلك الظاهرة الفريدة التي تمنح الكائن البشري القدرة على إدراك ذاته وعالمه المحيط، محولاً النبضات الكهربائية الصامتة والتفاعلات الكيميائية الدقيقة في أنسجة الدماغ إلى خبرة ذاتية حية تفيض بالمشاعر والألوان والأفكار. إن البحث في ماهية الوعي يتطلب تجاوز الوصف السطحي لليقظة والانتباه للغوص في أعماق التفاعلات الوظيفية والعصبية المعقدة، ومناقشة الفرضيات الجدلية التي ترى أن الوعي قد لا يكون مجرد إفراز مادي للدماغ، بل قد يمتد إلى مجالات طاقية أو عمليات كمومية مجهرية تحكمها قوانين فيزياء الجسيمات. الهدف هو تقديم رؤية حول مقر الوعي، وآليات عمله، ومدى ارتباطه بفيزياء الكم، مستنداً إلى أحدث ما توصلت إليه المختبرات العالمية.
المفهوم الجوهري للوعي وتصنيفاته العلمية
يُعرف الوعي من منظور العلوم العصبية الحديثة بأنه القدرة الفائقة على دمج المعلومات الحسية المتدفقة مع مخزون الذاكرة وصبغة العواطف، لخلق وحدة إدراكية متكاملة نطلق عليها "الخبرة الذاتية". هذا الإدراك ليس حالة جامدة أو بسيطة، بل هو طيف ممتد من العمليات التي تتدرج في التعقيد. تاريخياً، ساد الاعتقاد بأن الوعي سمة بشرية حصرية مرتبطة باللغة والتفكير المجرد، إلا أن القفزات العلمية في علم الأعصاب المقارن أثبتت وجود استمرارية تطورية تربط البشر بأنواع أخرى عبر ركائز عصبية مشتركة، مما يعني أن الوعي ليس قفزة فجائية في التاريخ الطبيعي، بل هو ارتقاء في نظم معالجة المعلومات.
مستويات الوعي والارتقاء الإدراكي
تميز الأبحاث الفيزيولوجية العصبية بين نوعين أساسيين من الوعي لضمان دقة التحليل البحثي:
الوعي الأولي أو الظاهري: وهو الخبرة اللحظية المباشرة بالأحاسيس والمشاعر، كالقدرة على الشعور بالضوء أو الألم أو الجوع. هذا النوع موجود لدى البشر والعديد من الثدييات والطيور، ويرتكز على دوائر عصبية عميقة مشتركة تطورياً مثل النوى المهادية والأنظمة العاطفية القابعة تحت القشرة المخية.
الوعي من المرتبة الثانية أو الوعي العالي: ويتضمن بناء نموذج مستمر للذات عبر الزمن، والقدرة على استحضار الماضي وتخيل سيناريوهات المستقبل. هذا الوعي "السيرة-ذاتي" يرتبط في الغالب بالإنسان، وبدرجة أقل ببعض الكائنات ذات القشور المخية المعقدة كالرئيسيات العليا والدلافين، وهو الذي يسمح بنشوء الثقافة والحضارة والتأمل الفلسفي.
التموضع التشريحي للوعي
ظل السؤال عن موقع الوعي في الدماغ البشري محط نزاع علمي مرير لعقود. كانت النظرية السائدة، المعروفة بنظرية "حيز العمل العصبي العالمي"، تقترح أن الوعي ينشأ عندما تمر المعلومات بعملية "اشتعال" عصبي في الشبكات الجبهية-الجدارية، مما يجعل تلك المعلومات متاحة لبقية أجزاء الدماغ. وفقاً لهذه الرؤية، كانت الفصوص الجبهية تُعتبر المحرك الأساسي والوحيد للوعي نظراً لدورها القيادي في الوظائف المعرفية العليا.
إلا أن دراسة عالمية كبرى حديثة، استخدمت قياسات فائقة الدقة للنشاط الكهربائي والمغناطيسي، توصلت إلى نتائج قلبت هذا المفهوم رأساً على عقب. أظهرت الأدلة أن العلامات العصبية الجوهرية للوعي تتركز بشكل قاطع في "المناطق الحسية الخلفية" من القشرة المخية، وهي المناطق المسؤولة عن معالجة الرؤية والسمع واللمس. بينما تبين أن الفصوص الجبهية، رغم أهميتها القصوى للذكاء والمنطق واتخاذ القرار، قد لا تشارك بشكل مباشر في خلق الإدراك الحسي الواعي، بل تعمل كمنسق للمخرجات التي ينتجها الجزء الخلفي من الدماغ.
البنى الدماغية الحرجة والمحورية
بالإضافة إلى المناطق القشرية، حدد العلماء بنى تحت قشرية تعمل كمفاتيح سيادية للوعي:
المهاد والبوابة المهادية: يُعد المهاد "المحطة المركزية" لكل المدخلات الحسية. تلعب النواة الشبكية المهادية دوراً محورياً في تنظيم تدفق المعلومات والمزامنة الترددية بين المهاد والقشرة، وهي عملية ضرورية للانتباه الانتقائي. أي إصابة طفيفة في هذه النواة قد تؤدي إلى انهيار كامل في الوعي والدخول في غيبوبة.
العائق (الجدار): وهو منطقة رفيعة جداً من المادة الرمادية تقع في عمق الدماغ. بفضل تقنيات التصوير ثلاثي الأبعاد، اكتشف العلماء عصبونات في العائق تلتف حول محيط الدماغ بالكامل مثل "إكليل عصبي"، مما دفع بالباحثين لاعتباره "مقعد الوعي" أو المايسترو الذي يربط المعلومات المشتتة في فصوص الدماغ المختلفة لتكوين تجربة، واعية، واحدة، وموحدة.
جذع الدماغ: يمثل المولد الكهربائي لليقظة؛ فهو الذي يضخ الطاقة الحيوية والتنبيه اللازم للقشرة لكي تصبح قادرة على معالجة الوعي. بدون هذا "المحرك"، تظل القشرة في حالة سكون تام.
صراع المادة والطاقة
يثير السؤال عن حدود الوعي المكانية نقاشاً حاداً بين التوجهات المادية التقليدية والنظريات الحديثة التي تقترح وجود أبعاد غير مادية أو طاقية للوعي.
الرؤية المادية واللاوعي
ترى الرؤية العلمية الكلاسيكية أن الوعي هو نتاج حصري وميكانيكي للنشاط العصبي. وفقاً لهذا المنظور، فإن الخلايا والنبضات هي التي تولد الإدراك، والوعي ينتهي تماماً بتوقف الوظائف الحيوية. وفي هذا السياق، يبرز دور "اللاوعي" الذي يدير حوالي 95% من حياتنا اليومية، حيث يعمل العقل الباطن باستمرار لتسجيل الأحداث وحل المشكلات المعقدة وإدارة العادات والغرائز دون الحاجة لتدخل الوعي المباشر، مما يطرح تساؤلاً: إذا كان الدماغ قادراً على فعل كل شيء تقريباً بلا وعي، فما هي الوظيفة التطورية للوعي نفسه؟
الوعي كمجال كهرومغناطيسي
في المقابل، تقدم نظرية "مجال المعلومات الكهرومغناطيسية الواعية" طرحاً ثورياً يقترح أن الوعي لا يقع في المادة الدماغية الكثيفة (الخلايا) ذاتها، بل في الطاقة الناتجة عن النبضات الكهربائية المشتركة. الوعي هنا هو "تجربة المجال" التي تتصل بالدماغ لتوجيه الإرادة الحرة. هذا المنظور يطرح ازدواجية حديثة قائمة على التمييز بين "المادة والطاقة" بدلاً من التقابل القديم بين المادة والروح"."
الدماغ كمرشح وليس كمنتج
تذهب بعض النظريات الطبية المعتمدة على دراسات الحالات الحرجة إلى أن الدماغ قد يعمل بمثابة "مستقبل" للوعي وليس منتجاً له، تماماً كما يستقبل جهاز المذياع موجات البث من الخارج دون أن يكون هو مصدر الموسيقى. تستند هذه الفرضية إلى تجارب الاقتراب من الموت، حيث سجل مرضى إدراكاً واعياً وتفاصيل دقيقة عما حدث لهم أثناء توقف وظائف الدماغ والقلب تماماً، مما يوحي بأن الوعي قد يكون كياناً مستقلاً يعمل "خارج نطاق المادة" في ظروف قصوى.
العمليات الكمومية في إنتاج الوعي
من أكثر النظريات جرأة وإثارة للجدل هي تلك التي تربط الوعي بفيزياء الكم. تقترح هذه النظرية أن الوعي ليس نتاجاً لاتصالات المشابك العصبية الكيميائية التقليدية فحسب، بل هو ظاهرة ميكانيكية كمومية تنشأ من داخل البنى المجهرية للعصبونات.
النيببات الدقيقة وميكانيكا الكم
توجد داخل كل خلية عصبية هياكل أنبوبية مجهرية تسمى "النيببات الدقيقة"، وهي جزء من الهيكل الخلوي الذي يحافظ على شكل الخلية وينقل المواد داخلها. حسب هذه الرؤية، تعمل هذه الأنابيب كأجهزة حاسوب كمومية فائقة:
الوحدات الكمومية الحيوية: تعمل بروتينات معينة داخل هذه الأنابيب كأطراف لمعالجة المعلومات، حيث يمكن للبروتين الواحد أن يتواجد في حالة "تراكب كمومي" (أي في أكثر من وضعية في وقت واحد)، مما يضاعف القدرة الحسابية للدماغ بشكل هائل.
التشابك الكمومي الشامل: تسمح هذه الآلية بربط أجزاء واسعة من الدماغ بشكل فوري وتزامني، مما يفسر "وحدة الوعي"؛ أي كيف نرى ونسمع ونشعر في آن واحد ككتلة إدراكية واحدة لا تتجزأ.
انهيار دالة الموجة واللحظة الواعية: يحدث الوعي، وفقاً لهذه النظرية، عند انهيار هذه الحالة الكمومية نتيجة عتبة مرتبطة بالجاذبية الكمومية. هذا الانهيار المتكرر (بمعدل عشرات المرات في الثانية) هو الذي يولد "نبضات الوعي" التي نختبرها كتدفق مستمر للزمن.
رغم الانتقادات التقليدية التي تدعي أن الدماغ بيئة حارة ورطبة لا تسمح باستقرار العمليات الكمومية، إلا أن تجارب رائدة نُشرت في نهاية عام 2024 أثبتت أن البنى المجهرية في أدمغة الكائنات الحية تُجري عمليات لا تخضع للفيزياء التقليدية، بل تظهر سلوكيات كمومية واضحة، مما يعزز فرضية أن الوعي هو تجلٍ لقوانين الكون العميقة.
التفرد البشري
رغم وجود الوعي الأولي لدى العديد من الكائنات، إلا أن الوعي البشري يمتاز بخصائص نيرو فيسيولوجية فريدة تمنحه عمقاً استثنائياً. هذا التفرد ليس مجرد زيادة في عدد الخلايا، بل هو نتيجة لتعقيد نوعي في البنية المجهرية والاتصالية.
العصبونات الهرمية المتطورة
تعتبر العصبونات الهرمية في القشرة المخية هي الوحدات الأساسية للتكامل المعلوماتي. أظهرت المقارنات المجهرية أن العصبونات البشرية تمتلك تفرعات شجيرية (أذرع استقبال) أطول وأكثر تعقيداً بثلاثة أضعاف من تلك الموجودة في أقرب الكائنات إلينا كالشمبانزي. هذا التعقيد يسمح لكل خلية بشرية واحدة بدمج كميات هائلة من المدخلات، مما يرفع من قيمة "المعلومات المتكاملة" التي هي حجر الزاوية في الوعي الرفيع.
خلايا فون إيكونومو والذكاء الاجتماعي
يمتلك البشر كثافة عالية جداً من هذه الخلايا المغزلية التي تتركز في مناطق الوعي العاطفي والاجتماعي. تعمل هذه الخلايا كـ "طرق سريعة" لنقل المعلومات عبر الدماغ بسرعة مذهلة، وهي التي تمنح الإنسان القدرة على الحدس السريع والتعاطف الاجتماعي المعقد وفهم نيات الآخرين. إن تنكس هذه الخلايا في بعض الأمراض العصبية يؤدي إلى فقدان جوهر الشخصية والقدرة على التواصل الإنساني.
شبكة الوضع الافتراضي وتأخر النضج
تمتاز القشرة الجبهية في البشر باتصالات فائقة تشكل جزءاً رئيساً من "شبكة الوضع الافتراضي" التي تنشط أثناء التأمل الذاتي وأحلام اليقظة. هذه الشبكة هي المسرح الداخلي الذي يبني فيه الإنسان قصته الشخصية وهويته. كما يلعب "تأخر النضج القشري" دوراً حاسماً؛ فبينما يكتمل نمو أدمغة الكائنات الأخرى بسرعة، يستمر الدماغ البشري في حالة ليونة ونمو حتى سن الخامسة وما بعدها، مما يسمح للغة والتربية والبيئة الثقافية بالمساهمة في "برمجة" الوعي وتطويره بشكل فريد.
الوعي والمشكلة الصعبة
رغم كل الاكتشافات حول المناطق الدماغية والعمليات الكمومية، لا تزال هناك "فجوة تفسيرية" هائلة يطلق عليها الفلاسفة والعلماء "المشكلة الصعبة للوعي". فالعلم اليوم قادر على وصف النشاط العصبي وتصويره، وفهم كيفية انتقال الإشارات من العين إلى الدماغ، لكنه لم يستطع بعد تفسير كيف تتحول تلك الأنشطة المادية إلى "إحساس ذاتي داخلي". لماذا نختبر الألم كشعور ذاتي مزعج وليس مجرد رقم أو نبضة كهربائية في نظام آلي؟ ولماذا لا تمتلك أجهزة الحاسوب الفائقة، رغم قدرتها المعالجة الهائلة، أي تجربة ذاتية أو شعور بالوجود؟
تشير بعض الأبحاث المعاصرة إلى أن الوعي قد يكون "توقعاً منضبطاً" يقوم به الدماغ للتنبؤ بالواقع، حيث يحسب الجسم أفضل احتمال بناءً على الحواس وتجارب الماضي. ووفقاً لنظرية "المعلومات المتكاملة"، فإن الوعي يتناسب طردياً مع قدرة النظام على دمج المعلومات بطريقة لا يمكن تقسيمها إلى أجزاء مستقلة، مما يعني أن الوعي قد يكون خاصية جوهرية للكون تظهر بوضوح في الأنظمة ذات التعقيد الشبكي الفائق كدماغ الإنسان.
الاستنتاجات والتطلعات المستقبلية
إن الوعي البشري هو حصيلة تآزر معقد ومذهل يمتد من المستوى الذري الكمومي إلى مستوى الشبكات العصبية الكبرى. وبناءً على التحليل الشامل للمعطيات، يمكن استخلاص النتائج التالية:
الموقع الديناميكي: الوعي ليس محصوراً في مركز واحد ثابت، بل هو عملية "اشتعال" وتكامل تحدث في المناطق القشرية الخلفية بالتنسيق مع المهاد والعائق، ثم تتم معالجتها منطقياً في الفصوص الجبهية.
الآلية الكمومية: تزداد الأدلة التي تشير إلى أن الوعي يستفيد من ظواهر فيزيائية متطورة (كالتراكب والتشابك) تحدث داخل النيببات الدقيقة، مما يمنح الدماغ قدرات معالجة تتجاوز حدود الفيزياء الكلاسيكية والذكاء الاصطناعي الحالي.
التمايز البشري: يمتاز الإنسان بتعقيد خلوي فريد وليونة نمائية سمحت لنشوء وعي "المرتبة الثانية" الذي مكنه من التساؤل عن أصل وجوده.
يتحرك العلم اليوم نحو عصر جديد من "الفيزياء الحيوية الكمومية" التي قد تقدم في النهاية الحل للغز الوجود الأكبر: كيف تدرك المادة نفسها في هذا الكون الواسع؟ إن فهم الوعي ليس مجرد بحث أكاديمي، بل هو ضرورة حتمية لتطوير علاجات للأمراض النفسية والعصبية، ولرسم حدود العلاقة المستقبلية بين العقل البشري والذكاء الاصطناعي، ولإدراك مكانتنا الحقيقية في نسيج الواقع.
***
غالب المسعودي
..........................
References
Penrose, R. (1989). The Emperor's New Mind: Concerning Computers, Minds, and the Laws of Physics. (“The emperor's new mind: concerning computers, minds, and the laws of ...”) Oxford University Press.
Hameroff, S., & Penrose, R. (2014). "Consciousness in the universe: A review of the ‘Orch OR’ theory". (“Consciousness in the universe: a review of the 'Orch OR' theory.”) Physics of Life Reviews, 11(1), 39-78.
Tononi, G. (2012). "Integrated information theory of consciousness: an updated account". Archives Italiennes de Biologie, 150(2/3), 56-90.
Dehaene, S. (2014). "Consciousness and the Brain: Deciphering How the Brain Codes Our Thoughts." (“(PDF) Consciousness and the brain: deciphering how the brain codes our ...”) (“Consciousness and the brain: Deciphering how the brain codes our thoughts.”) Penguin Books.
Koch, C. (2019). The Feeling of Life Itself: Why Consciousness Is Widespread but Can't. (“The Feeling of Life Itself: Why Consciousness Is Widespread ... - Amazon”) (“The Feeling of Life Itself: Why Consciousness Is Widespread ... - Amazon”) MIT Press.
Crick, F. C., & Koch, C. (2005). "What is the function of the claustrum?". Philosophical Transactions of the Royal Society B: Biological Sciences, 360(1458), 1271-1279. (“What is the function of the claustrum?”)
McFadden, J. (2020). "Integrating information in the brain's EM field: the cemi field theory of consciousness". (“(PDF) Integrating information in the brain’s EM field: the cemi field ...”) Neuroscience of Consciousness, 2020(1).






