أقلام فكرية

محمود محمد علي: نور القاهرة والحسن بن الهيثم

في ندوة علمية دعيت إليها في الثالث من هذا الشهر وهي بعنوان " نور القاهرة والحسن بن الهيثم"، وكان يحاضر في هذه الندوة معي كل من: الدكتورة يمنى طريف الخولي والدكتور حسين على وكان يترأس الجلسة الدكتور مصطفي النشار واستهلت الدكتور يمنى طريف الخولي حديثها عن مكانة ابن الهيثم في تاريخ والدور القوي الذي لعبه في نقل العلم لعصر النهضة والحضور القوي الذي لعبه ابن الهيثم في القرن التاسع عشر في الغرب، بينما آثر الدكتور حسين علي الحديث عن التفكير العلمي عند ابن الهيثم وبراعته في المنهج الاستقرائي القائم على دمج التجربة والرياضيات في بوتقة واحدة.

ثم جاء دوري في الندوة لأقول لهما: إذا كان الحسن بن الهيثم أول من عرفته أوروبا باسم الهَازِن، وأعلت من قيمة بحوثه العلمية، وأشادت بنظرياته ومناهجه، وقد خلد كتابه المناظر اسمه عبر القرون، وظل المرجع المعتمد في الغرب حتى القرن السابع عشر. وقد أطلق العلماء عليه ألقابا عديدة منها: أمير النور، وأبو الفيزياء الحديثة ومؤسس علم البصريات ورائد المنهج العلمي التجريبي، كما وصف بأنه كان سباقا في الأخذ بالمنهج التجريبي، وبقيمة التجربة باعتبارها سبيلاً لا بديل عنه لإدراك حقائق العالم الطبيعي، ومراعاته لضرورة استعمال الرياضيات في البحث في الطبيعة، كما كان سباقا لنيوتن إلى الفكرة الميكانيكية التي علل بها نيوتن انعكاس الضوء، وأنه من علماء الطبيعة النظريين الممتازين، وله نظرية في الإبصار ألف على أساسها كتابه " المناظر"، وله أفكارة العلمية في قوس قزح والهالة والانعكاس والانعطاف، كما أن له بحوثا كثيرة في الهندسة المستوية والفراغية، علاوة على أنه كان وراء الجمع بين العلوم الطبيعية والعلوم التعليمية، وأثبت بطلان الفكرة التي كانت سائدة بأن العين هي مصدر الضوء، وأكد أنها مُستقبل الضوء، وعُدّ ذلك أحد الاكتشافات الثورية في العصور الوسطى. كما توصل إلى أن الضوء يسير دائما بخط مستقيم، وحين يعبر ثقبا صغيرا، يشكل صورة مقلوبة على الجدار المقابل، وكان أول من قال إن الثقب كلما كان أصغر تبدو الصورة أوضح. كما وضع ارهاصات لنظرية جديدة للإبصار، واستخدمت المعلومات التي كونها في صنع أول كاميرا في التاريخ، وهي "الكاميرا الثقبية" أو "الحجرة المظلمة" التي فسر لأول مرة استخدامها في ملاحظة كسوف الشمس. فلماذا لم يصل إلى نفس المرتبة التي وصل إليها علماء مثل جاليليو ونيوتن على سبيل المثال لا الحصر؟

أتصور أن بداية الإجابة ترتبط بمدى التغير الجذري الذي يمارس به العالم دوره في الحياة العلمية في عصره، ومدى الأثر العميق الذي يحدثه في مجرى الحياة العلمية التي ينتسب إليها، من حيث قدرته على خلخلة الثوابت الجامدة وزعزعت الأفكار السائدة، وتأسيس نوع من الانقطاع الابستمولوجى بين المعارف القديمة من جانب، والمعارف الجديدة من جانب آخر، مستهلاًُ الجديد الجذري الذي يطرح سؤال المستقبل بقوة على العلم، نفياً لتقاليد الأتباع وتأسيساً لقيم الابتداع.

وتتجسد في حضور هذا النوع من العلماء نقاط التحول الحاسمة في تاريخ العلم، حيث " لا توجد استمرارية في منهجية العالم، بقدر ما توجد قطائع واستحداثات لا تنتهى".. هذا النوع من العلماء يهب على مجتمعه بما يشبه العاصفة الجائحة التي تتغلل في كل الأركان، فلا تبقى شيئاً على حاله الذى كان عليه، حتى في دائرة القوى والتيارات المناقضة والمناوئة للتحول والتغير. فحدة العاصفة التجديدية التي تندفع بها رؤية هذا العالم حيث لا تقل عن الاتساع الممتد لتجلياتها، والأثر العميق لمتولياتها، والتغلغل الناتج لنوافذها؛ خصوصاً إذا كانت اللحظة التاريخية مهيأة للتغير الجذري، دافعة إليه ومتجسدة فى الرؤية الشاملة للعالم، ومتحققة بها في الوقت نفسه.

عندئذ يكون الأثر التجديدي لإنجاز هذا العالم شبيها بالزلزال، الذي يحدث تأثيراً جذرياَ فى صميم بنية العلم السائدة، وتكون حدة الاستجابات المتعارضة لهذا الإنجاز التجديدى في تتابعه المتصل أو تصاعده المستمر، متوازية مع عمق الأثر الذى يتركه في مجالات فلسفية كثيرة، تصل بين دوائر عديدة تشمل المجتمع بأسره.

وبقدر عمق الأثر الذي يحدثه هذا الإنجاز من حيث جذريته ونفاذ تأثيره إلى صميم الأنساق، والأنظمة، والعلاقات في بنية العلم السائدة، يظل هذا العالم حياً في الذاكرة العامة، باقياً كالعنصر المستفز للوعي، مثيراً للأسئلة التي لا يتوقف ما يتولد عنها من أسئلة على امتداد العقود، والتي لا تكف عن وضع هذا العالم موضع المسألة بالقدر الذي لا تكف به عن إعادة قراءة إنجازاته وتأويلها، أو تفسيرها بما يتيح نوعاً جديداً من الأجوبة الفلسفية التي لم تخطر ببال أحد.

وقد كان " جاليليو" على سبيل المثال واحدا ً من هؤلاء العلماء ذوى الحضور العاصف الذي أقام الدنيا ولم يقعدها مرات ومرات، وذلك حين أكد مادية الأجرام السماوية، وقضى على تصور تقسيم الكون إلى العالم الروحاني العلوي والعالم السفلى المادي الفاسد. بل وخرج بنظرية كوبرنيقوس من حيز الرياضيات إلى حيز الوجود الطبيعي، ثبتها تجريبياً من خلال تلسكوبه الفلكي الذي اكتشف به عدداً من النجوم وهضاب القمر ووديانه. ولقد أهتم جاليليو بالبحث عن العلاقات التى تربط بين الظواهر وترك جانباً البحث عن المبادئ والأسباب الميتافيزيقية التي استحوذت على الفكر القديم، وبذلك أحدث قطيعة معرفية بين الفكر القديم والفكر الجديد، قطيعة لم يعد من الممكن بعدها العودة إلى أساليب التفكير القديمة والتصورات الأرسطية والوسطوية التي كانت تشكل أساس العلم والمعرفة ؛ لذلك ظلت اطروحات جاليليو أكثر جذرية وحدية من اطروحات غيره، كما ظلت أعمق تأثيراً وأكثر قدرة على الإثارة.

ولأن هذه الأطروحات شغلت بأسئلة المستقبل، وطرحت على نفسها أسئلة العهد الجديد التى استبدلتها بأسئلة العهد القديم، فإنها ظلت عنصراً تأسيسياً من عناصر العهد الآتي والمقبل الذى هو صيرورة دائمة من التحول، كما ظل محل رعاية من الأزمنة اللاحقة التى تطلعت إليها هذه الأطروحات، تطلع الاستشراف والترقب والإرهاص والبشارة والتحذير فى آن واحد، وذلك هو السر فى تعدد الاستجابات اللاحقة إلى إنجازات " جاليليو " سواء فى تباينها أو تعارضها أو تصارعها الذي يكشف عن عمق الإشكاليات التي تنطوي عليها الاطروحات أو تثيرها.

وهذا هو السبب الذي جعل معظم مؤرخي العلم يربطون اسم جاليليو بأحداث هامة فى تاريخ العلم الحديث، فنرى اسمه، يرتبط بولادة العلم الحديث، والثورة الكوبرنيقية، والإطاحة ببعض النظريات الأرسطية التى طغت على العلم قروناً طويلة، ونرى جاليليو يرتبط اسمه كذلك بمبدأ الكفاح ضد أي سلطة تقف فى وجه العلم ومسيرته.

وقد كان الحسن بن الهيثم مثل جاليليو، متمرداً على القديم الجامد الذي يفرض منطق الأتباع، بدليل أن بحوثه العلمية تؤكد أنه كان يبحث فى مشكلات وقضايا علمية أظهرت نتائج خاطئة فى الوقت الذي تكشف فيه تلك البحوث أنه بحث منذ سنوات خلت فى المسائل ذاتها ووصل إلى نتائج صائبة بشأنها، بدليل أن الحسن بن الهيثم قد نجح وهو بمصر في تطوير علم البصريات بشكل جذري حين برهن رياضيا وهندسيا علي أن العين تبصر وتري بواسطة انعكاس الإشاعات من الأشياء المبصرة علي العين وليس بواسطة شعاع ينبثق من العين إلى الأشياء. وبذلك أبطل ابن الهيثم النظرية اليونانية لكل من أقليدس وبطليموس، التي كانت تقول بأن الرؤية تحصل من انبعاث شعاع ضوئي من العين إلى الجسم المرئي

كذلك برهن ابن الهيثم رياضيا وهندسيا علي كيفية النظر بالعينين معا إلى الأشياء في آن واحد دون أن يحدث ازدواج في الرؤية برؤية الشيء شيئين، وعلل ابن الهيثم ذلك بأن صورتي الشيء المرئي تتطابقان علي شبكية العينين وقد وضع ابن الهيثم بهذه البرهنة وذلك التعليل الأساس الأول لما يعرف الآن باسم الاستريسكوب. وكان ابن الهيثم أول من درس العين دراسة علمية وعرف أجزاءها وتشريحها ورسمها.   وأول من أطلق علي أجزاء العين أسماء آخذها الغرب بنطقها أو ترجمها إلى لغاته ومن هذه الأسماء: القرنية (Cornea)، والشبكية (Retina)، والسائل الزجاجي (Viteous Humour)، والسائل المائي (Aqueous Humour).

ومن هذه الإنجازات عد أول من أجرى تجارب بواسطة آلة الثقب أو البيت المظلم أو الخزانة المظلمة واكتشف منها أن صورة الشيء تظهر مقلوبة داخل هذه الخزانة فمهد بهذا الطريق إلى ابتكار آلة التصوير وبهذه الفكرة وتلك التجارب سيق ابن الهيثم العالمين الإيطاليين " ليوناردو دوفنشى " " ودلا بورتا " بخمسة قرون. ووضع ابن الهيثم ولاول مرة قوانيين الانعكاس والانعطاف في علم الضوء وعلل لانكسار الضوء في مساره وهو الانكسار الذي يحدث عن طريق وسائط كالماء والزجاج والهواء فسبق ابن الهيثم بما قاله العالم الإنجليزي نيوتن.

ومن يطلع على كتاب المناظر والموضوعات التي تتعلق بالضوء وما إليه، يخرج بأن "ابن الهيثم" قد طبع علم الضوء بطابع جديد لم يسبق إليه.

ومن جهة أخرى فقد أخذ ابن الهيثم في بحوثه بالاستقراء وأخذ بالقياس، وعني في بعضها بالتمثيل، وأخذ بهذه العناصر على المنوال المتبع في البحوث الحديثة، وجعلها في منازلها النسبية التي تراعى في الوقت الحاضر، وهو في ذلك لم يسبق " بيكون" إلى طريقته الحديثة والتي تعرف بالطريقة البيكونية" فحسب، بل سما عليه سموا وكان أوسع منه أفقا وأعمق منه تفكيرا. وإن لم يعن كما عنى بيكون بالتفلسف النظري وبتأليف المؤلفات التي يعرض فيها الآراء النظرية في طرق البحث ويلزم العلماء بها إلزاما، فحسبه أنه اتبع الطريقة الصحيحة في بحوثه وجرى عليها عملا وفعلا، وأن الأمر جاء منه على بينة وروية وإمعان فكر وحسن تقدير.

وليس من الضروري أن أقوم بتعديد بقية إنجازات الحسن بن الهيثم فى باقي فروع المعرفة، كما أنني لست فى حاجة أيضاً إلى تأكيد تعدد أدواره فى بحوثه العلمية فى العلوم الأخرى، فكل ذلك تأكيداً للأثر الجذري الذي يصله بأبناء جيله.

ومع ذلك فإن تقييم عبقرية الحسن بن الهيثم أصعب بكثير من تقييم عبقرية جاليليو، ولعل مرد ذلك يرجع إلى عدة أسباب من أهمها على سبيل المثال لا الحصر:

السبب الأول: ليس في كتابات الحسن بن الهيثم علماً جديداً يصل لمرتبة الجذرية بالمعني الحديث من ما يسمى بالقطيعة المعرفية، بل كانت كتاباته حسب ما ذكره مؤرخيه من الغربيين تعكس أفكاراً علمية كانت شائعة عند من سبقه، حيث إن مباحثه الهامة قد جاء ذكرها غير مفصل أخص بالذكر من ذلك مباحثه في تعيين نقاط الانعكاس ونظريته في الابصار، وهي جميعا من المباحث التي لا يغني فيها البحث عن التفصيل. فموضوع نقطة الانعكاس هو في ذاته معقد، يتضمن غير قليل من النظريات الهندسية العويصة يتداخل ويتشابك بعضها والآخر. ونظريته في الابصار نشأت في ظروف كانت الآراء فيها متناقضة والمذاهب متباينة، وقادة الفكر من فلاسفة وعلماء منقسمون، لكل فريق أدلة يستدل بها على صواب رأيه وبطلان رأي من يعارضه، ويحتاج الأمر فيها لا إلى مجرد شرحها فحسب بل إلى تبيان مثل هذه الأمور أيضا، وتبيان مدى نجاحها في تحقيق الغاية التي أرادها منها.

السبب الثاني: أن أغلب بحوثه ودراساته العلمية والفلسفية تعد مخطوطات لم تخرج أغلبها للنور بعد، علاوة على ان تلك المخطوطات مثل المناظر لم تسلم من شائبات. ففي بعض المواضع التي ورد فيها القول مرسلا تكرار أو إسهاب يخرجه عن المألوف لدينا الآن. والمواضع التي وردت فيها البراهين والبحوث الهندسية قد تسرب الخطأ إلى بعضها إن لم نقل إلى كثير منها، فشابها من أجل ذلك اضطراب أو خفاء، جله من الناسخ منه ما جاء بسبب السهو ومنه ما جاء بسبب الخلط بين الحروف المتشابهة الصورة المرموز بها في البحوث الهندسية تنقصها في الأصول التي اطلعنا عليها الأشكال الموضحة لها، ومنها جميع المباحث الخاصة بتعيين نقطة الانعكاس مع تعدد النظريات والعمليات والبراهين الواردة فيها وتعقدها. وكثير من الأشكال الهندسية الواردة فيها خاطئة، ولذلك أناشد وزارة الثقافة المصرية بتشيكل لجنة مكونة من كبار الأساتذة المتخصصين لتحقيق هذا التراث الهيثمي الجم.

السبب الثالث: إن الحسن بن الهيثم كان مهتماً على الدوام بكافة القضايا العلمية وشغفه بها يزداد على مر الزمن، ولقد أدى ولعه بقضايا العلم على هذا النحو إلى الانشغال عن بعض أعماله الهامة، فكان أن خلف وراءه تحفاً لم تكتمل. لقد كان عقله خصباً، انشغل بما يزيد عما يلزمه، وقاده عقله الذي يشبه عقل " ليبنتز " إلى أن يتحرك في اتجاه جديد قبل أن ينتهي من مشروع أو فكرة، بل قبل أن يتم بداية المشروع أو الفكرة، وأكبر دليل على ذلك فكرة مشوع خزان أسوان الذي تهرب منها وأدعى الجنون، ولقد كان لهذا أثره فى أن يصبح أستاذ الأفكار الناقصة والمشروعات غير المكتملة.

صحيح كما رأى الدكتور مصطفي نظيف أن الأمر لا يضير ابن الهيثم قليلا أو كثيرا. فمكانته كعالم من علماء العلم التعليمي لم تمس، ومكانته كمهندس لم تمس أيضا، لأنه بنى ما قال في النيل على ما بلغه من انحداره من مكان مرتفع على حدود الإقليم المصري، لم يكن قد عاين نفسه ذلك المكان من قبل. وإن كنا لا نعلم على التحقيق ماهية المشروع الذي خطر له أو نوع العمل الذي فكر فيه، فإن أخذه الصناع والمحترفين لأعمال البناء إن دل على شيء، فهو يدل على أن مشروعه كان إنشاء شيء من قبيل الخزان. فهل يضير أنه سبق زمانه وفكر في مشروع تحقيق بعد وفاته بأكثر من ثمانية قرون ونصف قرن.

السبب الرابع: حتى لو كان الحسن بن الهيثم يملك بالفعل أفكاراً علمية مبتكرة ونظريات أصيلة، فإنه يظل فى ذلك بعيداً عن احتلال مرتبة هامة جداً فى تاريخ العلم الحديث. ولعل السبب فى ذلك كما يذكر الدكتور مصطفي نظيف أن أساطين العلم التعليمي من الإسلاميين المتأخرين تدل بجلاء على أنهم لم يطلعوا على كتاب ابن الهيثم في المناظر، وخفيت عنهم البحوث الجليلة التي تضمنها. ولعل السبب في عدم ذيوع بحوث كتاب المناظر لابن الهيثم لدى الإسلاميين لا يرجع إلى صعوبة النشر وصعوبة تداول الكتب في تلك العصور فحسب، بل يرجع أيضا إلى اضطراب الحالة السياسية في العالم الإسلامي، ذلك الاضطراب الخطير الذي نشأ من جراء وقوع الحروب الصليبية من ناحية، وإغارة التتار من ناحية أخرى، وما انتاب العالم الإسلامي من الداخل، من جراء ما أثارته الأهواء السياسية، وما تبعها من نشاط بعض الرجعيين الحاقدين على أعلام عصورهم من رجال العلم والفلسفة. ولا شك أن هذه الحوادث كان لها أثرها السيئ الذي عاق بوجه عام استمرار تقدم العلم في القرن الثاني عشر وما تلاه. ولا شك أن أثرها تناول مؤلفات ابن الهيثم كما تناول مؤلفات غيره، وعاق انتشار بحوثه من بعده لدى الدوائر العلمية في الأنحاء المختلفة من العالم الإسلامي.

السبب الخامس: إن العلم ليس مجرد الميل إلى إجراء التجارب، كما ذهب الحسن بن الهيثم فى رده على منتقديه الذين لا موه على إفراطه فى تجريبيته. لقد كان الحسن بن الهيثم ينعى عليهم أنهم لا يعولون عليها فى كتاباتهم، مع العلم بأنها أولى بالذكر من أي شئ آخر. فذكر تجربة مثلاً أولى وأهم من ذكر كتاب شهير، والاستشهاد بنتائج التجربة أهم من الاستشهاد بالكتب وما ورد فيها. إن العلم لا يتحقق من مجرد رفض أقوال السابقين وطرح أفكارهم جانباً على نحو ما يؤكد الحسن بن الهيثم، الذي لم يكن فى ذلك يمثل أى عبقرية أو ابتكار، بقدر ما كان فى ذلك مقلداً لأفكار السابقين.

السبب السادس: كثيراً من مقولات الحسن بن الهيثم تتناول المنهج العلمي المناسب الصحيح، ولديه الكثير مما يقال عن العلاقة بين العقل والتجربة، وما قاله جعلنا نراه سابقاً لفرنسيس بيكون في المنهج الاستقرائي. وكأن هذه الطريقة تقترب إلى حد ما من الطريقة التي استخدمها علماء القرن السابع. من هذه المقولات قوله

والأهم فى تقديري هو مواجهة السؤال الذي فرض نفسه فى البداية، ولا بد أن يفرض نفسه في النهاية ؛ أعنى السؤال الذي يرتبط بأسباب تراكم النسيان على بحوث الحسن بن الهيثم العلمية بالقياس إلى بحوث جاليليو على سبيل المثال؟

أحسب أن الإجابة أصبحت الآن واضحة من حيث ارتباطها بدرجة الثورة الجذرية التى لم تصل إليها أعمال دافنشى بالقياس إلى جاليليو، حين اكتشف جاليليو قانون تذبذب قانون الأجسام وقانون الأجسام الساقطة ووضع أسس قانون القصور الذاتي، واكتشف البقع الشمسية وقوانين المد والجذر، واكتشف بعض التوابع غير المعروفة للقدماء، واخترع التلسكوب، وقضى حياته يدافع عن نظرية " كوبرنيقوس" فى دوران الأرض حول الشمس، ولقي في ذلك عنتاً شديداً أمام محاكم التفتيش.

وأنا لا أنكر أن كتابات الحسن بن الهيثم فيها من الايجابيات ما يذكر لها بالقطع، ولكننا إذا وضعناها تحت مجهر الابستمولوجيا المعاصرة؛ وخاصة ابستمولوجيا " جاستون باشلار" " القائمة على فكرة القطيعة الابستمولوجية، نجد أنها لا تستطيع أن تخلف لنا الأثر الجذري الذي تركته أعمال جاليليو، ولذلك ظلت بحوثه التجريبية بعيدة عن خلق قطيعة ابستمولوجية كتلك التي أحدثها كتاب " محاورات حول النظامين الرئيسيين:البطليموسى والكوبرنيقوس، أو كتاب أبحاث وإيضاحات رياضية فيما يتعلق بعلمين جديدين ينتميان إلى الميكانيكا لجاليليو.

ولذلك ظلت بحوث الحسن بن الهيثم الفلسفية بعيدة عن خلق قطيعة ابستمولوجية، والسبب في ذلك ليس فقط في كونه أخذ الحسن بن الهيثم من كل تجارب السابقين عليه بطرف، ولكنه ظل في المنطقة الهادئة من الفكر والإبداع، تلك المنطقة التي لا تعرف الحدية في رفض القديم، أو الجذرية في التجديد الفلسفي، فكان نموذجا للوسطية الفلسفية التي لا تثير العواصف ولا تهيج البراكين ولا تتحول إلى زلزال، وإنما تمضى في يسر إلى هدفها الذي يكمل مهمة غيرها.

لقد كانت بحوث وكتابات الحسن بن الهيثم العلمية والفلسفية نجمة فى تاريخ فكرنا العربي المعاصر لمعت فجأة واختفت؛ وذلك لأنها لم تحول مجرى التفكير العلمي والفلسفي السائد والمنقول إلي تفكير ابداعي يحمل رؤية خاصة تتوائم مع مستجدات واقعنا الفكري. ومن ثم لم تُحدث تلك النقلة الكيفية فى أدوات البحث الفلسفي، وإن استخدم الحسن بن الهيثم وقضايا ومشكلات فلسفية تناسب حركة الحياة العلمية والفكرية فى عصره.

ولذلك أرجو ألا أكون جائراً حين أقول في نهاية هذه الكلمة بأن الحسن بن الهيثم لم يصل إلى مصاف العلماء الكبار كجاليليو ونيوتن، بمعنى أنه أتى بنظرية علمية فى عصره، ولكن الانصاف يقتضى على الأقل أن نفرد له مكانة هامة فى تاريخ الفكر العربي المعاصر، وذلك لكونه في اعتقادي يمثل "العدسة الفلسفية" المجمعة التى عملت على استقطاب تيارات فكرية فلسفية عديدة من اليونان والعرب كانت متأججة في عصره وكان من فرط تأثره بما يدور حوله أن تمكن من تقديم أفكار علمية جيدة جعلت كل مؤرخي الطبيعيات والرياضيات الغربيين يضعونه في جملة مفيدة في تاريخ العلم.

***

د. محمود محمد علي- مفكر مصري

 

في المثقف اليوم