أقلام فكرية
اسعد الامارة: اللغة في السوية واللاسوية
تعد اللغة هي المشترك الذي يتسم به العصابي" مريض النفس" عن الذهاني " مريض العقل" وعن السوي، فاللغة تحمل التخييل والصور التي ينقلها الفرد في السواء واللاسواء، حتى في تعامله مع الآخرين وسلوكه اليومي. يرى " المحلل النفسي الفرنسي جاك لاكان" أن الخبرة التحليلية النفسية تجد في اللاشعور – اللاوعي البناء اللغوي بقوته، ويمكن للعرض أن يختفي تمامًا " يحل" من خلال الكلام، فالعرض نفسه يتكون من خلال اللغة، ونعلم أن الكلام هو أداة المحلل النفسي ومن يشتغل في العلاجات النفسية، وأنه الوسيط والوسيلة الحقة في العلاج النفسي التحليلي وأن اللغة تطوع الكلام لصالحها.
يمكننا القول أن اللغة قادرة على القاء الضوء على النفس البشرية وما يعتمل في داخلها، وهذا يمنحنا الفرصة لمعرفة أكتشاف المنطق في صلب أرضه وعمقه. فالسياسي الذي يتكلم في بداية حديثه وهو يضبط مفرداته بدقه، تبرز بعد ذلك حقيقة ثرثرته من أعماق نفسه، وهذا يذكرنا ما يجري في الجلسة العلاجية التحليلية النفسية، حيث يضيع الكلام الفارغ مع الكلام الممتلئ، وقول لاكان الكلام الفارغ فهو تشتبك فيه الذات في الـ (هنا) و(الآن)، والذي يتحول في سراديب الكلام وفجواته، دون أن يحقق ذاته في الكلام، ضمن آلية اللغة التي يوفرها له السياق الاجتماعي، أو ما يريد قوله، ويضيف " لاكان" بعبارة أخرى فالفرد في الكلام الفارغ يتحدث بوصفه آخر من حيث إن أناه مغتربة في الأصل في الآخر.
أي فرد في الحياة اليومية المعاشة يتعرض لكثير من المواقف التي يحاول فيها اللف والدوران في حديثه، في كلامه، حتى تبدو لغته غير متوازنه وبالأخص حينما يصمت المستمع لما ينطق به هذا المقابل، وكأن العملية جلسة علاج تحليلية، وقول " لاكان" إن صمت المحلل يدفع المريض إلى ملء الفراغ بالحقيقة بأن ينتقل من الكلام الفارغ إلى الكلام الممتلئ الذي تتحقق فيه الذات في الكلام، فالأنا المغتربة كثيرًا ما تجد ذاتها في هذا المنولوج الفارغ غير المجدي.
الشخصية البشرية تعمل دائمًا في كل سلوكها الحركي، أو اللفظي، أو حتى التأملي في تخييل مودع في اللاشعور – اللاوعي، فهو يحوي الإحباط السابق حتى المتخيل منه في مرحلة الطفولة، وكذلك العدوانية الطفلية المتخيلة من مولود جديد أزاحه من عرش السيادة، هذا هو النكوص – الارتداد لمرحلة سابقة عشعشت كل مجرياتها في عقل الإنسان منذ طفولته الأولى.
نقول ونحن نستمد ما نقوله من علماء في التحليل النفسي واساتذة لنا تعلمنا منهم هذه الفنيات بأن اللغة تحدد مجالات الحياة برمتها وأبرزها التحليل النفسي، فتأثير " كلود ليفي شتراوس " كبير جدًا في هذا المنحى النفسي في اللغة حينما يتناول الرمز باللغة، وما تعلمناه ان جميع حياتنا تحمل الرمزية، وبالأخص في الحديث والتكلم ومنها الهفوات وزلات اللسان خير دليل على ذلك الإدغام فيما لا يريد المرء قوله صراحة، فضلا عن النكتة بكل أشكالها السياسية اللاذعة، والنكتة الجنسية اللاأخلاقية، أعني بها الجنسية، فهي تعبر عن قائلها، وقول أحد رؤساء دولة عظمى معاصر يذكر اسم شخصية في الدولة ويقرنه بلفتة غير موفقه تعبر عن عمق تأثير الجنسانية في أعماق نفسه حيث نطق أسم هذا الشخص بـ " زب "ويقول أسمه يدل على " قضيب " الرجل، فكيف تداعى في تلك اللحظة هذا المصطلح في كلامه ؟ ويقول " جاك لاكان" هذا مثالا جيدًا للتفرقة بين القصدية الشعورية – الواعية للفرد وبين مجال اللغة الذي يجد الفرد نفسه خاضعًا له. وهذا في الحقيقة تقدير كبير لما قدمه "سيجموند فرويد" مؤسس التحليل النفسي لأهمية الطبيعة اللغوية للاشعور – اللاوعي.
تذكر لنا الدكتورة " نيفين زيور " في كتابه القيم جاك لاكان وإعادة ابتداع التحليل النفسي قولها أن كلام الذات يتضمن بين حشاياه الإجابة التي تبحث عنها الذات. وتضيف أيضًا حينما يقدم المحلل للمريض " طالب التحليل" في هذه الحالة يكون قد تحدث بما لا يعرفه عن نفسه، فهو يتحدث عن الرموز التي شيدت العرض المرضي، وهذه اللغة التي تتسم بالبدائية هي لغة الرغبة. لذا فإننا حينما نأخذ متغير اللغة لدى السوي والعصابي والذهاني إنما لنرى مدى عمق تأثيرها في كل منهم، فالكلمات تتضمن عادة ما بداخل الإنسان وتصويرها في حركة جسده فضلا عن ما ينطق به من كلام ولغة واضحة، أو مدغمة مليئة بالاستعارة والمجاز والكناية، وهذه كلها تحمل جروح رمزية لم يستطع التعبير عنها وربما تضفي عليها حركات جسدية يمكن لأي إنسان أن يلاحظها في حياته اليومية.
***
د. اسعد الامارة







