عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

حمزة مولخنيف: العقل النقدي أم العقل الائتماني؟

في حدود المفاضلة بين نموذجين فلسفيين مغربيين

تنهض الكتابة الفلسفية في المغرب الحديث على توتر خفيّ لا يهدأ، توتر يتخلل طبقات القول والمعنى ويعيد تشكيل العلاقة بين الفكر ومصادره وبين الذات ومرجعياتها وبين التاريخ وأفقه الممكن. داخل هذا الأفق المضطرب تتجاذب العقلَ رؤيتان تتنازعان مشروعيته وحدوده ووظيفته، رؤية تراهن على النقد باعتباره أفقا للتحرر من سلط الإكراه الرمزي وأخرى تشدّ الفكر إلى مجال الأمان الائتماني حيث تتأسس العلاقة مع المعنى على مقتضيات الوفاء والمسؤولية. هنا تتكشف معالم مفاضلة دقيقة لا تقوم على مجرد اختلاف في المصطلح بل تنغرس في عمق تصور الإنسان لذاته ولموقعه في العالم.

لقد استقر في تقاليد الفلسفة أن العقل لا يُفهم إلا في سياق اشتغاله وأنه يتعين من خلال ما ينجزه من عمليات التفكيك والتركيب والنقد والتأسيس والهدم والبناء. غير أن التجربة المغربية المعاصرة أفرزت حساسية خاصة في التعامل مع هذا المفهوم حيث لم يعد العقل مجرد أداة محايدة بل صار موضوع مساءلة في ذاته ومجالا للصراع بين إمكانات متعارضة. في هذا السياق يلوح العقل النقدي باعتباره امتدادا لروح حداثية تؤمن بأن تحرير الفكر يمر عبر مساءلة المسلمات وتقويض البنيات التي تستبطن الهيمنة. يذكّرنا هذا الأفق بما قرره كانط حين جعل من النقد شرطا لإمكان المعرفة إذ لا قيمة لعقل لا يمتحن حدوده ولا يختبر مشروعيته. كما يستعيد صدى عبارة فوكو حين اعتبر النقد فنا لعدم الامتثال أي تمرينا دائما على خلخلة ما يبدو بديهيا.

غير أن هذا الأفق نفسه لا يخلو من توترات إذ قد ينزلق النقد إلى شكل من العدميّة المقنّعة حيث يغدو الهدم غاية في ذاته ويستحيل العقل إلى آلة تفكيك لا تنتج غير الفراغ. عند هذه العتبة يبرز التصور الائتماني بوصفه محاولة لإعادة توجيه العقل نحو أفق أخلاقي حيث لا ينفصل التفكير عن المسؤولية ولا ينفك القول عن مقتضيات الأمانة. إن هذا المنظور يستبطن تصورا مغايرا للإنسان لا باعتباره ذاتا مكتفية بذاتها بل كائنا منخرطا في شبكة من العلائق التي تؤسس وجوده وتحدد معناه. ويتردد هنا صدى قول الغزالي حين ربط العلم بالعمل وجعل المعرفة التي لا تثمر سلوكا نوعا من الغرور المعرفي. كما نجد امتدادا لهذا المعنى في التراث الصوفي حيث المعرفة الحقة تقترن بالتحقق فلا قيمة لعلم لا يتحول إلى حال.

بين هذين الأفقين يتشكل سؤال المفاضلة لا بوصفه اختيارا بسيطا بين بديلين جاهزين بل باعتباره امتحانا لقدرة الفكر على استيعاب تعقيد التجربة. فالعقل النقدي يحرر غير أن تحرره قد يفضي إلى نوع من التيه إن لم يُضبط بأفق قيمي. والعقل الائتماني يؤسس للمعنى غير أن تشديده على الوفاء قد ينقلب إلى محافظة تكبح إمكان التجديد. وتنشأ الحاجة هنا إلى تفكير يتجاوز منطق التقابل الحاد دون أن يسقط في التلفيق السهل.

إن ما يميز اللحظة الفلسفية المغربية المعاصرة هو هذا السعي الحثيث إلى إعادة بناء العلاقة مع التراث دون الوقوع في أسر التقديس أو القطيعة. ويستعاد في هذا السياق قول ابن رشد إن الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له ليؤكد أن العقل في جوهره قدرة على الجمع بين ما يبدو متنافرا. كما يستحضر قول الشاطبي حين جعل مقاصد الشريعة قائمة على حفظ الكليات التي بها قوام الحياة في إشارة إلى أن التفكير لا ينفصل عن رعاية المصالح الإنسانية.

غير أن المفاضلة بين العقل النقدي والعقل الائتماني تظل رهينة بمدى قدرتنا على إدراك أن كل نموذج يحمل في طياته إمكاناته وحدوده. فالنقد الذي لا يستند إلى أفق أخلاقي قد يتحول إلى ممارسة شكلية، والائتمان الذي لا يفسح المجال للمساءلة قد ينغلق على ذاته. لذلك يبدو أن الرهان الحقيقي لا يكمن في ترجيح أحدهما على الآخر بقدر ما يكمن في ابتكار صيغة فكرية قادرة على استيعاب توترهما الخلاق.

ويغدو السؤال عن العقل سؤالا عن الإنسان ذاته، عن قدرته على التوازن بين الحرية والمسؤولية وبين الجرأة في التفكير والوفاء للمعنى. وتتجدد الحاجة إلى كتابة فلسفية تنبض بقلق السؤال وتقاوم غواية الإجابات الجاهزة وتفتح الفكر على إمكانات لا تنتهي.

ويتخذ النظر في ثنائية العقل النقدي والعقل الائتماني في السياق المغربي المعاصر طابعا يتجاوز حدود الجدل الاصطلاحي إذ ينفتح على مساءلة أعمق تمس بنية الوعي العربي الحديث وتعيد طرح السؤال حول الكيفية التي يتحدد بها موقع الفكر بين مقتضيات التحرر وإكراهات الانتماء. فالعقل هنا لا يُستدعى باعتباره مفهوما مجردا أو أداة صورية بل بوصفه تجربة تاريخية متعينة تتشكل داخل شبكة من المرجعيات الثقافية والدينية والسياسية وتخضع لرهانات متعددة تتقاطع فيها إرادة الفهم مع إرادة التغيير.

إن استحضار نموذج العقل النقدي يفضي مباشرة إلى استعادة مشروع فكري راهن على إعادة بناء العلاقة مع التراث من داخل أفق حداثي حيث يصبح النقد أداة لتفكيك البنيات المعرفية التي ترسخت عبر قرون من التراكم وتحولت إلى أنماط جاهزة في التفكير والتأويل. هذا الأفق يجد جذوره في تقاليد فلسفية عميقة حيث ارتبط العقل منذ بداياته الإغريقية بفعل التساؤل وارتبطت قيمته بقدرته على خلخلة المألوف وكشف ما يتخفى وراء البداهة. يقول سقراط في محاورات أفلاطون إن الحياة غير المفحوصة لا تستحق أن تعاش، في إشارة إلى أن قيمة الوجود الإنساني تقاس بمدى انخراطه في فعل النقد.

غير أن هذا المعنى يكتسب في التجربة المغربية دلالة خاصة حيث يتداخل النقد مع سؤال الهوية ويغدو تحرير العقل رهانا على تحرير الذات من أشكال التبعية التي تسربت إلى بنيتها المعرفية. ويستعيد الفكر النقدي الحديث أطروحة أنطونيو غرامشي حول الهيمنة الثقافية حيث لا تفرض السلطة سيطرتها بالقوة المادية فحسب بل من خلال إنتاج أنماط من التفكير تجعل الخضوع يبدو طبيعيا. من هنا يصبح النقد فعلا تحرريا بامتياز، يسعى إلى كشف الآليات الخفية التي تُعيد إنتاج التقليد في صور جديدة.

على هذا الأساس، يتأسس العقل النقدي على جملة من المبادئ التي تمنحه طابعه الخاص، أولها مركزية السؤال، حيث لا يُقبل أي معطى دون إخضاعه للفحص والتمحيص. وثانيها النزوع إلى التفكيك، أي تحليل البنيات المعرفية إلى عناصرها الأولية من أجل الكشف عن شروط تشكلها. وثالثها الإيمان بإمكان التقدم، حيث ينظر إلى التاريخ باعتباره مسارا مفتوحا على إمكانات متعددة وليس مجرد تكرار لنماذج ماضية. في هذا الإطار يلتقي هذا التصور مع ما قرره هيغل حين اعتبر أن العقل يتجلى في التاريخ وأن مسار الروح يقوم على تجاوز أشكال الوعي السابقة نحو أشكال أكثر اكتمالا.

غير أن هذا التصور على ما فيه من قوة تفسيرية لا يخلو من إشكالات عميقة، إذ يثير سؤالا حرجا يتعلق بحدود النقد ذاته. فهل يمكن للعقل أن يمارس نقده دون أن يستند إلى مرجعية ما؟ وهل يمكن للتفكيك أن يستمر إلى ما لا نهاية دون أن يفضي إلى فراغ قيمي؟ تتكشف هنا إحدى المفارقات الكبرى التي تواجه المشروع النقدي حيث يجد نفسه مطالبا بتبرير أسسه دون أن يقع في تناقض مع منطقه الداخلي. يشير نيتشه إلى أن كل فلسفة تخفي وراءها إرادة قوة في إشارة إلى أن الادعاء بالحياد قد يخفي نوعا من التحيز غير المعلن.

في مقابل هذا يبرز نموذج العقل الائتماني باعتباره محاولة لإعادة تأسيس التفكير على قاعدة أخلاقية حيث لا ينفصل العقل عن القيم التي توجهه ولا يُفهم إلا في سياق علاقته بالغير وبالعالم. إن هذا التصور ينطلق من نقد جذري للعقل الأداتي الذي اختزل الإنسان في بعده الوظيفي وحول المعرفة إلى وسيلة للسيطرة بدل أن تكون سبيلا للفهم. هنا يتردد صدى نقد هيدغر للحداثة حين اعتبر أن التقنية الحديثة ليست مجرد أدوات بل نمط في الكشف يحول الكائن إلى مورد قابل للاستغلال.

ويتأسس العقل الائتماني على فكرة الأمانة حيث يُنظر إلى الإنسان باعتباره كائنا مؤتمنا على الوجود مسؤولا عن أفعاله ومعانيه. هذا المعنى يجد جذوره في التراث الإسلامي حيث ورد في القرآن الكريم أن الإنسان حمل الأمانة التي أبت السماوات والأرض أن يحملنها في إشارة إلى ثقل المسؤولية التي تلازم وجوده. كما يتجلى في قول الإمام علي إن قيمة كل امرئ ما يحسنه، حيث ترتبط قيمة الإنسان بما يقدمه من عمل يعكس وفاءه لمقتضيات الأمانة.

إن هذا التصور يعيد تعريف العقل بوصفه قوة أخلاقية قبل أن يكون أداة معرفية، حيث لا يكتفي بالفهم بل يسعى إلى تحقيق المعنى في الواقع. ويصير التفكير فعلا وجوديا يتجاوز حدود التأمل النظري لينخرط في بناء عالم أكثر عدلا وإنسانية. يقول كانط إن العقل العملي يمنح الإنسان كرامته إذ يجعله قادرا على الفعل وفق مبادئ يختارها بحرية. غير أن العقل الائتماني يذهب أبعد من ذلك حيث لا يكتفي بتأكيد الحرية بل يربطها بالمسؤولية فيصبح الفعل الأخلاقي تعبيرا عن وعي الإنسان بموقعه في شبكة العلاقات التي تحيط به.

ويتحدد الفرق بين النموذجين في طبيعة العلاقة التي يقيمانها مع العالم. فالعقل النقدي يميل إلى اتخاذ مسافة من موضوعه بحيث يسعى إلى تحليله من الخارج، بينما ينخرط العقل الائتماني في علاقة تفاعلية حيث يصبح الفهم جزءا من تجربة العيش. هذا الفرق ينعكس على طبيعة المعرفة التي ينتجها كل منهما وتميل المعرفة النقدية إلى الطابع التحليلي، بينما تتجه المعرفة الائتمانية نحو البعد التركيبي الذي يراعي تعقيد التجربة الإنسانية.

غير أن هذا التمايز لا ينبغي أن يُفهم في إطار تقابل تبسيطي، إذ يحمل كل نموذج في داخله عناصر قوة وضعف. فالعقل النقدي على ما فيه من قدرة على التحرر قد ينزلق إلى نوع من التعالي الذي يفصل الفكر عن الواقع، بينما قد يتحول العقل الائتماني إلى شكل من المحافظة إذا لم يفسح المجال للنقد. لذلك يبدو أن الرهان الحقيقي يكمن في استثمار التوتر بينهما بدل السعي إلى حسمه.

ويمكن استحضار تجربة الفكر الإسلامي الكلاسيكي حيث لم يكن هناك فصل حاد بين العقل والأخلاق، بل كان الفقيه والفيلسوف يجمع بين النظر والعمل وبين التأمل والممارسة. يقول الشافعي إن العلم ما نفع، في إشارة إلى أن المعرفة التي لا تثمر عملا تبقى ناقصة. كما يؤكد ابن عربي أن العلم الحقيقي هو ما يورث الخشية حيث ترتبط المعرفة بالتحول الداخلي للإنسان.

إن استعادة هذا الأفق لا تعني العودة إلى الماضي بل استلهام إمكاناته في بناء تصور جديد للعقل يتجاوز الاختزال الذي فرضته بعض القراءات الحديثة. في هذا الإطار يصبح التفكير في المفاضلة بين العقل النقدي والعقل الائتماني مدخلا لإعادة طرح السؤال حول طبيعة الحداثة نفسها وحول الكيفية التي يمكن بها تحقيق توازن بين متطلبات التحرر ومقتضيات المعنى.

إن ما يميز هذه المفاضلة هو أنها لا تنحصر في المجال النظري بل تمتد إلى مختلف أبعاد الحياة، حيث تؤثر في طريقة فهمنا للسياسة والاقتصاد والثقافة. فالعقل النقدي يدفع نحو مساءلة البنيات القائمة، بينما يدعو العقل الائتماني إلى إعادة بنائها على أساس قيمي. وتتجلى هنا أهمية هذا النقاش بحيث لا يتعلق الأمر باختيار نموذج فكري فحسب بل بتحديد ملامح المشروع الحضاري الذي نسعى إلى بنائه.

على هذا النحو يتضح أن المفاضلة بين العقل النقدي والعقل الائتماني ليست مسألة نظرية خالصة بل هي سؤال وجودي يتعلق بكيفية عيشنا للعالم وبالطريقة التي نفهم بها أنفسنا والآخرين. وتظل الحاجة قائمة إلى تفكير عميق قادر على استيعاب تعقيد هذه الإشكالية دون الوقوع في اختزال أو تبسيط ودون الارتهان إلى إجابات جاهزة تغلق باب السؤال.

ينكشف النظر في هذا الأفق عند مستوى أعمق حين يُستأنف السؤال عن إمكان تركيبٍ يتجاوز مجرد التنازع بين العقل النقدي والعقل الائتماني إذ يغدو الرهان منصبا على مساءلة الشروط التي تسمح بقيام عقل يملك قدرة التحرير دون أن يفقد حسّ المسؤولية ويؤسس للمعنى دون أن ينغلق داخل يقينيات مكتملة. ذلك أن التجربة الفكرية المغربية لم تتشكل في فراغ بل انبثقت من تماس حاد بين ميراث ثقيل وتراث متعدد الطبقات وبين صدمة حداثة حملت معها مفاهيم جديدة حول الذات والعالم فكان لا بد من إعادة بناء الجهاز المفهومي بما يتيح استيعاب هذا التعقيد.

إن استعادة الأفق النقدي في هذا السياق لا تعني تكرار النموذج الغربي في صيغته الكلاسيكية بقدر ما تفترض إعادة تأويله من داخل شروط مخصوصة. فالنقد الذي دعا إليه كانط لم يكن مجرد تقنية في التفكير بل كان مشروعا لتحديد حدود العقل، أي وضعه موضع مساءلة دائمة تمنعه من التحول إلى سلطة مطلقة. غير أن انتقال هذا المشروع إلى السياق العربي جرى في كثير من الأحيان عبر اختزال حيث تحول النقد إلى أداة لرفض التراث دون مساءلة الشروط التي أنتجته فوقع نوع من الانفصال بين الفكر ومرجعياته، وهو ما نبه إليه محمد عابد الجابري حين أكد أن القطيعة الإبستمولوجية لا تعني الانفصال عن الذات بل إعادة بنائها على أسس جديدة.

غير أن هذا الأفق نفسه اصطدم بمحدودية لا يمكن تجاهلها إذ إن تفكيك البنيات المعرفية لا يكفي لإنتاج بديل قادر على الاستمرار ما لم يُستند إلى رؤية تتجاوز التحليل إلى التأسيس. هنا يبرز دور العقل الائتماني باعتباره محاولة لتجاوز هذه المحدودية بحيث ينطلق من فرضية أن الإنسان لا يمكن أن يعيش داخل فراغ قيمي وأن كل فعل معرفي ينطوي بالضرورة على بعد أخلاقي سواء أُعلن عنه أم ظل كامنا. يشير طه عبد الرحمن إلى أن العقل إذا لم يُهذَّب بالأخلاق انقلب إلى أداة فساد في إشارة إلى أن المعرفة التي تنفصل عن القيم قد تتحول إلى قوة مدمرة.

إن هذا القول يعيد طرح السؤال حول طبيعة العلاقة بين العقل والقيم حيث لا يعود الأمر مقتصرا على تحديد وظيفة كل منهما بل يتجاوز ذلك إلى البحث في كيفية اندماجهما داخل تجربة واحدة. فالعقل النقدي يميل إلى الفصل ويسعى إلى تحليل الظواهر بمعزل عن سياقاتها القيمية بينما يتجه العقل الائتماني إلى الوصل ويُدرج المعرفة داخل أفق أخلاقي يمنحها معناها. غير أن هذا التمايز لا ينبغي أن يُفهم باعتباره تعارضا مطلقا إذ يمكن للنقد أن يكون أخلاقيا كما يمكن للأخلاق أن تكون موضوعا للنقد.

ويكتسب مفهوم المسؤولية مركزية خاصة في هذا السياق إذ يشكل نقطة التقاء محتملة بين النموذجين. فالمسؤولية تفترض قدرة على الاختيار، وهو ما يقتضي وجود عقل نقدي قادر على التمييز كما تفترض التزاما بمعايير معينة وهو ما يستدعي حضورا للقيم. يقول بول ريكور إن الذات لا تُفهم إلا بوصفها قادرة على الفعل وتحمل تبعاته وتتحدد هويتها من خلال علاقتها بالآخرين. هذا المعنى ينسجم مع التصور الائتماني الذي يجعل من الأمانة أساسا للوجود الإنساني كما يفتح المجال أمام النقد بوصفه أداة لضبط هذه المسؤولية ومنعها من الانزلاق إلى أشكال من الاستبداد الرمزي.

غير أن التحدي الأكبر يكمن في كيفية تحويل هذا التركيب إلى ممارسة فكرية فعلية تتجاوز حدود التنظير إلى مجال التطبيق. فالتجربة التاريخية تكشف أن كثيرا من المشاريع الفكرية التي سعت إلى الجمع بين النقد والقيم انتهت إلى أحد طرفي النقيض، إما بسبب غلبة النزعة التحليلية التي تفرغ القيم من مضمونها أو نتيجة هيمنة البعد الأخلاقي الذي يكبح إمكان التساؤل. هنا تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في طبيعة العلاقة بين النظر والعمل بحيث لا يُختزل أحدهما في الآخر.

إن استحضار التراث الإسلامي في هذا السياق يكشف عن إمكانات غنية يمكن استثمارها حيث لم يكن هناك فصل حاد بين العقل والأخلاق بل كان التفكير جزءا من تجربة وجودية شاملة. ابن تيمية ينبه إلى أن العقل الصريح لا يعارض النقل الصحيح في إشارة إلى إمكان التوافق بين المعرفة العقلية والمعطيات الدينية، وهو ما يفتح المجال أمام تصور للعقل يتجاوز الثنائية التقليدية بين النقل والعقل. كما يؤكد الشاطبي أن المقاصد تمثل روح الشريعة حيث تتجه الأحكام نحو تحقيق مصالح الناس وهو ما يربط التفكير الفقهي بأفق إنساني أوسع.

غير أن استلهام هذا التراث لا يمكن أن يتم عبر استعادته في صيغته الأصلية بل يتطلب إعادة تأويله بما يتلاءم مع شروط الحاضر. فالعالم المعاصر يطرح تحديات جديدة تتعلق بالتقنية والبيئة والعولمة، وهو ما يستدعي تطوير أدوات فكرية قادرة على التعامل مع هذه القضايا. ضمن هذا النسق يمكن للعقل النقدي أن يسهم في تحليل هذه الظواهر وكشف بنياتها بينما يوفر العقل الائتماني الإطار القيمي الذي يوجه هذا التحليل نحو غايات إنسانية.

إن من أبرز مظاهر هذا التحدي ما يتعلق بعلاقة الإنسان بالتقنية، ذلك أن المعرفة تحولت إلى قوة إنتاجية هائلة قادرة على إعادة تشكيل العالم بطرق غير مسبوقة. يقول هابرماس إن الحداثة لم تكتمل بعد في إشارة إلى أن المشروع العقلاني ما يزال مفتوحا على إمكانات متعددة غير أن هذا المشروع يواجه خطر الانزلاق نحو عقل أداتي يختزل الإنسان في بعده الوظيفي. ويبرز هنا دور العقل الائتماني في إعادة توجيه هذا المسار من خلال التأكيد على أن التقنية ينبغي أن تخضع لمعايير أخلاقية تضمن احترام الكرامة الإنسانية.

غير أن هذا الطرح لا يخلو من إشكالات إذ يثير سؤالا حول مصدر هذه المعايير وحول الكيفية التي يمكن بها الاتفاق عليها في عالم متعدد الثقافات. هنا يمكن للعقل النقدي أن يلعب دورا حاسما من خلال فتح المجال أمام حوار عقلاني يتيح بناء توافقات تقوم على الحجاج بدل الإكراه. يقول هابرماس إن الفعل التواصلي يشكل أساسا لإمكان التفاهم حيث يتم الوصول إلى الاتفاق عبر النقاش الحر. هذا المعنى ينسجم مع فكرة الأمانة حيث يفترض الحوار التزاما بالصدق واحترام الآخر.

في ضوء هذه المعطيات، يتضح أن المفاضلة بين العقل النقدي والعقل الائتماني لا يمكن أن تُحسم لصالح أحدهما دون الآخر إذ يحمل كل نموذج عناصر ضرورية لبناء تصور متكامل للعقل. فالنقد يضمن الحرية والائتمان يؤسس للمعنى والجمع بينهما يتيح إمكانية قيام عقل مسؤول قادر على التفكير والفعل في آن واحد. غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب جهدا فكريا مستمرا يشتغل على إعادة بناء المفاهيم وتطويرها بما يتلاءم مع التحولات الراهنة.

إن هذا الجهد لا يقتصر على المجال الأكاديمي بل يمتد إلى مختلف مستويات الحياة مما يستلزم ترجمة هذه الرؤية إلى ممارسات ملموسة في التعليم والسياسة والثقافة. فالتربية على النقد ينبغي أن تقترن بتربية على المسؤولية بحيث لا يتحول التفكير إلى مجرد لعبة ذهنية بل يصبح وسيلة لبناء إنسان قادر على الإسهام في تطوير مجتمعه. كما أن العمل السياسي يحتاج إلى عقل يجمع بين التحليل الأخلاقي والقدرة على اتخاذ القرار ولا ينفصل الفعل عن القيم التي توجهه.

إن السؤال عن العقل في السياق المغربي المعاصر يمثل مدخلا لإعادة التفكير في المشروع الحضاري برمته، ذلك أن الأمر لا يتعلق الأمر باختيار نموذج فكري فحسب بل بتحديد الكيفية التي نريد أن نعيش بها في هذا العالم. إن التحدي يكمن في بناء عقل يملك شجاعة التساؤل وعمق الالتزام، عقل لا يخشى النقد ولا يتخلى عن الأمانة، عقل يدرك أن الحرية دون مسؤولية قد تتحول إلى فوضى وأن المسؤولية دون حرية قد تنقلب إلى قيد.

وعليه فإن المفاضلة بين العقل النقدي والعقل الائتماني لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها صراعا بين نموذجين متعارضين بل بوصفها لحظة في مسار أوسع يسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الفكر وشروط الوجود. هذا التوازن لا يُعطى جاهزا بل يُبنى عبر ممارسة مستمرة للنقد والتأمل وعبر انخراط فعلي في قضايا الواقع.

إن هذا المسار لا يفضي إلى حكمٍ فاصل بقدر ما ينفتح على أفقٍ رحب يظل فيه السؤال معلقا حول الكيفية التي يمكن بها تطوير هذا التركيب في المستقبل. ومع ذلك يمكن الجزم بأن الفكر الذي لا يمتلك جرأة النقد الذي قد يفقده طاقته على التجدد كما أن الفكر الذي يتنكر لمنظومة القيم يفقد دلالته ووجهته. وبين هذين القطبين يتشكل المجال الحيوي للممارسة الفلسفية حيث يغدو العقل فعلا حيا يتغذى من توتره الداخلي وينزع باستمرار إلى تجاوز حدوده الخاصة.

ويتضح أن الرهان الجوهري لا يتمثل في ترجيح كفة نموذج على آخر بل في استثمار هذا التوتر ذاته بوصفه قوة مولدة قادرة على فتح آفاق جديدة للتفكير والعمل. وهنا تتجلى قيمة الفلسفة لا باعتبارها نسقا مغلقا يقدم أجوبة نهائية بل بوصفها ممارسة تظل وفية لروح السؤال حارسة لإمكان المعنى ومجالا دائما لتجدد العقل في أفق لا ينغلق.

***

د. حمزة مولخنيف