أقلام فكرية
حمزة مولخنيف: من الأنطولوجيا إلى التفكيك
تحوّل سؤال الوجود من مارتن هايدغر إلى جاك دريدا
يعود سؤال الوجود في كل لحظة يظن فيها الفكر أنه استقر على أرض صلبة ليقوّض هذا الاستقرار من الداخل ويعيد فتح الأفق على ما لا يُحاط به. ذلك أن الكينونة لا تنقاد إلى تعريف نهائي ولا تستجيب لإرادة الإحكام المفهومي التي دأبت الميتافيزيقا على ممارستها عبر تاريخها الطويل. كلما حاول الفكر أن يقبض عليها بوصفها موضوعا أفلتت منه لتظهر في هيئة أفق يسبق كل تحديد ويؤسس إمكانه من حيث لا ينتبه. ومن ثمّ لا يبدو سؤال الوجود مجرد مسألة ضمن مسائل الفلسفة بل الشرط الذي يجعل التفلسف ممكنا أصلاً والجرح المفتوح الذي يمدّه بحيويته وقلقه.
ولا يمكن قراءة تاريخ الفلسفة بوصفه تراكماً لإجابات نهائية بل كسلسلة من المحاولات التي تعيد صياغة السؤال نفسه في لغات ومقاربات مختلفة. فالميتافيزيقا منذ نشأتها اليونانية انشغلت بتحديد الموجودات وترتيبها داخل أنساق عقلية تمنحها قابلية للفهم والتصنيف. غير أن هذا الانشغال على ضرورته كان يصرف النظر عن السؤال الأعمق: ما معنى أن يكون الموجود موجودا؟ أي ما معنى الكينونة التي تتيح لكل موجود أن يظهر بوصفه كذلك؟ هنا يظهر أن ما تمّ نسيانه ليس تفصيلاً عرضيا بل هو الأساس الذي كان ينبغي أن يُفكّر فيه.
وتكتسب لحظة مارتن هايدغر طابعا حاسما إذ لم يتعامل مع هذا النسيان بوصفه نقصا عابرا بل بوصفه بنية ممتدة في صلب الفكر الغربي. لقد رأى أن الميتافيزيقا منذ أفلاطون انزلقت تدريجيا نحو تثبيت الحضور فغدا الموجود يُفهم من خلال ما هو ثابت وقابل للتمثل، بينما تراجعت الكينونة إلى خلفية صامتة لم تُمنح ما تستحقه من تفكير. لذلك لم يكن مشروعه مجرد تصحيح لمسار بل إعادة توجيه جذرية للفلسفة نحو سؤالها الأول.
غير أن إعادة طرح سؤال الوجود عند هايدغر لا تعني العودة إلى أصل تاريخي يمكن استعادته كما هو بل تعني الانخراط في حركة تفكير تنبش ما توارى داخل اللغة الفلسفية ذاتها. فالمفاهيم التي ورثها الفكر ليست محايدة بل مشبعة بإرث ميتافيزيقي يجعل من الكينونة شيئا قابلاً للتمثل. من هنا جاء سعيه إلى إعادة تشكيل اللغة لا عبر استبدال مصطلحات بأخرى فحسب بل عبر الإنصات لما يتخلل القول من صمت وما يظهر فيه من انكشاف وانحجاب في آن.
لقد منح هايدغر للغة مكانة مركزية حين اعتبرها "بيت الوجود"، أي المجال الذي تنفتح فيه الكينونة على إمكان الظهور. غير أن هذا البيت ليس بناءً مكتمل الأركان بل فضاء يتحدد عبر توتر دائم بين الكشف والحجب. فالوجود لا يُعطى في حضور صافٍ بل يتجلى عبر حركة تَظهر فيها الأشياء بقدر ما تنسحب. ولا تكون الحقيقة متطابقة بين فكر وواقع بل حدثا يقع داخل اللغة حيث يتداخل الانكشاف مع الانسحاب.
هذا التحول في فهم الحقيقة يفضي إلى إعادة صياغة علاقة الفكر بالعالم. فبدلاً من أن يكون التفكير مرآة تعكس ما هو موجود، يغدو انخراطا في حدث الكينونة ذاته. ولم يعد السؤال الفلسفي بحثا عن يقين نهائي بل انفتاحا على ما يجعل اليقين ذاته ممكنا إلا أن هذا الانفتاح على عمقه لا يضع حدا للقلق بل يعمّقه، لأنه يكشف أن ما يُراد الإمساك به يظل دائم الانفلات.
ويبرز مشروع جاك دريدا بوصفه امتدادا وتحويلا في آن واحد. فهو لا ينفصل عن الإرث الهايدغري بل يتحرك داخله غير أنه يدفعه إلى تخوم لم يبلغها. فإذا كان هايدغر قد سعى إلى استعادة سؤال الوجود من نسيانه فإن دريدا يتجه إلى مساءلة البنية التي تجعل هذا النسيان ممكنا أصلاً، أي أنه لا يكتفي بإعادة طرح السؤال بل يعمل على تفكيك الشروط التي تمنحه صيغته.
وينطلق دريدا من ملاحظة دقيقة مفادها أن الميتافيزيقا الغربية قامت على مركزية الحضور أي على افتراض أن المعنى يمكن أن يُعطى في شكل مكتمل أمام الوعي. غير أن هذا الافتراض في نظره يخفي بنية أعمق تقوم على الاختلاف والتأجيل. فالمعنى لا يظهر دفعة واحدة بل يتشكل عبر سلسلة من الإحالات التي لا تنتهي حيث يحيل كل دال إلى دال آخر دون أن يبلغ نقطة استقرار نهائية.
هذا ما عبّر عنه بمفهوم "الاختلاف" الذي يجمع بين التباين والتأجيل في آن. فالمعنى يتولد من الفروق بين العلامات لكنه يتأخر دائما عن الاكتمال لأن كل علامة تشير إلى غيرها داخل شبكة لا مركز لها. والنص ليس وسيطا ينقل معنى سابقا عليه بل فضاء ينتج المعنى عبر حركته الداخلية. ولا يمكن الحديث عن حضور خالص لأن كل حضور يحمل في داخله أثر غياب يؤجله.
ويتحول مفهوم الأصل نفسه إلى إشكال، فالأصل الذي كان يُفهم بوصفه نقطة تأسيسية يظهر الآن بوصفه أثرا يتشكل داخل سلسلة من الإرجاءات. كل محاولة لتثبيته تعيد إنتاج غيابه في صورة أخرى، لذلك لا يكون الأصل ما يسبق الحضور بل ما يتولد داخله بوصفه أثرا لا يمكن الإمساك به. والتفكيك ليس هدما للأصول بل كشفا لكونها لا تستقر إلا عبر ما ينفيها.
هذا التحول يطال أيضا مفهوم الزمن فعند هايدغر يرتبط الوجود بالزمانية إذ لا يظهر إلا داخل انفتاح الكائن على إمكاناته. الحاضر ليس نقطة معزولة بل امتداد يستبقي الماضي وينفتح على المستقبل. غير أن دريدا يذهب أبعد حين يرى أن هذا الحاضر نفسه لا يتحقق إلا عبر سلسلة من التأجيلات ولا يوجد حضور صافٍ بل أثر لحضور يتشكل عبر غياب متداخل. الزمن هنا ليس إطارا للأحداث بل بنية للمعنى ذاته.
كما ينعكس هذا التحول على مفهوم الذات، فإذا كانت الفلسفة الحديثة قد أسست الذات على حضورها لذاتها فإن التفكيك يكشف أن هذا الحضور ليس شفافا بل يتوسطه خطاب لغوي. الذات لا تسبق اللغة بل تتشكل داخلها ومن ثمّ فهي ليست مركزا ثابتا بل بنية من الاختلافات. بذلك تتزعزع فكرة الهوية الصلبة لتحل محلها هوية متحركة لا تستقر عند حد.
وتتغير طبيعة الفلسفة نفسها حيث لم تعد بحثا عن جوهر ثابت بل ممارسة تحليلية تنقب في شروط إنتاج المعنى داخل النصوص. وهذا لا يعني التخلي عن السؤال الفلسفي بل إعادة صياغته في مستوى آخر حيث يغدو التفكير اشتغالا على الحدود بدلا من السعي إلى تجاوزها. فالتفكيك لا يهدم الخطاب بل يكشف ما يتخلله من توترات وما يخفيه من افتراضات.
ولا ينبغي فهم العلاقة بين هايدغر ودريدا بوصفها قطيعة بل بوصفها توترا خلاقا. فهايدغر أعاد فتح سؤال الوجود ودريدا واصل هذا الفتح عبر مساءلة شروطه. الأول سعى إلى استعادة الكينونة من نسيانها، والثاني كشف أن هذه الاستعادة لا تتم إلا داخل بنية لغوية تمنع اكتمالها. وبين المسارين يتحدد أفق الفكر المعاصر بوصفه مجالا مفتوحا لا يستقر.
في سياق يتوتر فيه هذا الفهم، ينفلت الانتقال من الأنطولوجيا إلى التفكيك مجرد تعاقب تاريخي بل تحول في نمط التفكير ذاته. الأنطولوجيا كانت تبحث عن أساس يؤسس المعنى بينما التفكيك يكشف أن هذا الأساس نفسه غير قابل للتثبيت. غير أن هذا لا يعني الوقوع في العدمية بل الانخراط في فهم أكثر تعقيدا يجعل من المعنى حدثا لا يُمتلك بل يُعاش في حركته.
هنا تحديدا يتعرّى وهم القبض النهائي على الكينونة التي ليست معطى جاهزا بل أثر يتشكل داخل شبكة من العلامات ويتأجل داخل الزمن وكل محاولة لإحاطتها تظل مؤقتة، لأن ما يُراد القبض عليه يتجاوز كل صيغة. وما يمنح الفلسفة طابعها المفتوح هو أنها لا تصل إلى نهاية بل تستمر في إعادة طرح السؤال. فكل جواب ليس إلا لحظة داخل مسار أطول يعيد تشكيل نفسه باستمرار ولا يكون التفلسف امتلاكا للحقيقة بل مرافقة لانبثاقها والإنصات لتحولاتها.
إن ما يتكشف في ذروة هذا التشكّل هو أن القلق الذي يسكن سؤال الوجود ليس عرضا ينبغي تجاوزه بل شرطا لا غنى عنه فبدونه يتحول الفكر إلى تكرار جامد ومعه يظل في حالة يقظة دائمة. لذلك لا ينبغي النظر إلى التفكيك بوصفه نهاية للأنطولوجيا بل بوصفه استمرارا لها في مستوى أكثر راديكالية.
ويغدو تاريخ الفلسفة تاريخا لتحولات السؤال ذاته لا لتراكم الإجابات، من أفلاطون إلى هايدغر ومنه إلى دريدا، يتغير شكل السؤال لكن القلق الذي يحمله يظل قائما. غير أن هذا القلق لا يشير إلى نقص بل إلى غنى لأنه يفتح الفكر على إمكانات لا تنتهي.
إن الوجود لا يُعطى بوصفه موضوعا بل بوصفه حدثا يتكرر داخل اللغة ويتحول داخل النصوص ويتأجل داخل الزمن. لذلك فإن التفكير فيه لا ينتهي بل يستمر بوصفه حركة دائمة حيث كل اقتراب يفضي إلى ابتعاد وكل فهم يفتح أفقا جديدا للتساؤل. هنا يكمن رهان الفلسفة لا في امتلاك الحقيقة بل في البقاء داخل سؤالها حيث لا نهاية للمعنى ولا حدّ للانكشاف.
***
د. حمزة مولخنيف







