أقلام فكرية
غالب المسعودي: أنطولوجيا الاستلاب
سيميولوجيا القطيع وآليات التفتيت الإمبريالي في الشرق الأوسط
في ماهية التبعية الوجودية: تعد العلاقة التفاعلية بين السلوك الجمعي وآليات الهيمنة السياسية من أكثر المباحث تعقيداً في الفكر الفلسفي المعاصر؛ إذ إنها لا تتوقف عند حدود السيطرة الفيزيائية، بل تتجاوزها إلى تداخل عضوي بين الغريزة الوجودية والتلاعب الممنهج بالوعي العام لإنتاج أنماط من "التبعية الأنطولوجية". إن الهدف الأسمى للاستراتيجيات الإمبريالية في منطقة الشرق الأوسط ليس مجرد الاستيلاء على الجغرافيا، بل "استعمار العقول" عبر تقنيات التفتيت التي تضمن استدامة الهياكل السلطوية. تتبدى في هذا الفضاء النظري ثلاثية مفاهمية متضافرة: "القطيع" بوصفه تمثيلاً للمجتمع المستلب، و"الذئب" باعتباره المحرك الدافوني للقلق الوجودي، و"سلطة الغذاء" كأداة للتدجين المادي والرمزي. تطمح هذه الدراسة إلى تقديم تحليل بنيوي لهذه الرموز، لفهم كيفية توجيه الجماهير من حالة الفعل التاريخي إلى حالة "الدوران العبثي" حول الذات.
ديناميكيات الانقياد ونظرية "الفعل الدوراني"
تستهل دراسة سلوك القطيع بمراقبة حالة السكون داخل "الحظيرة" أو "المدار السياسي" المغلق، حيث يعيش المجتمع حالة من الرضا البيولوجي القائم على توفر الاحتياجات الأولية. هذا الاستقرار ليس نتاج وعي جمعي بالحرية، بل هو حالة من "الاستئناس السياسي" التي يقطعها دخول "المؤثر الخارجي". في اللحظة التي يلوح فيها "الذئب" في الأفق، لا يبدي القطيع رد فعل دفاعي منظم، بل ينخرط فيما يمكن تسميته "الفعل الدوراني" أو "الطحن الوجودي".
يتمثل الفعل الدوراني في تحول الحركة الخطية الهادفة (التي تنشد التقدم والتحرر) إلى حركة دائرية عشوائية حول مركز مفرغ. تبدأ هذه الحركة بانتقال "العدوى السلوكية" بسرعة مذهلة؛ حيث يتخلى الفرد عن أدوات إنتاجه وعطشه للحرية لينخرط في المسار العبثي للجماعة الخائفة. يكمن وجه الغرابة في هذا التحول في طبيعة الإدراك البيني؛ إذ إن الفرد الذي يطلق صرخة التحذير الأولى يتحول في وعي بقية الأفراد -خاصة الفئات الأقل نضجاً- إلى كائن مريب يتماهى مع صورة "الذئب" نفسه. هذا الارتداد الإدراكي يخلق حالة من "الرهاب الجمعي" التي تلغي التمييز بين الصديق والعدو، مما يحول الكتلة البشرية إلى طاقة هادرة تبدد نفسها في الدوران حول نفسها، دون تحقيق أي اختراق حقيقي في جدار الهيمنة.
الذئب كفزاعة سياسية ومحرك بيولوجي للقلق
يمثل "الذئب" في المتخيل الجمعي المحرك الأساسي للقلق الوجودي. ومن المنظور الفلسفي، يتجاوز حضور الذئب حقيقته البيولوجية ليكون "العدو الاستراتيجي" الضروري لتبرير وجود السور والقيود. إن الإمبريالية تدرك تماماً أن السيطرة على القطيع تتطلب وجود تهديد دائم يتربص بالحدود، لذا يتم استحضار "الذئب الرمادي" -سواء كان خطراً حقيقياً أو فزاعة مصطنعة- لتعزيز الشعور بالحاجة الدائمة إلى "الراعي" أو السلطة الحامية.
إن هذا القلق المصطنع يؤدي إلى تعطيل الملكات النقدية؛ ففي مواجهة الفناء المتخيل تحت أنياب الذئب، تصبح التنازلات السياسية والحقوقية ثمناً مقبولاً للأمان الزائف. هكذا، يتحول الخوف من أداة للبقاء إلى "تقنية للحكم"، حيث تُدار المجتمعات عبر "سيكولوجية الترقب"، مما يبقيها في حالة استنفار دائم يمنعها من الالتفات إلى آليات القمع الداخلية التي تنهك جسد المجتمع أكثر مما يفعل الذئب المتربص بالخارج.
سيميولوجيا البطاطا وجدلية الصمود والتدجين
تعد البطاطا، في تاريخ الصراعات الطبقية، رمزاً للاكتفاء الذاتي لدى الشعوب المقهورة. فقدرتها على النمو في أحشاء الأرض جعلتها بمنأى عن دمار الجيوش العابرة التي كانت تدهس المحاصيل السطحية. ومن هذه الزاوية، كانت تمثل "سلاح الفقراء" الصامت في وجه الغزاة. إلا أن التحليل الفلسفي للواقع المعاصر يكشف عن تحول خطير في هذه الرمزية؛ حيث تم تحويل هذه المادة من رمز للصمود إلى تمثيل رمزي لمجتمع يتم سلقه وهرسه.
إن عملية إعداد "سلطة البطاطا" سياسياً هي عملية "تحكم حيوي" دقيقة:
مرحلة السلق: تعريض البنية المجتمعية لضغوط اقتصادية واجتماعية خانقة (الماء المغلي) حتى تفقد الجماهير صلابتها المبدئية وتصل إلى مرحلة "النضج القسري".
مرحلة الهرس: تفكيك الروابط البينية وتحويل المجتمع من قوى فاعلة متمايزة إلى كتلة هلامية متجانسة بلا ملامح، قابلة للتشكيل وفق رغبة السلطة.
مرحلة التتبيل: إضافة الملهيات الإيديولوجية والوعود الواهية والصراعات الهامشية (المنكهات) لجعل حالة التبعية والهرس مستساغة ومقبولة.
هنا، تصبح "السلطة" (بوصفها طبقاً) بديلاً عن "السلطة" (بوصفها قراراً سيادياً). إن المجتمع الذي يتم اختزاله في همومه المعيشية الضيقة يفقد القدرة على التنظيم الكلي، ويتحول إلى "ذرات متنافرة" تبحث عن خلاص فردي في طبق "السلطة" المتاح، وهو ما يطلق عليه "التفتيت الاجتماعي الممنهج".
الاغتراب الرقمي و"المعمعة" كفقدان للمركز
مع الانتقال إلى الفضاء الافتراضي، اتخذ "الفعل الدوراني" لبوساً جديداً وأكثر خطورة. لقد تحول الضجيج الرقمي إلى "معمعة" حديثة، حيث يمارس رواد هذه المنصات سلوك القطيع الرقمي عبر "الهجمات الرمزية" على قضايا هامشية. هذا الاستهلاك للطاقة الذهنية في "طحن الهواء" الرقمي يمنع الفرد من صياغة موقف نقدي تجاه القوى الإمبريالية التي تحرك الخيوط من خلف الستار.
المأساة تكمن في أن "سلطة البطاطا الرقمية" أصبحت تُحضر بمواد مضللة ومعلومات مشوهة لا تتطلب جهداً في التمحيص. إن المجتمعات لم تعد تُسلق ببطء، بل يتم استثارتها بـ "وجبات سريعة" من الفضائح التي تجعل الجميع يدورون في حلقة مفرغة، متوهمين أنهم يمارسون فعلاً سياسياً ثورياً، بينما هم في الحقيقة يعيدون إنتاج مشهد العبث؛ يغرسون ملاعقهم في الفراغ الافتراضي، بعيداً عن ميادين التأثير الحقيقي والاشتباك الواعي مع الواقع.
الأفق المستقبلي – من الاستهلاك إلى الفعل الجذري
إن الخروج من شرنقة التبعية يتطلب انقلاباً إدراكي والتوقف عن "المعمعة" هو الخطوة الأولى نحو استعادة المركزية التاريخية للشعوب. يتحدد الأفق المستقبلي في ثلاث مسارات جوهرية:
تفكيك "صناعة الخوف": يجب على العقل الجمعي أن يتحرر من "ميتافيزيقيا الذئب"، عبر تمييز المخاطر الحقيقية من تلك التي تُختلق لتبرير التبعية. إن الوعي بأن "السور" هو سجن بقدر ما هو حماية هو بداية التحرر.
استعادة "السيادة المعرفية والمادية": تحويل الرموز من مادة للاستهلاك والتدجين إلى بذور للوعي تنبت في تربة وطنية مستقلة. إن الاكتفاء الذاتي يبدأ من "رغيف الخبز" وينتهي بـ "استقلال القرار".
الانتقال من "القطيع" إلى "الذوات الفاعلة": استبدال الفعل الدوراني العشوائي بـ "الفعل الخطي الهادف". وهذا يتطلب تنظيماً سياسياً ونقابياً يتجاوز ردات الفعل الآنية إلى التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد، ورفض الانجرار وراء القضايا الهامشية التي تهدف فقط إلى تفتيت الجهد الجماعي.
في ضرورة الانبعاث الحضاري
في نهاية المطاف، تظل "سلطة البطاطا" خياراً سهلاً ومتاحاً، ولكن ثمن السهولة في السياسة هو الارتهان الدائم للقوى الإمبريالية. إن المراهنة الحقيقية ليست في تحسين ظروف العيش داخل "الحظيرة"، بل في تحطيم الأسوار المعرفية والنفسية التي تحول دون انطلاق المجتمعات نحو آفاق الحرية والسيادة. إن المجتمع الذي يكتفي بفتات الموائد سيفقد دائماً بوصلة التاريخ. الرهان هو تحويل تلك "البطاطا" من مادة للمضغ إلى وقود للانبعاث الحضاري، حيث تنبت الإرادة من أعماق الأرض، بعيداً عن أقدام الجيوش وملاعق الهيمنة.
***
غالب المسعودي







