عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

حمزة مولخنيف: إشكالية التعيين المفهومي

كيف يُنتج الفكر الفلسفي موضوعاته عبر اللغة؟

يحسب كثير من الناس أن الفيلسوف يجد موضوعاته مطروحة أمامه كالأشياء في متناول اليد فيأخذ منها ما يشاء ويترك ما يشاء، ثم يشرع في تحليلها وتفكيكها وتركيبها بحسب منهاجه. وهذا الحسبان وإن كان فيه جانب من الصدق فيما يخص بعض فروع المعرفة الإنسانية فإنه في ميدان الفلسفة تحديداً لا يعدو أن يكون وهماً جميلاً أو بساطة مفرطة. فالحق الأصيل الذي تغفله هذه النظرة الساذجة هو أن الفكر الفلسفي لا ينشط في عالم صامت مملوء بموضوعات جاهزة، بل إنه يضطر أولاً إلى صنع موضوعاته بنفسه قبل أن يشرع في الحكم عليها. وصنع الموضوعات هذا ليس عملية اعتباطية ولا تنم عن عبقرية فردية فذة فقط، بل هو مرتهن بأداة لا مندوحة عنها للفكر أي  اللغة. فاللغة ليـست هنا وعاءً محايداً تصب فيه الأفكار كما يصب الماء في الإناء وليست مرآة شفافة تعكس ما في الذهن أو ما في العالم بل هي المعمل السري الذي تُصهر فيه المواد الخام المتمثلة في البداهات الحسية والتصورات اليومية والحدسيات المباشرة لتخرج في النهاية سبائك معرفية نسميها "المفاهيم الفلسفية". وإن مما يثير العجب والاعتبار أن هذه العملية تبقى عادة خافية على الفلاسفة أنفسهم فينخرطون في انتقاد مفاهيم بعضهم بعضاً وهم غافلون عن أن تلك المفاهيم لم تنزل من السماء ولم تستخرج من باطن الأرض بل نتجت من تحولات دقيقة داخل نسيج لغوي معين له تاريخه وحدوده وتجاعيده. ولذلك فإن السؤال المحوري الذي يفرض نفسه على كل تأمل فلسفي جاد اليوم ليس "ما طبيعة الوجود؟" أو "كيف نكتشف الحقيقة؟" بقدر ما هو سؤال أشد إلحاحاً وأكثر إرباكاً كيف للفكر أن ينتج موضوعاته الخاصة انطلاقاً من اللغة التي لا تنفك تحمله وتقيده في آن واحد؟ وكيف يمكن للفيلسوف أن يثق في تلك الموضوعات وهو يعلم أنها مولودة من رحم لفظي ربما كان مجرد استعارة بالية أو أداة نحوية استثنيت من سياقها الأصلي؟ هذه المقالة محاولة لتفكيك هذه الإشكالية من جذورها متتبعة آثارها في لحظات تأسيسية من تاريخ الفلسفة ناقبة عن تلك الخيوط الخفية التي تصل بين الصياغة اللغوية والولادة المفهومية وباحثة في الإمكانية المزدوجة للتعيين: أهو اكتشاف لما هو موجود أم اختراع لما لم يكن؟.

ولا ينبغي لنا أن نتوهم ولو للحظة أن الفلسفة تجد موضوعاتها مطروحة أمامها كأشياء صامدة في العالم جاهزة للالتقاط والتداول، فليس الفلاسفة كمن يقطفون الثمار من الأشجار أو كنقَّاد الصخور يجمعون العينات من سفح الجبل. إن ما يسميه المرء "موضوعاً فلسفياً" ليس سوى نتاج عملية لا متناهية من الحفر في طبقات اللغة نفسها، حيث تنبثق الأسئلة من تشققات المعاني وتصدعات الاستعمالات اليومية التي نغفل عنها عادةً حين نلفظ الألفاظ ونحن على يقين من أنها تحيل إلى مرجعيات مستقرة. والحق أن هذه اليقينية هي أول ما يهشمه الفكر الفلسفي حين يقبل على مهمته ذلك أن الفلسفة لا تبدأ إلا حيث تنتهي بداهات اللغة اليومية وحيث يتبين للوعي الناقد أن ما كان يظنه مجرد تسمية لما هو موجود لم يكن في حقيقة الأمر سوى إنتاج لذلك الموجود نفسه في لحظة تسميته.

هاهنا نقع في قلب الإشكالية الأكثر إلحاحاً في تاريخ الفكر الحديث والمعاصر، كيف للفكر أن يصوغ موضوعه من دون أن يكون قد سبقه إلى الوجود ما يصوغه؟ وكيف للغة أن تتعين مفاهيم قبل أن تكون هناك مفاهيم متعينة؟ إنها معضلة الدائرة التي لا مفر منها، فأنت لا تستطيع أن تنطق باسم الشيء قبل أن تتصوره ولا تستطيع أن تتصوره قبل أن تنطق باسمه. والذي أفلت أيدي فلاسفة اليونان الأوائل حين كانوا يظنون أن اللغة مرآة للوجود عاد فاستفحل عند هيجل حين أدرك أن الروح لا تصير ذاتها إلا عبر نفيها لنفسها في اللغة ثم انقلب على أعقابه في فلسفات القرن العشرين التي لم تتردد في القول بأن "اللغة هي بيت الوجود" على نحو ما قاله هيدغر، وهو قول يقذف بنا إلى مغامرة فكرية لا تقل خطراً عن مغامرة كوبرنيكوس، فكما أن الأرض لم تكن قط مركز الكون فكذلك الفكر على استكباره وتيجانه ليس مركز اللغة. بل اللغة هي السيدة التي تضمر الفكر في أحشائها وتفتقه من رحم اشتغالاتها الصامتة، ونحن نقر بأن ما نزعمه من حقيقة ليس إلا وليد كلمة استحالت فكرة وأن لا يقين لنا إلا أننا لا نملك اليقين.

فلنتأمل مثلاً مفهوم "الوجود" نفسه. هل كان هذا المفهوم مطروحاً في العالم قبل أن يبدأ بارمنيدس في صوغ قصيدته التعجازية القائلة "إنه يوجد وجود وإن العدم لا يوجد"؟ كلا وألف كلا فما فعله بارمنيدس لم يكن التقاطاً لشيء قائم هناك بل كان اختراعاً لفضاء فكري جديد من خلال إعمال أداة الربط "يكون" أو "يوجد" وإخضاعها لمعالجة منطقية تكاد تكون عنيفة. لقد حوَّل الفعل الكوني المجرد من صيغته النحوية التي تصل بين المسند والمسند إليه إلى جوهر ميتافيزيقي قائم بذاته وهذه هي عين لعبة الفلسفة، أن تسحب العناصر الشكلية من اللغة التي نمر عليها مروراً عابراً فتجعل منها موضوعات للتفكير ثم لا تلبث أن تنسى أنها فعلت ذلك فتعود فتتصور أن تلك الموضوعات كانت موجودة على الدوام.

ثمة واقعة لافتة في هذا السياق يرويها أرسطو في كتابه "ما بعد الطبيعة"، تلك الواقعة التي تجعلنا نقف على أثر الإنتاج اللغوي للفلسفة في أنقى صوره. إنه يتحدث عن أولئك الفلاسفة الذين سبقوه ممن أطلق عليهم اسم "الفيزيائيين" لأنهم بحثوا في الطبيعة، فيقول إنهم مع إمعانهم في البحث عن المبادئ الأولى للأشياء لم يخطر ببالهم قط أن يسألوا عن معنى القول بأن شيئاً "يكون" أو "يوجد". أي إنهم استعملوا الفعل "يكون" عشرات المرات في كل جملة من جملهم لكنهم لم يحولوه إلى موضوع بل ظل حبيس وظيفته النحوية الملازمة للخبر المحمول على الموضوع. ولم يجئ أفلاطون حتى ينتزع هذا الفعل من تلك الوظيفة فيضعه تحت مجهر المفاهيم ويجعله سؤالاً ثم يأتي أرسطو بعده فيعمل على تحليل معاني الوجود المختلفة وفق مقولاته العشر. أليس هذا درساً بليغاً في كيفية أن الفلسفة لا تنشأ من رؤية ما هو موجود بل من تعطيل عمل اللغة اليومي ومن كسر الآلة التي تجعلنا ننسى أننا نستعمل الألفاظ كأدوات شفافة لنعيد ضبطها كأشياء كثيفة بذاتها؟

إن التعيين المفهومي إذاً هو عملية لا تهدأ ولا تستقر، وخير مثال عليها ما حدث في القرنين السابع عشر والثامن عشر لمفهوم "الذات". فمنذ أن صاغ ديكارت صيغته الشهيرة "أنا أفكر، إذن أنا موجود"، وهو ما يسميه اللاتينيون "Cogito ergo sum"، لم يكن قد اكتشف ذاتاً مستقرة وكاملة جالسة في أعماق الوعي تنتظر من يصفها. بل كان قد بنى تركيباً لغوياً جديداً، صيغة المتكلم إلى جانب الفعل "أفكر" بحيث أصبح هذا الفعل مرفوعاً إلى فاعل ضميري لا يمكن إرجاعه إلى شيء آخر. ثم أخذ لايبنتس هذه الآلة اللغوية فزادها تعقيداً حين جعل "الأفكار" لا تنتمي إلى فاعل واحد بل هي "مونادات" لا نوافذ لها ثم أتى كانط فخلع على هذه الذات صفات جديدة، أي الوحدة المتعالية للتطابق والقدرة على تركيب الأحكام ثم أتى فيخته فهدم البناء وأعاد بناءه من جديد على أسس أكثر تطرفاً حيث صارت الذات لا تكتشف نفسها إلا في فعل وضعها لنفسها، وما هذا الفعل في حقيقة الأمر إلا فعل لغوي محض، أن تقول "أنا" هو أن تنتج ما تعنيه هذه الكلمة وليس أن تدل على شيء سابق. ثم جاء هوسرل ليعلق العالم كله بين قوسين، أي أن يحكم على كل ما هو موجود خارج الوعي بأنه موضوع بين قوسين من الإهمال المؤقت فيكتشف أن "الأنا" التي بقيت بعد هذا التعليق ليست أنا الإنسان الطبيعي بل أنا خالصة من كل تحديد غير وعيها بوعيها أي أن "الأنا" صارت مساوية لفعل "يكون وعيها لذاتها"، وهذا الفعل هو نفسه فعل اللغة التي تنطق باسم ذاتها.

أما نيتشه فقد أتى فيلسوفاً أشد جرأة من أولئك جميعاً فلم يكتف بمراقبة هذه العملية بل اصطاد الفلسفة ذاتها في شركها. حيث يقول في أحد نصوصه: "إن الفلاسفة يسرقون تعابير من اللغة اليومية فيحولونها إلى مفاهيم ثم ينسون أنهم فعلوا ذلك فيتصورون أن تلك المفاهيم أزلية مطلقة". فأخذ المفهوم الذي كان كل فلاسفة أوروبا يبنون عليه صروحهم، مفهوم "السببية" وقال: إن العقل هو من وضع السببية في الأشياء قسراً بفعل حاجته إلى التفسير وما كان هناك قط ما يسمى "سبباً" و"مسبباً" في العالم الخارجي بل هناك فقط تعاقب وقائع متشابكة لا تتيح التمييز الحاد. ولولا أن اللغة تفرض علينا بناء الجمل الفعلية المكونة من فاعل وفعل ومفعول لما خطر ببال أحد أن هناك "أنا" تفعل شيئاً أو أن هناك "شيئاً" يفعله فاعل. إن صيغة "إنها تمطر" الواردة في لغات كثيرة لا تحتوي على فاعل حقيقي فتمطر من؟ هنا يكمن شر اللغة، إنها تجعلنا نبحث دوماً عن فاعل خلف كل فعل ومن ثم نقع في أوهام كالنفس والذات والجوهر والإله.

ولم يقف هيجل عند هذه الحدود بل تجاوزها في اتجاه أكثر دهاء. لقد تصور أن تطور الفكر الفلسفي هو بالذات تطور اللغة التي يصوغ بها الفكر نفسه لكنه قلب المسألة رأساً على عقب حين جعل الفكر لا يستطيع أن يتطور إلا عبر تناقضاته الخاصة مع نفسه. والنقطة الجوهرية هنا أن هذه التناقضات تظهر أولاً في شكل مفردات وتركيبات لغوية. فكيف لنا أن نفكر في "الوجود" دون أن يتولّد بجانبه "العدم"؟ والحال أن كلمة "العدم" ليست إلا اسماً صاغه العقل من أداة النفي "لا" ثم أقحمها في سلسلة الأسماء. أتدرون ما معنى هذا؟ إنه يعني أن الفلسفة توجد موضوعاتها من حطام أدواتها النحوية ثم تجعل من هذا الحطام قلاعاً للتفكير. فـ"لا" التي نستخدمها لنفي وجود شيء ما تتحول إلى "العدم" وهو مفهوم شهير أرهق الفلاسفة قروناً و"نحن" التي نستخدمها كضمير للجماعة تتحول إلى "روح الشعب" أو "الوعي الجمعي" حسب الدارسين و"كل" التي نستخدمها لتعميم الحكم تتحول إلى "الكون" أو "الكل" الذي بحث فيه الفلاسفة الطبيعيون.

والمثير للسخرية أن هذا الإنتاج لا يعترف بنفسه أبداً، فالفيلسوف حين يكتب نصا يدعي فيه أنه يقدم نظرية عن "الزمان" أو "المكان" أو "الحرية" لا يأتي على ذكر أنه صاغ هذه الموضوعات من لغة رآها أمامه في قواميس وتركيبات موروثة. بل يكتب بثقة المحتل لوطنه أو كأن مسقط رأسه هو ما شرع هذه المفاهيم. لكن الحقيقة أن الفلسفة تعيش حالة انفصام، فمن جهة تستعمل لغة هي نتاج تطور تاريخي واجتماعي طويل ومن جهة تدعي لنفسها صفة العالمية والخلود. وهذا التناقض ليس عيباً يمكن تصحيحه بل هو شرط إمكان الفلسفة ذاتها لأنه لولا أن اللغة تحمل في داخلها سلسلة من الافتراضات المسبقة لما وجد الفيلسوف ما يتشبث به ليبدأ منه تفكيره.

تأملوا ويلفريد سيلارز ذلك الفيلسوف الأمريكي الذي كتب مقالته الشهيرة "العلم والإبستمولوجيا" قائلاً إن الإنسان يولد في "فضاء الأسباب" أي في فضاء لغوي يسبقه إليه آباؤه ومربوه. لكن ما أغفله سيلارز أو أهمله هو أن هذا الفضاء ليس محايداً بل هو مشحون بكل استعارات الماضي ومدخراته وأحكامه الخفية. الفيلسوف لا يبني بيته من جديد كل مرة بل يعيد ترميم بيت هو قائم بالضرورة لكنه غير راض عنه فيبدل أساساً ويقيم جداراً ويهدم آخر وأحياناً يظن أنه يبني من الصفر بينما هو لا يعرف لبنة إلا كانت من صنع غيره من قبله. إنه مثل ذلك الرجل الذي يحلم كل ليلة أنه يخترع ألفاظاً جديدة من العدم فيستيقظ ذات صباح ليجد أن أحرفه هي ذات حروف لغته التي تعلمها في صباه ولم يستطع التخلص منها.

إن القارئ المنصف ليتذكر أننا كنا بصدد تتبع تلك الآلية الخفية التي تمكن الفكر الفلسفي من أن يصوغ موضوعاته من خلال اللغة لا من خلال الاحتكاك المباشر بما يسمى "العالم الخارجي". وقد أفضى بنا السياق إلى القول إن كل مفهوم فلسفي هو في حقيقة الأمر نتيجة عملية تحويل لمكون نحوي أو أداة لغوية إلى جوهر ميتافيزيقي، فيُنسى أصل هذا الجوهر بعد حين فيُعتقد أنه مطابق لحقيقة قائمة بنفسها قبل اللغة وخارجها. غير أن هذا الكشف وحده لا يكفي بل ينبغي لنا أن نتقدم خطوة أخرى نتلمس فيها الطريقة التي تتم بها هذه العملية في اللحظة الراهنة أي داخل النص الفلسفي ذاته حين يشتغل الكاتب على تأليف جمله وانتقاء ألفاظه وصياغة تراكيبه.

لقد كان لودفيغ فيتغنشتاين أجرأ من عبَّر عن هذا الإشكال حين قال في كتابه "أبحاث فلسفية" إن المشكلات الفلسفية تنشأ حين "تذهب اللغة في عطلة" أي حين تتوقف الكلمات عن أداء وظائفها اليومية المألوفة فتبدو وكأنها طلاسم غامضة تستفز العقل للمعاناة معها. وربما لم يدرك فيتغنشتاين كامل ما قاله لأنه ظل مع ذلك يعتقد أن هناك استعمالاً "طبيعياً" للغة يمكن الرجوع إليه كمعيار للتمييز بين الأسئلة المشروعة والأسئلة الزائفة. لكن ما غاب عنه هو أن اللغة ليست أبداً في حالة عمل كامل أو عطلة كاملة بل هي دوماً في حالة تحول بين الاثنين وأن الفلسفة كما مارسها أعظم رجالها هي التي تصنع هذه العطلة عمداً وتستغلها لتوليد ما لم يكن موجوداً.

ونأخذ كمثال جيل دولوز ذلك الفيلسوف الذي أتقن لعبة تشكيل المفاهيم من العدم. كان دولوز يصرح في مقابلاته أنه "يخترع مفاهيمه" كما يخترع الرسام ألوانه أو الموسيقار نغماته. وما هذا الاختراع في التحليل النهائي إلا تنصيب كلمات قديمة أو جديدة في أدوار غير متوقعة وتحويلها من مجرد أصوات تحمل معنى عابراً إلى آلات حرب نظرية. حين صاغ دولوز مفهوم "الجسم دون أعضاء" مثلاً لم يكن يصف شيئاً موجوداً في أي تشريح أو بيولوجيا بل كان يركب تعبيراً استفزازياً يجمع بين المادي والروحي وبين الواقعي والمستحيل، بحيث يصبح هذا التعبير هو نفسه موضوعاً فلسفياً جديداً يُملي أسئلته الخاصة على من يتعامل معه. ألسنا هنا أمام إنتاج موضوع من لا شيء سوى من مادة اللغة وحدها؟ هل رأى دولوز قط جسماً بلا أعضاء في الطبيعة؟ كلا، لكنه بناه كما يبني النحّات تمثاله من الطين ثم جعلنا نحن القراء ننشغل به ونتجادل حوله وكأنه شيء موجود في العالم.

والواقع أن هذا البناء اللغوي للموضوعات الفلسفية لا يتم بمعزل عن صراعات القوة داخل الحقل الفلسفي نفسه وهي نقطة أضاءها ميشيل فوكو ببراعة حين كتب عن "الخطاب" وآليات إنتاجه وإخفائه. فالخطاب الفلسفي ليس ساحة مستوية يتساوى فيها الجميع بل هو فضاء تتقاتل فيه تيارات ومدارس ومفردات على الهيمنة. والفيلسوف الذي ينجح في فرض مصطلحه الجديد على الساحة كأن يفرض "الاختلاف" أو "التفكيك" أو "اللاوعي" أو "الأركيولوجيا"، لا يكون قد اكتشف حقيقة مخبأة بل يكون قد استولى على جزء من الحقل الرمزي وأخضع منافسيه للاضطرار إلى استعمال لغته أو الانخراط في نقدها. وكثيراً ما يكون هذا النقد ذاته هو الذي يعيد إنتاج المصطلح الأصلي ويضفي عليه مزيداً من القوة كما فعل خصوم هيجل حين ظنوا أنهم يهدمون الجدلية فكانوا يكررونها بأشكال أخرى.

هنا ينبغي لنا أن نتوقف قليلاً لنتأمل حالة فريدة من نوعها في تاريخ الفلسفة، حالة الفيلسوف الذي حاول أن يكتب فلسفة دون أن يستعمل أي مصطلح فلسفي سابق أعني لودفيغ فيتغنشتاين في "الرسالة المنطقية الفلسفية". لقد أراد هذا الفيلسوف النمساوي أن يبني نظاماً يعبر عن العلاقة المنطقية بين اللغة والعالم من خلال عدد محدود من العبارات مرقمة ترقيماً هرمياً وأن يضع حدا لكل ما هو غير قابل للقول قائلاً في نهاية كتابه: "ما لا يمكننا التكلم عنه يجب أن نصمت عنه". لكن المفارقة المذهلة أن الكتاب نفسه كان مليئاً بالمصطلحات الفلسفية الكبرى كالموضوع والواقع والحقيقة والشكل المنطقي بل إن صمته الأخير كان صمتاً ناطقاً بالمعنى الفلسفي أي أنه لم يكن صمتاً حقيقياً بل كان قولاً بطريقة سالبة. لقد حاول فيتغنشتاين أن يقفز خارج لغته فوقع في داخلها من جديد وأراد أن يحرر الفلسفة من أوهامها فأسس واحداً من أقوى أوهامها وهو أن ثمّة حدوداً للغة يمكن رصدها بالعقل وحده.

وثمة ظاهرة أخرى لا تقل أهمية وهي أن الفلسفة حين تنتج موضوعاتها عبر اللغة تعيد إنتاج تلك الموضوعات في شكل تراث ينتقل من جيل إلى جيل. ما معنى أن ندرس اليوم أفلاطون أو أرسطو أو كانط؟ معناه أننا نتعلم كيف نصوغ أسئلة بطريقة معينة موروثة ونستخدم كلمات مثل "المثال" و"المقولات" و"الحتمية القطعية" و"الوجود الأصيل" وكأنها كانت دائماً في انتظارنا. إن كل فيلسوف جديد يضيف طبقة من الترسيبات اللغوية فوق الطبقات السابقة والمشكلة أن الفلسفة لا تملك أداة لتنقيح تراثها اللغوي سوى الفلسفة نفسها وهذا يؤدي إلى تضخم غير مسبوق في عدد المفاهيم التي يتوقع من الدارس أن يتقنها قبل أن يبدأ بالتفكير. أليس هذا هو سبب العزوف المتنامي عن الفلسفة لدى الشباب في عصرنا؟ ليس لأن الفكر الفلسفي صار أقل حاجة بل لأن لغة الفلسفة صارت كثيفة بألف عام من العبقرية والهذيان معاً وأصبح الدخول إلى حقلها يشبه دخول مستودع مليء بالصناديق بعضها فوق بعض لا يعرف الزائر أي صندوق يفتح أولاً.

لقد أدرك بعض المحدثين هذه المعضلة فحاولوا أن يؤسسوا فلسفة لا تستعمل لغة الاصطلاحات الجامدة بل لغة الأدب والشعر. كانت هذه محاولة سيد قطب في كتاباته أو جورج باطاي في "سهم الليل" بعض الشيء لكنهم سرعان ما اكتشفوا أن الهرب من لغة الميتافيزيقا إلى لغة المجاز ليس هرباً حقيقياً، لأن المجاز نفسه يحمل في طياته ادعاءات ميتافيزيقية قد تكون أقسى من تلك التي فر منها. فالشاعر الذي يقول "الوجود حلم" ليس أقل افتراضاً للوجود من الميتافيزيقي الذي يقول "الوجود جوهر"، بل لعله أكثر افتراضاً لأنه يضيف صفة الحلم وما تحمله من دلالات نفسية وزمانية معينة.

أما وقد بلغنا ما بلغنا من تفكيك هذه الآليات فما العمل؟ هل يتعين علينا أن نكف عن التفلسف؟ أم يتعين علينا أن نتفلسف بطريقة أخرى؟ هنا يحضرني موقف جاك دريدا الذي قضى حياته كلها وهو يمارس ما سماه "التفكيك"، أي إظهار كيف أن النصوص الفلسفية تبني معناها على استبعاد وتهميش عناصر لا يمكن لها أن تستغني عنها. كان دريدا يكتب باستمرار عن أن كل مفهوم فلسفي يحتوي على مفهوم مضاد له وأن هذين المفهومين في علاقة تبادل لولبية لا تنتهي. لكن دريدا نفسه لم ينجُ من شرك اللغة التي يحللها بل ابتكر لغة خاصة به أصبحت هي الأخرى بمثابة عقيدة جديدة. لقد خلف دريدا مدرسة كاملة تردد مفرداته "الأثر" و"الاختلاف" و"الكتابة" و"الحضور الغائب" كما كان أتباع أفلاطون يرددون "المثل" و"المشاركة". وهذا يؤكد أن الإشكالية لا حل لها لأن أي حل يقترحه الفيلسوف سيكون هو نفسه حلا لغوياً سيصبح في النهاية جزءاً من الداء الذي يعالجه.

لعلنا نستطيع الآن أن نخرج من هذا المأزق الوعر باعتراف متواضع هو أن الفلسفة ليست علماً تتراكم فيه الاكتشافات كالأبراج تبنى على أسس ثابتة، بل هي فن السؤال الذي لا يهدأ وهي لعبة بناء منزل على الرمال مع الإصرار على أن هذا البناء صالح للسكن. إن التعيين المفهومي لا يمكن أن يكون دقيقاً نهائياً لأن اللغة التي يتم بهذا التعيين هي نفسها متغيرة ومتحولة ومرتبطة بتاريخ البشر وصراعاتهم وأحلامهم. لكن هذا لا يعني التخلي عن الفلسفة بل يعني أن نمارس فلسفة تعترف بشرطها اللغوي من البداية أي أنه لا تدعي الفلسفة أنها تتكلم عن "الوجود في ذاته" أو "الحقيقة الخالصة" بل تتكلم عن "الوجود كما يظهر في شبكة لغتنا" و"الحقيقة كما تبنى من خلال مفاهيمنا".

والفيلسوف الحق في نظري هو الذي لا يخفي عن قارئه حقيقة أنه لا يملك عصا سحرية تخرجه من اللغة إلى ما وراء اللغة بل يدعوه معه إلى رحلة داخل المتاهة نفهم فيها قوانين المتاهة نفسها. وكما أن اللاوعي عند فرويد ليس شيئاً موجوداً خارج الكلام بل هو بنية الكلام نفسه عندما يلتف على ذاته وكما أن الاختلاف عند سوسير ليس خاصية عارضة للغة بل هو جوهر اللغة نفسه كذلك نقول: إن إشكالية التعيين المفهومي ليست عيباً طارئاً على الفلسفة بل هي شرط إمكانها الوحيد. لولا أن المعاني تحيد وتنزلق وتتشكل من جديد كلما نطقنا بها، لما كان للفلسفة أي موضوع جديد تستطيع التفكير فيه ولما كان الفلاسفة ليختلفوا أو يتجادلوا أو يبتكروا.

إن الحكمة الحقيقية التي نخرج بها من هذا الممتد الطويل هي حكمة متواضعة تعترف بأن الكلمات التي نستعملها في قول "الحقيقة" أو "الموضوع" أو "الوجود" ليست سوى كلمات لكنها كلمات ثقيلة الاستطالة والامتداد، كلمات لو تحركت قليلاً عن مواضعها لاهتزت لها حضارات. نحن لا نمتلك الحقيقة ولكننا نمتلك القدرة على إعادة صوغ أسئلتنا عنها بطريقة أعمق وأكثر إنسانية في كل مرة. وإذا كانت الفلسفة قد بدأت بتلك الدهشة السقراطية أمام معنى الأشياء فلعلها تنتهي إلى دهشة مضاعفة أمام معنى الألفاظ التي نحاول بها أن نصوغ دهشتنا الأولى. وفي هذا القلب اللانهائي بين الدهشة والدهشة وبين اللفظ والمعنى وبين الموضوع الذي نبحث عنه والموضوع الذي نصنعه بكلماتنا تقوم الفلسفة وترقص وتتوه وتضيء وتنطفئ وتُولد من جديد كل يوم، ليس لأن العالم يتغير فقط بل لأن اللغة التي بها نصف العالم هي كائن حي يتنفس ويتكاثر ولا يعترف بالجمود أبداً. ويصير التعيين المفهومي إشكالية مفتوحة كفم من يصرخ في البرية لكنه صرخة توقظ فينا كل ما هو إنساني من حاجة إلى المعنى رغم استحالة الإمساك به كاملاً.

***

د. حمزة مولخنيف