عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

غالب المسعودي: خديعةُ الوجودِ الهش

سيكولوجيا الإزاحة في استبداد الدول الرخوة

إنَّ مفهوم "الدولة الرخوة"، كما سكَّه الاقتصادي غونار ميردال، لا يمثل مجرد عجزٍ إداري أو قصورٍ في آليات التنفيذ، بل هو توصيفٌ بنيويٌّ لحالةٍ من السيولة الوجودية التي تفتقر إلى صلبِ القانون. في هذه الدول، يغدو الفساد هو "القاعدة" لا الاستثناء، ويتحول غياب المؤسسات إلى إستراتيجية بقاءٍ تتبناها السلطة لتجنب المساءلة. إن الدولة هنا ليست كياناً ينظم المجتمع وفق عقدٍ اجتماعي، بل هي "ثقب أسود" يبتلع الحقوق ويُفرغ الرموز من دلالاتها، لتصبح المؤسسات مجرد هياكل ورقية لا وظيفة لها سوى إخفاء خواء الدولة الداخلي. إننا أمام كيانٍ لا يحكم، بل يتواجد فقط ليتعطل، محولاً إدارة الشأن العام إلى عملية إفراغٍ مستمرة للمعنى.

سياسة الإزاحة.. فيزياء الهروب من الذات

عندما تبلغ الدولة الرخوة حافة تناقضاتها الوجودية، لا تلجأ إلى الحل -لأن الحل يعني نهاية تبرير وجودها- بل تلجأ إلى "الإزاحة". هذه الإزاحة ليست تكتيكاً إدارياً، بل هي خديعةٌ فلسفية؛ إذ يتم ترحيل التوتر المتولد عن الفشل الداخلي نحو "آخرٍ مُتخيل". في الفلسفة السياسية لهذا النمط، يُعد إنتاج "العدو" ضرورةً وجودية. وبغيابِ عدوٍ حقيقي، تُخترع الدولةُ أعداءً وهميين من صميم المكونات الاجتماعية، لتتحول السياسة من تدبيرٍ للشأن العام إلى "إدارةٍ للأزمات" المتوالدة.

هنا نستحضر "ميشيل فوكو" في تحليله للسلطة؛ فالدولة الرخوة تمارس "سلطةً هشة" تفتقر إلى القوة الحقيقية، فتستعيض عنها بخلق "فضاء مراقبة" وهمي. إنها تحكم بـ "الاستثناء"؛ فهي تعيش في حالة طوارئ دائمة، لأن الطوارئ هي الفضاء الوحيد الذي يمكنها فيه ممارسة سلطتها دون رقابة، ودون الحاجة لتبرير فشلها. إن الإزاحة هي محاولة يائسة لاستعادة "الهيبة المفقودة" عبر وصم الآخر بالخيانة، وهي تطبيقٌ صارخ لـ "إرادة القوة" المشوهة عند نيتشه؛ حيث يعجز الضعيف عن الإبداع، فيلجأ إلى "الخديعة" و"الارتياب" كأدواتٍ للبقاء على قيد الحياة.

التضامن الشمولي.. تواطؤ الرخاوة والصلابة

ينشأ هنا تحالفٌ بين رخاوة الدولة وصرامة رأس المال الشمولي. إن هذا التضامن يتجاوز كونه مؤامرة مركزية؛ إنه منظومة مغلقة تتشكل من شبكات مصالح عابرة، تفرض منطقاً لا بديل له:

 احتواء كل شيء تحت مِطرقة الربح. في هذا الفضاء، تضمن النخب المحلية للمستثمرين استقراراً قسرياً يمنع أي فورة شعبية، وفي المقابل، يُغدق رأس المال على هذه النخب امتيازاتٍ تضمن بقاءها.

إن هذا التضامن الشمولي يعمل كآلة طحنٍ للهوية؛ فهو يربط مصير السلطة بمدى قدرتها على تقديم "تسهيلات استغلالية" للقوى العالمية، على حساب كرامة الفرد. الدولة هنا هي "شركة أمنية" تحمي استثمارات رأس المال مقابل عمولاتٍ سياسية للنخبة، مما يكرس بقاء الدولة "رخوة" بما يكفي لنهبها، و"شمولية" بما يكفي لقمع أي محاولةٍ للتحرر. إنه "تواطؤ وجودي" حيث تُباع الدولة قطعةً قطعة، ويتم استبدال السياسة الوطنية بمصالح عابرة للحدود، مما يحول المجتمع إلى ساحةٍ للمنافع بدلاً من كونه مساحةً للحقوق.

 سيكولوجيا الارتياب.. صناعة الإنسان المضطهد

إن ما نسميه "هوس الاضطهاد الجمعي" ليس مرضاً نفسياً، بل هو سياسة حكمٍ مُمنهجة. عندما تعجز الدولة عن منح مواطنيها الكرامة، تمنحهم "المظلومية الوجودية". يتم تحويل الإحباط الفردي الناتج عن الفشل التنموي إلى شعورٍ بالاضطهاد الجماعي. إن الارتياب ليس طارئاً، بل هو "بنية معرفية" تفرضها السلطة.

وظيفة الارتياب الفلسفية:

 حجب الحقيقة وقلب الحقائق؛ حيث يُصبح الفشل نجاحاً، ويُصبح الفقر زهداً وطنياً. الارتياب يحول الأنظار عن المسؤول الفعلي نحو "عدوٍ وهمي".

حين يسود الشك الجميع، يتفكك المجتمع إلى ذراتٍ منعزلة. الدولة الرخوة هي العدو الأول للعمل الجماعي لأنها تدرك أن الوعي الجمعي هو مقصلتها.

إن تغذية الشعوب بأن "الأسوأ لم يأت بعد" تضع المجتمع في حالة جمود عاطفي، تجعل من "البقاء في الحاضر البائس" غايةً قصوى، مما يمنع انبثاق أي أفقٍ للمستقبل.

في فلسفة اللغة.. تعرية آليات السلطة اللغوية

في الدول الرخوة، لا يتم فقط استغلال الموارد، بل يتم "احتلال اللغة". الكلمات تُفرغ من دلالاتها الأخلاقية لتصبح أدواتٍ لترسيخ الارتياب. إن اللغة هنا ليست وسيلة للتواصل، بل هي "قيدٌ إدراكي". عندما يتم توظيف مصطلحات مثل "الخيانة"، "الوطنية"، "الأجندات"، بشكلٍ مفرط، فإنها تفقد معناها وتتحول إلى أسلحةٍ سيميائية لقتل أي تفكير نقدي.

الدولة الرخوة تغتصب اللغة؛ فـ"القانون" يُستخدم لقمع الحقوق، و"السيادة" تُستخدم لتبرير العزلة. حين  لا تعود الكلمات قادرة على وصف الواقع، يموت العقل الجمعي. الصمت في هذه البيئة ليس عجزاً، بل هو فعلُ "احتجاجٍ أخلاقي" ضد تلوث المعنى. إن استعادة الكلمات من قبضة السلطة هي أول خطوة في طريق التحرر الفكري، إذ يجب أن نكف عن استعمال لغة الجلاد لنصف حالتنا.

الهروب الفلسفي.. التحلل من سطوة القطيع

تطرح الفلسفة التفكيكية هنا "الهروب" ليس كضعف، بل كفعلٍ وجوديٍ جذري. إنه "تأميم للذات"؛ حين تسترد الفردانية سيادتها من فضاءات عامة لوثتها سياسة الإزاحة. إن رفض المشاركة في "لعبة الارتياب" هو صمتٌ مقصود؛ أنت ترفض أن تُحشر في "كتلة" تطالبك بالهتاف للعدم.

هنا نجد "جان بول سارتر" في نقده لـ "سوء النية"؛ فالفرد الذي يختار الانخراط في بارانويا الدولة يمارس "سوء نية" تجاه حريته، لأنه يقبل أن يُصاغ وجوده من قِبل الآخرين. إن الهروب هنا ليس جبناً، بل هو "موقف وجودي" يرفض أن يكون الفرد موضوعاً في يد السلطة. إنه استراتيجية للنجاة بالعقل من صخب التضليل الشمولي. إن هذا الانسحاب هو فعلٌ استباقي لمنع الذات من الانخراط في "تضامنٍ كاذب" يُطيل عمر الاستبداد، وهو اعترافٌ بأن الفرد لا يجد ذاته إلا بعيداً عن ضجيج الأوهام.

العدمية الوجودية.. أفق التحرر الفردي

إذا كان العالم يتجه نحو العدم، فإن الانسحاب الجمالي والفكري يمثل الطريق الوحيد للحفاظ على ما تبقى من إنسانية الفرد. إن "التحلل الفردي" لا يعني الاستسلام، بل يعني نزع الشرعية عن المسرحية السياسية برمتها. الفرد الذي يرفض أن يكون "بيدقاً" هو التهديد الحقيقي؛ لأن الشمولية تبحث عن الكتلة الصماء، بينما الحرية لا تُولد إلا في الفرد الواعي.

في هذا السياق، تصبح العدمية أداةً نقدية؛ فهي تنظر إلى هياكل الدولة الرخوة وتراها على حقيقتها:

إنَّ التحرر يبدأ عندما يدرك الفرد أن "النظام" ليس قدراً، بل هو بناء هش يقتات على إيمان الناس بقدسيته. إنَّ "الهروب نحو الداخل" هو محاولة لبناء "لغة جديدة" و"منطق جديد" لا يخضع لمعايير الرخاوة. إنَّ التحرر الفردي هو اللبنة الأولى في تفكيك الصرح الشمولي، وهو الطريق الوحيد الذي يجعل السلطة تواجه فراغها الخاص بعد أن يرحل عنها الممثلون، ولا يتبقى إلا الواقع العاري من أقنعة الإزاحة والبارانويا.

إن الإنسان في الدول الرخوة هو مسجونٌ في "عدميّةٍ مفروضة"، والخروج منها لا يتم عبر ثورةٍ جماعية قد تُختطف، بل عبر "ثورة الفرد على عدَمِيَّته". أن الوعي بالعدم هو بداية الوجود، وأن السلطة الرخوة التي تقتات على خوفنا، ستموت فور أن نكف عن الخوف منها، وفور أن ندرك أننا لسنا "جزءاً" من رخاوتها، بل نحن "الكل" الذي لا يكتمل إلا بحريتنا الفردية المطلقة. إن الوجود الذي لا يُمارس كفعلِ تحررٍ، هو مجرد استمرارٍ للعدم، ونحن هنا لنختار الوجود.

هذا النقد يشير إلى أن التحرر من هذه الحلقة لا يتطلب "تقوية" الدولة بالمعنى القمعي، بل يتطلب استعادة "الفعل العام" وإعادة توطين القرار السياسي والاقتصادي داخل النسيج الاجتماعي الأصيل، بعيداً عن منطق "التضامن الرأسمالي" الذي يرى الشعوب مجرد كتل بشرية للإزاحة أو الاستهلاك الاستلاب هنا هو استلاب عن "الذات الحقيقية". فعندما تذوب الحدود بين الفرد والمجموع، وبين الوطن والسلعة، يفقد الفرد القدرة على التمييز بين ما يريده هو وبين ما يمليه عليه النظام القائم إن التحرر من هذا يبدأ لحظة إدراك الفرد أنه ليس مجرد "أداة" في دورة الإنتاج، بل هو "ذات" تملك حقاً أصيلاً في صياغة معنى وجودها خارج إطار السوق، وخارج منطق الإزاحة.

***

غالب المسعودي