الفيزيائيون يمكنهم بناء نموذج للّحظات الأولى للكون، لكنهم لازالوا يكافحون لتوضيح الزمن ذاته. لأجل فهم هذا اللغز تلجأ سيلفيا دي بيانكي Silvia De Bianchi (1) الى حليف غير متوقع وهو تاريخ الفلسفة. اعتمادا على مفكرين بدءاً من افلاطون وحتى كانط، هي تستكشف ماذا يمكن ان يخبرنا علم الكون عن طبيعة الزمن. تماما كما في نبض الكون، الزمن يبدو كأنه يمضي قدماً مع مرور كل ثانية. في الثقافات الغربية، نحن نتصور الزمن كتدفق ينساب على شكل سهم من الماضي الى المستقبل. من الصعب تصور كوننا بدونه – لكن ما هو الزمن ومن أين يأتي؟ هذه الأسئلة الأساسية تكمن في جوهر مشروع البحث (بروتيوس) الممول من مجلس البحوث الأوربي، بقيادة سيلفيا دي بيانكي التي جمعت الفيزيائيين والفلاسفة والمؤرخين مع بعضهم لإعادة التفكير بطبيعة الزمن عبر هذه التخصصات.
وبينما يُعتقد عموما ان الكون بدأ مع الانفجار الكبير بغ بانغ قبل 13.8 بليون سنة، لكن بعض النظريات وخاصة في الجاذبية الكمومية والكون الكمومي تقترح ان الكون لم تكن له بداية في الزمن. الزمن، كما نعرفه، ربما لم يكن موجودا في البدء. وكما أعلن مرة عالِم الفيزياء البريطاني ستيفن هاوكنك، السؤال عن ماذا جاء "قبل" الانفجار العظيم هو بلا معنى، يشبه السؤال عن ماذا يوجد جنوب القطب الجنوبي". لكن اذا كان الزمن ذاته لم يبدأ بعد، كيف يمكننا التفكير حول "البداية"؟ القول ان الزمن وهم او انه غير موجود لا يمثل الحل الملائم.
مشكلة الزمن
تعتمد الفيزياء الحديثة على ركيزتين هامتين لكنهما غير منسجمتين. الأولى هي نظرية آلبرت اينشتاين في النسبية العامة – أحسن توضيح للجاذبية والكون على النطاق الاوسع، بدءا من المدارات الكوكبية الى تركيب المجرات. "من جهة، نحن لدينا متصل continuum رباعي الأبعاد – الزمكان – منتشر في كل مكان في وصف البناء الهندسي للكون"، كما توضح سيلفيا دي. الزمن وهو ملتف ومنحني بواسطة الكتلة والطاقة، يشكل جزءا من هذا البناء الديناميكي المستمر. بهذا المعنى، الزمن ليس ثابتا او ساكنا، انه يمر بشكل مختلف اعتمادا على أين مكاننا ومدى السرعة التي نتحرك بها.
الركيزة الثانية هي ميكانيكا الكم – النظرية الرائدة في المادة على نطاق أصغر، تحكم العالم الكوانتمي المتفرد للذرات والجسيمات. هنا، تبدو الصورة مختلفة بشكل مذهل: "نحن لا نجد هذا البناء المستمر في فيزياء الكم"، كما تلاحظ سيلفيا. "الزمن مرتبط بمعيار (معامل) خارجي – ساعة". الزمن في ميكانيكا الكم، وبدلا من حياكته في نسيج الكون هو ببساطة يُفترض ان يكون هناك، مثل خلفية ثابتة تتكشف أمامها الأحداث.
"لأكثر من 70 سنة، كانت الفيزياء تحاول انتاج صورة موحدة للظاهرة التي تهم كل من الكون المبكر والعالم المكروسكوبي حسب الفيلسوفة سيلفيا . لكن هذا ثبت صعب للغاية.عندما يحاول الفيزيائيون التوفيق بين النسبية العامة وميكانيكا الكم في نظرية موحدة للجاذبية الكمومية، تتصادم جذريا تصوراتهم المختلفة للزمن.
في بعض الاتجاهات، يُقترح ان ما نمارسه كزمان ومكان سوف لن يكون مكونات أساسية للواقع، وانما هو شيء ناشيء(تصوّر للإنسان): زمكان يبرز من أنماط علائقية في أعمق مستوى، أشبه كثيرا بدرجة الحرارة الناتجة عن الحركة الجماعية للجزيئات .
مع ذلك، وكما تشير سيلفيا، هذه الفرضية تأتي معها صعوبة مفاهيمية: انها تتضمن تحولا في الزمن – حتى عندما يُقصد بالزمن كناشيء. لمعالجة هذا، لجأ مشروع بروتيوس ليس فقط الى الفيزياء وانما أيضا الى التاريخ الطويل للفلسفة.
بروتيوس المتغير الشكل
فكرة ان الزمن برز من واقع عميق أساسي جدا ليست جديدة أبدا. " انها نوقشت في تاريخ الفلسفة في حوار تيمايوس لإفلاطون، حيث تشير سيلفيا الى حوار الفيلسوف اليوناني افلاطون حول تكوين الكون. "عندما ننظر رجوعا، سنرى ان الأجوبة على المشكلة الكونية كانت مختلفة، لكن السؤال الذي طرحه افلاطون كان مشابه جدا من الناحية البنيوية ".
هذه الملاحظة هي التي حفزت على استخدام بروتيوس كأسم للمشروع: بروتيوس، إله البحر اليوناني عُرف بقدرته على الإفلات من القبض عليه عن طريق تغيير شكله باستمرار. كما في بروتيوس الأسطوري، تكررت مشكلة الزمن عبر التاريخ بأشكال مختلفة، الامر الذي يعكس توترا مستمرا بين النظر الى الزمن كأساسي ام ناشيء.
"انه توتر بين فلاسفة مثل افلاطون، الذي اعتقد ان الزمن كان قد تولّد وليس أساسيا، وفيلسوف مثل كانط، الذي اعتقد اننا يجب ان نعتبر الزمن كشكل خالص من الحدس"، توضح ذلك سيلفيا. "الزمن يُفترض مسبقا دائما في وصفنا وتجسيدنا له – كشرط للتفكير الإنساني والتجربة".
إحياء فكرة قديمة
لكن كيف يمكن لمفاهيم الماضي ان تساعد في فك الالغاز الكونية الحالية؟
فريق بروتيوس وجد دليلا حاسما في حوارات افلاطون – التي جرى تجاهلها لقرون: "افلاطون كانت لديه رؤية معقدة جدا لما يسمى اللازمني atemporality، حسبما تقول سيلفيا "هو استدل بانه حتى لو سيطر الزمني على العالم المادي، هذه الحقيقة لا تستبعد بالضرورة ان يكون نقيضها قد اتخذ اشكالا مختلفة. نظرا لتأثير ارسطو، نحن عادة نخلط بين الطابع الزمني والابدي .
لكن افلاطون افترض أفكارا مختلفة للازمني: "الان" والفوري . "بالنسبة لافلاطون، ان الحاضر المطلق ليس بُعدا للزمن، الحاضر هو خارج الزمن".
نفس الشيء يصح بالنسبة للفوري instant. مايبدو مخالفا للحدس هو في الحقيقة خطوة نظرية قوية: انه يسمح لنا للتفكير في التحولات التي ليس لها مدة، مثل التحول المفاجئ بين الحالات المتضادة. "من خلال هذا التعريف للازمني، يمكننا حل الالغاز المرتبطة بالزمن"، حسب سيلفيا.
هذا ثبت مفيدا في سيناريوهات افترضتها الجاذبية الكمومية مثل نظريات ما قبل الهندسة geometrogenesis، التي تقترح ان الزمكان نشأ كتحول مرحلي من الطور اللاهندسي الى الهندسي. "هل بالإمكان ان نجد تحولا يمكن فهمه مفاهيميا او رياضيا بمعزل عن الزمن؟ نعم نحن وجدناه، لكن شيئا آخرا يضفي عليه معنى ماديا " تقول سيليفيا.
التحقيق في مشروع البحث أيضا بيّن انه عبر ربط اللازمنية بالفكرة الحديثة للزمن التخيلي imaginary time حتى في سياقات علائقية سيتم الحصول على نتائج هامة: اللازمنية يمكن تطبيقها على الثقوب السوداء بدون ان يقود الى طريق رياضي مسدود او التفرّد الذي تنبأت به النسبية العامة.
ثلاث موضوعات في غرفة واحدة
مع فلاسفة العلوم ومؤرخو الفلسفة والفيزيائيين النظريين الذين يعملون جنبا الى جنب، كان فريق بروتيوس بحد ذاته تجربة. انه مشروع متعدد الاختصاصات في التطبيق الواقعي. "انا أضع مؤرخو الفلسفة في الواقع في نفس الغرقة كما هم الفيزيائيين، لذا هم اُجبروا للتفكير بطريقة مختلفة".
بروتيوس يبيّن ان الأدوات المفاهيمية للفلسفة تبقى ملائمة للفيزياء المتطورة وعلم الكون. سيليفيا تقترح ان هذا التبادل المثمر يعود جزئيا الى الوضع الحالي لبناء النظريات في الجاذبية الكمومية. "لو كان ذلك في فترة زمنية مختلفة، ربما لم ينجح مشروع مثل برتيوس".
بناء إرث رقمي
فريق من الباحثات النساء بالكامل لعب دورا رئيسيا في ترجمة هذه الأفكار الى مخرجات ملموسة. اعتمادا على اكثر من 100 عمل، هن طورن محرك بحث مدعوم بالذكاء الصناعي قادر على تحليل نصوص فلسفية في كل من اللغات القديمة والحديثة. هن أيضا خلقن تيماوس وميراثه، أرشيف رقمي لما يقرب من 500 مصدرا من العصور القديمة الى القرن العشرين – ذلك المصدر تأثر بعمل افلاطون حول الزمن والكون.
"عندما يحتاج احد ما لعمل بحث حول تأثير حوار تيماوس لإفلاطون على الثقافة الغربية يمكنه الاعتماد على هذه الوسيلة" حسب سيليفيا.
***
حاتم حميد محسن
...........................
* المصدر: مجلس البحوث الأوربي European Research Council(erc)،2 July , 2026
(1) سيلفا دي هي أستاذ مشارك في المنطق وفلسفة العلوم في جامعة ميلان وحاليا تقود مشروع كوزموس (2021-2026)،تعمل في نقطة الالتقاء بين أسس الفيزياء والفلسفة وعلم الكون.








