أقلام فكرية

حمزة مولخنيف: المعرفة بين السلطة والتقنية

كيف يُعاد تشكيل الوعي في المجتمعات المعاصرة؟

أصبح من الصعب تصور الوعي البشري في وقتنا هذا بمعزل عن القوى المؤثرة التي تشكله، سواء أكانت سياسية أم اجتماعية أم تقنية. فالوعي لم يعد ظاهرة طبيعية تتشكل وفق الخبرة الفردية والتأمل الذاتي فقط، بل أصبح خاضعا لشبكات معقدة من المعرفة والسلطة والتقنية، حيث تتداخل هذه القوى لتعيد إنتاج الواقع الاجتماعي والفكري. إن فهم هذه العلاقة يتطلب تجاوز النظر إلى المعرفة كموضوع ثابت، والاعتراف بأن كل معرفة تحمل في طياتها إمكانيات القوة والسيطرة، كما أشار ميشيل فوكو حين قال: "السلطة ليست مجرد تقييد أو إكراه، بل هي إنتاج للمعرفة، وتحديد لما يُعتبر حقيقة". في ضوء هذا التصور، لا تعود المعرفة مجرد أداة لتفسير العالم وفهمه، بل تتحول إلى آلية للهيمنة وتوجيه الوعي والتحكم في تمثلات الأفراد والجماعات وإدراكاتهم. حيث تلعب التقنية دور الوسيط الأساسي بين المعرفة والسلطة، فهي لا تقتصر على كونها أداة لنقل المعلومات، بل تتحول إلى جهاز يعيد صياغة المحتوى المعرفي وتوجيه الانتباه الفردي والجماعي. هانز مورافياك أشار إلى أن "الأدوات التي نستخدمها لتوسيع قدراتنا المعرفية ليست محايدة، بل تمثل نمطا محددا من التفكير يفرض نفسه على المستخدم". هذا الواقع يتجلى بوضوح في استخدام الخوارزميات التي تتحكم في ترتيب الأخبار والمحتوى على شبكات التواصل الاجتماعي، إذ تحدد هذه الخوارزميات ما يصل إلى وعي المستخدم وما يُستبعد منه، وتعيد إنتاج أنماط التفكير والسلوك الجمعي وفق منطق تقني خاضع للمعايير الاقتصادية والسياسية. وهنا يبرز السؤال الفلسفي: كيف يمكن للوعي أن يظل مستقلاً في مجتمع تُسيطر فيه التقنية على إنتاج المعرفة، وتتشابك فيها السلطة السياسية والاجتماعية لإعادة تشكيل تصورات الأفراد وسلوكياتهم؟.

لا يقتصر التأثير على المحتوى المعلوماتي فحسب، بل يتعداه إلى تشكيل إدراك الإنسان للعالم والذات. الشبكات الاجتماعية، والخوارزميات التي تديرها، تفرض أنماطا من الانتباه والاعتماد النفسي، بحيث يصبح الفرد غير واعٍ تماما للتأثيرات التي يمارسها النظام الرقمي على إدراكه. هنا تتجلى نظرية فوكو حول السلطة والمعرفة في أبعادها الرقمية، إذ تتحول المعرفة إلى قوة لا يقتصر تأثيرها على ما يُعرف، بل على كيفية الإحساس والمعاملة والتفاعل مع الواقع. ويصبح الوعي الجمعي ساحة صراع مستمر بين قوى متعددة تحاول توجيه المعلومات، وتشكيل الأولويات، وتحديد ما هو مهم وما هو هامشي.

إذا تأملنا، نجد أن إعادة إنتاج الوعي في هذا السياق تخضع لثنائية مزدوجة: أولاً، هناك ضغط معرفي لتحديد ما يُعتبر حقيقة وما يُعتبر وهما أو تضليلا، وثانياً، هناك ضغط تقني لتوجيه الانتباه وتشكيل الانفعالات والممارسات. هربرت ماركوزه وصف هذا التحكم الحديث بأنه لا يعتمد على القهر المباشر فقط، بل على القدرة على تشكيل الاحتياجات والرغبات والعواطف، مما يجعل إعادة تشكيل الوعي عملية تتجاوز الفكر لتطال المشاعر والسلوكيات أيضا. ويصير الفعل الرقمي اليوم جزءا من بنية السلطة، حيث تتشابك التقنية والسياسة لإعادة إنتاج الواقع الاجتماعي والفكري، ويصبح كل فرد موضوعا ضمن شبكة علاقات معقدة تحدد إدراكه وتصرفاته.

تتجلى أهمية التأويل النقدي للمعرفة والوعي في كونه أداة لكشف المعاني المضمرة التي تنطوي عليها أشكال إنتاج المعنى المعاصرة. وقد نبّه بول ريكور إلى أن «التأويل هو ما يمنح النصوص والظواهر دلالتها»، غير أن مجال التأويل لم يعد محصورا في النصوص الكلاسيكية، بل امتد ليشمل المعطيات الرقمية والخوارزميات. ويغدو من اللازم إخضاع المعرفة الرقمية لممارسة تأويلية نقدية، ذلك أن كل خبر وكل آلية لترشيح المحتوى وكل توصية تنتجها النظم الرقمية تنطوي على إمكانات للنفوذ والتوجيه. ومن ثمّ، يصبح الوعي النقدي مطالبا بتفكيك الأبعاد الخفية للسلطة الممارسة عبر هذه الوسائط، والتمييز بين الحقيقة والمعالجة التوجيهية للبيانات.

يتحول التأمل النقدي إلى فعل مقاومة معرفية، يمكّن الوعي من استعادة قدر من استقلاليته في مواجهة الضغوط التقنية والسياسية والاجتماعية. إضافة إلى ذلك، فإن الذكاء الاصطناعي يشكل مثالا واضحا على إعادة تشكيل المعرفة والوعي. فالنماذج اللغوية وأنظمة التوصية وتقنيات التعلم الآلي لا تُنقل المعلومات فقط، بل تعيد إنتاجها وفق معايير محددة، وتفرض على المستخدمين أنماطا معرفية متكررة تتفق مع أهداف النظام الاقتصادي أو السياسي. هذه الظاهرة تذكرنا بما وصفه أورويل بـ"الحقيقة المرنة"، حيث لا يتم تحديد الحقيقة بمعزل عن السلطة التي تتحكم في إنتاج المعلومات. وإذا كانت السلطة في الماضي تستخدم المعرفة لتوجيه السلوك الاجتماعي عبر التعليم أو الإعلام التقليدي، فإنها اليوم تتسلح بالقدرة التقنية على تحليل البيانات الضخمة والتنبؤ بالتصرفات والتأثير في الانتباه الجمعي. ومع ذلك، لا تعني الهيمنة التقنية أن إمكان المقاومة الفكرية قد انتفى. فالوعي النقدي كما يتجلى في تقاليد التحليل الفلسفي، يظل قادرا على تفكيك الآليات التي تضبط إنتاج المعرفة وتوجيهها، واستثمار الهوامش التي تتركها التقنية لإعادة بناء المعرفة وفق معايير الحرية والاستقلالية. وقد أشار والتر بنيامين إلى أن «التاريخ ليس سوى تراكم للحظات يمكن للوعي النقدي إعادة تشكيلها»، وهي فكرة تنطبق على علاقتنا بالبيانات الرقمية والخوارزميات، حيث تغدو لحظة الهيمنة ذاتها مجالا ممكنا للتأمل والمقاومة الفكرية عبر الفهم النقدي لآلياتها.

 يتبدّى دور الفلسفة بوصفها «نور العقل» الذي يهدي الوعي وسط العتمة التي تخلّفها تداخلات السلطة والتقنية، وذلك انسجاما مع التصور الكانطي الذي يجعل من العقل النقدي شرطا لمواجهة الهيمنة والمعرفة الموجَّهة. ولقد أضافت العولمة الرقمية بُعدا جديدا إلى هذه المعادلة، إذ لم تعد المعرفة محصورة في أطر جغرافية أو ثقافية محددة، بل أصبحت خاضعة لتأثير قوى عابرة للحدود تتحكم في تدفّق المعلومات وتوجيهها. فالشبكات الرقمية، والخوارزميات التي تديرها الشركات الكبرى والمنصات التعليمية والإعلامية، باتت جميعها تحدد ما يصل إلى الفرد، وشروط تلقيه للمعرفة وأنماط تفاعله معها. ويغدو من الضروري فهم الوعي الجمعي بوصفه نتاجا لتفاعل معقّد بين الفرد والمؤسسات والتقنية والسياسة، بحيث يستحيل فصل أحد هذه العناصر عن الآخر. إذ يعيد هذا التصور إلى الأذهان أطروحة جورج زيميل القائلة بأن «الحياة الاجتماعية شبكة من التفاعلات التي تُشكِّل الوعي والمعرفة»، وهي رؤية أساسية لفهم إشكالات المعرفة في العصر الرقمي، حيث لا يمكن تحليل الوعي بمعزل عن سياقاته التقنية والاجتماعية والسياسية.

وفي ضوء كل ما سبق، يصبح من الواضح أن إعادة تشكيل الوعي ليست مجرد تأثير سلبي للسلطة والتقنية، بل هي أيضا فرصة للتأمل النقدي، ولتطوير أدوات مقاومة تمكن الأفراد من استعادة استقلاليتهم الفكرية. إن التقنية رغم ما تحمله من هيمنة، توفر إمكانيات لفهم الواقع بشكل أعمق وتحليل المعلومات، وإعادة إنتاج المعرفة وفق معايير حرية وانتقاد. هنا تتجلى أهمية الفلسفة النقدية، التي تمنح العقل أدوات التأمل والتحليل، وتمكن الوعي من مواجهة الضغوط التقنية والسياسية، واستثمار الإمكانيات التي توفرها التقنية لإعادة صياغة المعرفة وإنتاج وعي مستقل.

إن العلاقة بين المعرفة والسلطة والتقنية تتشكل اليوم كمجال مركب من التفاعلات المعرفية والاجتماعية والسياسية، حيث لا يمكن لأي دراسة للوعي أن تغفل أي عنصر من هذه العناصر. فالوعي لم يعد مجرد إدراك للمعلومات أو الخبرة، بل هو إنتاج مستمر في سياق الشبكات التقنية والسياسية والاجتماعية، وهو مشروع نقدي مستمر لإعادة التأويل والتحليل، وإعادة إنتاج المعرفة بمعايير حرية واستقلالية.

في الامتداد العميق لهذا الأفق التحليلي، يتبيّن أن الوعي المعاصر لا يُعاد تشكيله فقط من خلال مضامين المعارف التي يتلقّاها، بل أساسا عبر الشروط غير المرئية التي تُنتَج في ظلها هذه المعارف وتُنظَّم وتُكسى بطابع المعقولية والشرعية. فالمعرفة في المجتمعات الحديثة لم تعد تُقاس بقيمتها الحقيقة فحسب، بل بمدى قابليتها للاندماج داخل منظومات تقنية واقتصادية تحدد سلفا ما يُتاح للرؤية وما يُحجب، وما يُفكَّر فيه وما يُقصى. وما نشهده اليوم هو انتقال دقيق من سلطة الخطاب إلى خطاب السلطة، حيث لم تعد الهيمنة في حاجة إلى ممارسة الإكراه المباشر، لأنها تنجح في جعل أنماط معينة من التفكير تبدو بديهية وطبيعية، بينما تُهمَّش أنماط أخرى أو تُوصَم باللاعقلانية أو بعدم الواقعية. تتشكل التقنية أكثر من مجرد وسيط محايد، وتتحول إلى بنية أنطولوجية تعيد تشكيل علاقتنا بالزمن والمعنى والذات. فالخوارزميات التي تنظّم تدفّق المعلومات لا تكتفي بتسريع الوصول إلى المعرفة، بل تعمل على إعادة صياغة أفق التوقّع نفسه، دافعةً الوعي إلى الارتهان لحاضر دائم، مثقل بالتحديث المستمر، ومفتقر إلى تلك المسافة التأملية التي شكّلت شرطًا جوهريا لممارسة الفكر النقدي. وقد تنبّه هايدغر في تحليله للتقنية، إلى أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الآلة ذاتها، بل في الكيفية التي تجعل بها التقنية العالم «موردا» والإنسان «قابلا للتوظيف»، أي عنصرا داخل منظومة حسابية شاملة. ويكتسب هذا التحليل راهنيته اليوم في عالم تُقاس فيه قيمة المعرفة بمدى قابليتها للتحليل والتنبؤ والاستثمار.ومع سيادة منطق البيانات، يتحول الوعي إلى موضوع للقياس والتوقع، لا للفهم والتأمل. فالسلوك الإنساني الذي كان يُنظَر إليه باعتباره تعبيرا عن حرية وإرادة، أصبح يُختزل في أنماط إحصائية تُغذّي أنظمة الذكاء الاصطناعي، وتُستخدم في توجيه القرارات الاقتصادية والسياسية والإعلامية. هنا يتجلى شكل جديد من السلطة، سلطة لا تأمر ولا تنهى، بل “توصي” و“تقترح” و“تُفضِّل” وتنجح، عبر هذه الليونة الظاهرية في التأثير العميق في اختيارات الأفراد. إن ما يبدو حرية في الاختيار يخفي في طياته توجيها ناعما، يجعل الفرد يعتقد أنه يقرر بنفسه، بينما هو يتحرك داخل مسارات مُعدة سلفا.

هذا التحول يعيد إلى الواجهة سؤال الحرية، لا بوصفها قدرة مجردة على الاختيار، بل بوصفها وعيا بالشروط التي يُمارَس فيها هذا الاختيار. فالحرية في ظل هيمنة التقنية، لم تعد تُهدَّد بالقمع المباشر، بل بالتشبع المفرط بالمعلومات وبالتوجيه الخفي للانتباه. وقد عبّر زيغمونت باومان عن هذا الوضع حين أشار إلى أن الإنسان المعاصر يعيش في “سيولة” دائمة، حيث تختفي الثوابت، ويصبح الوعي عرضة للتشتت، فاقدا القدرة على التماسك وبناء معنى طويل الأمد. إن هذا التشتت لا يُضعف المعرفة فقط، بل يُضعف الذات ذاتها، ويجعلها عاجزة عن بناء سردية متماسكة عن نفسها وعن العالم.

غير أن هذا الوضع لا يعني نهاية الفعل النقدي، بل يفرض إعادة تعريفه. فالنقد لم يعد يقتصر على تفكيك الخطابات الأيديولوجية الصريحة، بل أصبح مطالبا بتحليل البنى التقنية التي تنتج هذه الخطابات وتُمرِّرها. إن النقد اليوم هو نقد للخوارزمية بقدر ما هو نقد للفكرة، وهو مساءلة لمنطق الترتيب والتصنيف بقدر ما هو مساءلة للمحتوى. حيث تكتسب أفكار مدرسة فرانكفورت راهنية جديدة، خصوصا في تأكيدها على أن العقل الأداتي حين ينفصل عن البعد القيمي، يتحول إلى أداة للهيمنة بدل أن يكون وسيلة للتحرر.

وتبرز أهمية الوعي التأويلي بوصفه نمطا من أنماط الوعي القادر على إبطاء الزمن، واستعادة المسافة، وطرح السؤال بدل الاكتفاء بالاستهلاك. فالتأويل كما فهمه ريكور، ليس مجرد تفسير للنصوص، بل هو فعل وجودي يُعيد للذات قدرتها على الفهم في عالم مغمور بالإشارات. إن ممارسة التأويل في العصر الرقمي تعني تفكيك ما يبدو بديهيا، والوقوف عند ما يُمرَّر بسرعة، والسؤال عن المصالح التي تقف خلف تنظيم المعرفة وتوزيعها. يغدو التأويل في هذا الأفق شكلا من أشكال المقاومة الهادئة؛ مقاومة لا ترفع صوتها، لكنها تزعزع منطق النظام بإصرارها على الفهم والتفكيك.

كما أن التعليم في سياقنا هذا لم يعد مجرد نقل للمعرفة، بل أصبح ساحة مركزية للصراع حول الوعي. فالنماذج التعليمية التي تكرس التلقي السريع، والمهارات القابلة للتوظيف فقط، تُسهم في إنتاج وعي أداتي، ينسجم مع منطق السوق والتقنية، لكنه يفتقر إلى العمق النقدي. في المقابل، يظل التعليم الفلسفي والإنساني عموما، أحد آخر الحصون التي يمكن أن تُنَمِّي القدرة على السؤال، وعلى التفكير في شروط المعرفة ذاتها. وقد كان كانط محقا حين ربط التنوير بجرأة استعمال العقل، لأن هذه الجرأة هي ما يتعرض اليوم للتآكل في ظل أنظمة معرفية تُكافئ الامتثال أكثر مما تُكافئ التساؤل.

ولا يمكن إغفال البعد السياسي لهذه التحولات، إذ إن إعادة تشكيل الوعي لا تتم في فراغ، بل في سياق صراعات على السلطة والنفوذ. فالمعرفة التي تُنتجها التقنية تُستخدم في إدارة السكان وتوجيه الرأي العام، وإعادة رسم الحدود بين المقبول والمرفوض. وهنا يعود فوكو ليذكرنا بأن السلطة الحديثة لا تعمل عبر المنع، بل عبر التنظيم، وأن أخطر أشكالها هي تلك التي تنجح في جعل الأفراد يراقبون أنفسهم بأنفسهم. وفي العالم الرقمي تتخذ هذه المراقبة شكلا داخليا، حيث يصبح الفرد شريكا في إنتاج البيانات التي تُستخدم لاحقا في توجيهه، في مفارقة تكشف عن عمق التداخل بين الحرية والسيطرة.

إن الوعي ليس صفحة بيضاء تُكتب عليها السلطة ما تشاء. فداخل كل منظومة هيمنة توجد إمكانيات للتصدع ومساحات للتفكير المختلف. إن التجارب النقدية والحركات الفكرية وحتى الممارسات الفردية البسيطة التي تُعيد الاعتبار للبطء والقراءة العميقة والحوار، كلها تشكل نقاط مقاومة في وجه التسطيح المعرفي. وقد أدرك بنيامين في تأملاته حول الحداثة، أن الخلاص لا يأتي من التقدم التقني ذاته، بل من الوعي الذي يرافقه، ومن القدرة على التقاط “اللحظة الحرجة” داخل سيرورة التاريخ.

يتضح أن السؤال عن المعرفة بين السلطة والتقنية هو في جوهره سؤال عن مصير الإنسان ذاته. فإما أن يتحول الوعي إلى مجرد وظيفة ضمن منظومة تقنية كبرى، وإما أن يستعيد دوره بوصفه قدرة على الفهم والنقد وإنتاج المعنى. وإن الرهان الفلسفي اليوم لا يكمن في رفض التقنية بل في تحرير العلاقة بها، وفي إعادة توجيه المعرفة نحو خدمة الإنسان لا اختزاله. وهنا تظل الفلسفة رغم كل شيء ممارسة ضرورية، لا لأنها تقدم أجوبة نهائية، بل لأنها تُبقي السؤال مفتوحا، وتُذكِّر الوعي بأنه لا يزال قادرا على التفكير، حتى في أكثر الأزمنة تشبعا بالسلطة والتقنية.

يتواصل هذا المسار التحليلي حين ننتبه إلى أن إعادة تشكيل الوعي لا تشتغل فقط على مستوى البنى الكبرى للمعرفة والتقنية والسلطة، بل تنفذ بعمق إلى التجربة اليومية للفرد وإلى أبسط تفاصيل العيش، حيث يتشكل الإحساس بالذات والعالم في تداخل خفي بين ما هو تقني وما هو رمزي. فالوعي المعاصر لا يُدار من فوق فقط، عبر مؤسسات أو أنظمة واضحة المعالم، بل يُعاد إنتاجه من الداخل، من خلال العادات الرقمية والإيقاعات السريعة، وأنماط الاستهلاك المعرفي التي تجعل الفرد مشاركا فعليا في إعادة إنتاج الشروط التي تُقيده. هنا تتجلى إحدى أخطر مفارقات الحداثة التقنية حيث أن السيطرة لم تعد خارجية بالكامل، بل أصبحت متجذرة في أساليب العيش نفسها، بحيث يصعب التمييز بين ما نختاره بحرية، وما يُختار لنا باسم الراحة والكفاءة والسرعة.

يكتسب مفهوم “الذات” دلالة جديدة، إذ لم تعد الذات مركزا متماسكا للوعي، كما تصورتها الفلسفات الكلاسيكية، بل أصبحت ذاتا موزعة، متشظية عبر حسابات ومنصات وفضاءات افتراضية متعددة. هذا التشظي لا يعني فقط تعدد الهويات، بل يعني أيضا فقدان العمق الزمني الذي يسمح ببناء معنى متماسك للخبرة. فالزمن الرقمي القائم على التحديث المستمر والتدفق اللامتناهي، يضعف القدرة على التراكم، ويجعل الوعي يعيش في آنٍ دائم، بلا ذاكرة عميقة ولا أفق انتظاري واضح. وقد نبّه بول فيريليو إلى أن تسارع الزمن التقني لا يغير فقط إيقاع الحياة، بل يغير بنية الإدراك ذاته، بحيث يصبح التفكير العميق عبئا والبطء نوعا من المقاومة غير المعلنة.

هذا التحول في بنية الزمن ينعكس مباشرة على المعرفة التي تفقد طابعها التكويني لتتحول إلى معلومات عابرة، قابلة للاستهلاك والنسيان السريع. المعرفة لم تعد تجربة تُغيّر الذات، بل مادة تُستخدم ثم تُستبدل، وهو ما يفرغها من بعدها الوجودي والأخلاقي. هنا يمكن استحضار نقد نيتشه للمعرفة التي لا تُهضَم، تلك التي تتراكم دون أن تتحول إلى قوة حياة، بل تثقل الوعي وتُضعف القدرة على الفعل. ففي المجتمع المعاصر لا تكمن المشكلة في نقص المعرفة، بل في فائضها غير المُؤوَّل الذي يغمر الوعي دون أن يمنحه معنى.

ومع هذا الفائض تتعزز أشكال جديدة من السلطة، سلطة لا تحتاج إلى فرض الصمت، لأنها تغرق الأصوات في الضجيج ولا تحتاج إلى إخفاء الحقيقة، لأنها تذيبها في تعدد الروايات. إن الوعي في مثل هذا السياق لا يُقمع بل يُستنزف ويُستبدل الفعل النقدي بردود أفعال سريعة وانفعالات لحظية تُدار بدقة عبر تقنيات توجيه الانتباه. وقد أشار غي ديبور في حديثه عن “مجتمع الفرجة”، إلى أن الواقع لا يُلغى، بل يُستبدل بتمثيلاته، بحيث يعيش الإنسان في عالم من الصور التي تحجب العالم بدل أن تكشفه. هذا التحليل يزداد راهنية اليوم حيث لا يعود السؤال: ماذا نعرف؟ بل: كيف نرى ما نعرف؟ ومن يحدد إطار الرؤية ذاته؟.

غير أن هذا الوضع لا يلغي إمكان بناء وعي مختلف، بل يفرض شروطه الصعبة. فالوعي النقدي في العصر التقني لا يمكن أن يكون وعيا بريئh أو بسيطا، بل هو وعي مركب يدرك أنه يتحرك داخل شبكات من السلطة والمعرفة، وأن كل موقف يتخذه مشروط بسياقات أوسع. هذا الإدراك لا يؤدي بالضرورة إلى الشلل، بل يمكن أن يكون مصدرا لتحرر نسبي، قائم على الفهم بدل الوهم. فكما أن التقنية تُستخدم للسيطرة، يمكن استخدامها أيضا للكشف، وكما أن المعرفة تُوظف للهيمنة، يمكن إعادة توجيهها نحو مساءلة هذه الهيمنة ذاتها.

يصبح الفعل الفلسفي أقرب إلى ممارسة يقظة دائمة، لا تبحث عن يقين نهائي، بل عن وضوح نقدي. الفلسفة هنا لا تنافس التقنية في السرعة أو الكفاءة، بل تقدم ما تعجز عنه وهو القدرة على التوقف، على طرح السؤال غير النافع، وعلى التفكير في ما لا يُقاس. وهذا ما يجعلها ضرورية لا بوصفها خطابا نخبويا بل كأفق مقاومة رمزية، يحفظ للإنسان حقه في ألا يُختزل إلى معطى أو رقم أو نمط سلوكي. لقد كان سقراط في محاكمته، يمثل خطرا لأنه كان يُزعج النظام عبر الأسئلة، لا عبر الشعارات، وهذا الدور يظل جوهريا اليوم، وإن تغيرت أشكال السلطة.

كما أن إعادة التفكير في الوعي تقتضي إعادة النظر في علاقتنا بالحقيقة. فالحقيقة في المجتمعات المعاصرة، لم تعد تُرفض صراحة، بل تُعاد صياغتها باستمرار، بحيث تفقد قدرتها على الإلزام. تتجاور الحقائق مع الآراء والمعرفة مع الانطباعات في فضاء واحد، دون معايير واضحة للتمييز. هذا الوضع لا ينتج تعددية صحية بالضرورة، بل قد يؤدي إلى نسبية مفرغة، تُضعف الثقة في إمكان المعرفة ذاتها. وهنا يبرز التحدي الفلسفي: كيف يمكن الدفاع عن الحقيقة دون الوقوع في الدوغمائية؟ وكيف يمكن ممارسة النقد دون السقوط في العدمية؟ إن الجواب لا يكمن في العودة إلى يقينيات مغلقة، بل في بناء عقل نقدي قادر على التمييز، وعلى تحمل مسؤولية الحكم.

وفي قلب هذا كله، تظل مسألة المعنى هي الرهان الأعمق. فإعادة تشكيل الوعي ليست فقط مسألة سلطة أو تقنية، بل مسألة معنى: معنى العيش، ومعنى المعرفة، ومعنى أن يكون الإنسان إنسانا في عالم قابل للحساب إلى أقصى حد. التقنية قادرة على الإجابة عن سؤال “كيف”، لكنها عاجزة عن الإجابة عن سؤال “لماذا”، وهنا يتحدد مجال الفلسفة، لا كبديل عن العلم، بل كفضاء يسائل غاياته وحدوده. إن الوعي الذي لا يسأل عن المعنى، حتى وهو يمتلك معلومات هائلة، يظل وعيا ناقصا قابلا للتوجيه والاستعمال.

إن إعادة تشكيل الوعي في المجتمعات المعاصرة ليست قدرا محتوما في اتجاه واحد، بل صراع مفتوح بين قوى الاختزال وقوى الفهم، بين منطق السيطرة ومنطق المعنى. هذا الصراع لا يُحسم دفعة واحدة، ولا على مستوى الخطابات الكبرى فقط، بل في التفاصيل اليومية: في طريقة القراءة وفي نوع الأسئلة المطروحة وفي القدرة على الإصغاء، وفي الشجاعة على التفكير خارج الإيقاع السائد. إن هذه الممارسات الصغيرة المتواضعة في ظاهرها، تشكل في عمقها نواة وعي مختلف، وشرطا لإمكانية الحرية. ويتبين أن المعرفة حين تنفصل عن النقد تتحول إلى أداة سلطة، وأن التقنية حين تنفصل عن المعنى تتحول إلى قدر أعمى. أما الوعي فلا يحفظ إنسانيته إلا بقدر ما يظل يقظا قلقا غير مكتفٍ بما يُقدَّم له من إجابات جاهزة. في هذا القلق، لا بوصفه ضعفا بل شرطا للفكر، يكمن أفق مقاومة هادئة طويلة النفس لا تعد بالخلاص السريع، لكنها تُبقي الإنسان في صلة حية بذاته وبالعالم.

***

د. حمزة مولخنيف

في المثقف اليوم