أقلام فكرية
حيدر شوكان: الكهف القديم في أعماق الإنسان
المأساة العظيمة التي رافقت الإنسان منذ خطوته الأولى على هذه الأرض، ولم تزل تلاحقه حتى الآن، ليست عجزه وقصوره عن فهم العالم وتطويعه، بقدر ما هي عجزه عن النجاة من نفسه. فهو يحمل في أعماقه كهفًا معتمًا لم تستطع الحضارات، ولا القوانين ولا العلوم، ولا حتى الأديان، أن تُطفئ ظلامه بالكامل. هناك في الطبقات السحيقة من روحه، يقيم ذلك الكائن الغامض، نصفه ملاك ونصفه وحش. وكل حضارة لم تكن سوى قناع جديد يضعه هذا التناقض القديم على وجهه المتعب، لا لتغييره أو ترويضه أو تهذيبه، وإنما لتجميله مؤقتًا قبل أنّ ينكشف مجددًا.
غير أن هذا " القناع الحضاري "لا يُفهم إلّا حين ندرك أنّ الحضارة ليست تخطيًا وتفتيتًا للوحش، الحضارة هي إعادة توزيع لطاقته وتنظيم لاندفاعاته داخل شروط تاريخية جديدة. فالوحش لم يُروَّض، الوحش تعلّم كيف يرتدي ثيابًا أنيقة.
لقد استطاع الإنسان الحديث أن يُخضع الطبيعة لإرادته بصورة تكاد تبدو معجزة؛ اخترق الفضاء، ونزل إلى ظلمات البحار وشقّ الجبال، وابتكر عقلًا صناعيًا يحاكيه، وما يزال يندفع في فتوحه كأنَّه يريد أنّ ينتزع من الكون سرّ الإلوهية نفسه. لكنّه وسط هذه الانتصارات المدوّية بقي مهزومًا ومتهافتًا أمام أكثر الأشياء قربًا إليه: قلبه وروحه.
وهنا تحديدًا يلتقي هذا المشهد مع ما أشار إليه توماس هوبز، إذ رأى في"اللفياثان (ذلك الوحش الأسطوري البحري الذي جعله هوبز رمزًا للدولة المطلقة) أنّ الإنسان في حالته الطبيعية محكوم بصراع دائم، صراع الكل ضد الكل، وأنّ الحياة في غياب السلطة تكون "حيدة، فقيرة، بغيضة، قاسية، وقصيرة." والمقولة الشهيرة الإنسان ذئب للإنسان" التي استعادها هوبز من الكاتب اللاتيني بلاوتس، تؤكد أنَّ العنف احتمال أصيل داخل الاجتماع البشري وليس انحرافًا طارئًا، لا تُلغيه الدولة بقدر ما تُعيد تنظيمه وتحتكر ممارسته.[1]
فغرائز الإنسان هي ذاتها، وحقده هو ذاته، وميوله هي ذاتها، وشهوته إلى الهيمنة والخوف والعنف لم تتبدل، ولعلها ازدادت مكرًا وتخفيًا. إذ لم تعد تظهر في صورتها البدائية المكشوفة، فقد تظهر أشكال عقلانية قانونية مؤسساتية، وأحيانا "أخلاقية"، وقد رأى سبينوزا في"رسالته السياسية" أنّ البشر في حالة الطبيعة يحيون وفق انفعالاتهم وغرائزهم، وأن أغلبهم مرتعٌ لإحساسات تجعلهم يتجاوزون في مكائدهم وقوتهم سائر الحيوانات الأخرى.[2]
إن الإنسان البدائي كان يقتل بحجر وقوس، أما الإنسان الحديث فيقتل بفكرة، بقانون، بعِلم أو بجهل، بعَلَمٍ أو أيديولوجيا، أو بزرّ صغير لا يرى الدم الذي يريقه، لكنه يوسّع أثره إلى مدى كوني. تغيّرت الأدوات فقط، أما الوحش الجاثم فلم يمت؛ الوحش تعلّم كيف يتكلم لغة الحضارة فحسب.
وهذا التحول في شكل العنف وهيئته لا يُفهم دون المرور عبر تحليل السلطة كما قدّمه ميشيل فوكو. فالسلطة عنده لم تعد جهاز قمع خارجيًا يقع على الإنسان من فوق، السلطة عنده هي شبكة دقيقة تتغلغل في الجسد والرغبة والمعرفة، إذ يصبح الإنسان نفسه حاملًا لآليات ضبطه وإنتاج خضوعه. فالعنف لم يعد يُمارَس على الإنسان من الخارج، بل صار يُمارَس عبره وبه ومن خلاله[3]. وهنا يتعمق السؤال: هل السجن الحقيقي جدران خارجية أم وعي داخلي مُعاد تشكيله وترسيمه؟
وفي السياق ذاته، يرى برتراند راسل أنّ الدافع إلى النشاط البشري هو إما رغبة أو نزعة.[4] والرغبة تستهلك صاحبها لأنها شبيهة بالخط اللامتناهي، كلما سار عليه الإنسان ابتعدت عنه نقطة النهاية. فالإشباع لا يُنهي الرغبة، الإشباع يُعيد إنتاجها في هيئة جديدة ولغة ثانية. وهكذا تصبح الرغبة بنيةً دائمة لإعادة هندسة القلق الإنساني، يصبح فيها السعي أهمَّ من الوصول، والطلب أهمَّ من الامتلاك.
ولو تأملنا هذا التحليل وجدناه يقترب في عمقه من تصور سيغموند فرويد، الذي رأى أن الإنسان بنية منقسمة تحكمها قوى لاواعية، تتصارع فيها الرغبة (الليبيدو) مع الكبح، والحياة مع الموت، والعقل مع ما يختبئ تحته من اندفاعات لا تخضع للمنطق الأخلاقي. فالإنسان ليس وحدة عقلانية تختار بوعي تام، الإنسان هو ميدان معركة بين ما يعرفه من نفسه وما لا يعرفه. والرغبات التي تسعى إلى الإشباع تحركها دوافع دفينة، واعية أو غير واعية، ثابتة أو متغيّرة، لكنّها في كل الأحوال تعمل كقوى تأسيسية للسلوك البشري. ومن أبرز هذه الدوافع الثانوية التي رصدها راسل:" حب التملك، والتنافس، والخيلاء، وحب القوة."[5] فحب التملك ينبع من خوف وجودي عميق من الفقد والعدم، كأن الإنسان يحاول أنّ يُثبت ذاته عبر الأشياء التي يسيطر عليها. أمّا التنافس فهو شكل من أشكال تعريف الذات في مواجهة الآخر، إذ لا يكتمل "الأنا" إلا عبر موقعه في الصراع. أما الخيلاء فتدفع الإنسان إلى طلب الشهرة والمجد والخلود، وهو ما يُفسر نزوع كثير من القادة عبر التاريخ إلى الحروب بوصفها مسرحًا لإنتاج صورة العظمة. وحب القوة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالثروة، إذ يصبح امتلاكها دافعًا لمزيد من السيطرة والتوسع، فتغدو السلطة تعبيرًا عن ميل نفسي متجذر في الطبيعة البشرية، لا وظيفة سياسية أو بنية إدارية وحسب. كما يبيّن راسل أنّ الخوف يتحول إلى حقد يولّد الكراهية والعنف تجاه الآخر المختلف، وهو ما يزداد خطورة في العصر الحديث مع تطور الأسلحة وتعقد البنى الاجتماعية وصراع الأيديولوجيات. وفي هذا المعنى تصبح الحرب إمكانية كامنة في البنية النفسية والاجتماعية للإنسان، وليست حدثًا طارئًا على الإنسانية. فهي نتيجة تداخل معقد بين غرائز عدوانية ورغبات مكبوتة وتربية ثقافية ناقصة ومؤسسات قادرة على تحويل الانفعال الفردي إلى عنف جماعي منظم.[6] ولعل من أكثر الأمور إثارة للرعب أنّ الخير والشر لا يسكنان عالمَين منفصلَين، وإنما يسكنان الروح الواحدة ذاتها. فقد ترى الإنسان الزاهد الورع الذي يفيض لسانه بالحكمة واللطف، ثم تخرج منه في لحظة ضعف أو حسد أفعالٌ تكشف تهافت هذا البناء الأخلاقي، حتى تبدو المسافة بينه وبين الوحش مسافةً لا تكاد تُلحظ. وفي المقابل قد تجد في أشد الناس قسوةً، في ذلك العفريت المتعطش للاعتداء ومضةَ رحمة عابرة، كأنها أثر لبنية إنسانية لا تموت بالكامل مهما انحرفت.
وهنا يتعمق التحليل الفرويدي ويتجذر، إذ لا يمكن فصل الأخلاق عن البنية النفسية اللاواعية؛ فـ"الخير" ليس حالة راسخة بل نتيجة صراع دائم بين الدوافع والرقابة الداخلية. وكما يرى نيكولا ماكيافيلي، فالبشر في سلوكهم العملي "ناكرون للجميل، متقلبون، مراؤون، وميالون إلى تجنب الأخطار وشديدو الطمع"[7]، وعلاقاتهم لا تقوم على الثقة الأخلاقية بقدر ما تقوم على الحساب والمصلحة وإدارة الخوف. الا أن هذه الرؤية رغم قوتها التفسيرية لا تُغلق الإنسان داخل شرّ مطلق، لأنّها تجعل الأخلاق مجالَ صراع بين المصلحة والضمير، وبين الخوف من الآخر والحاجة إليه، وهو ما يُبقي بابًا مفتوحًا. وهنا لا بد أنّ أقف عند ما يغيب عادةً في مثل هذه الاستعراضات الفلسفية الغربية، وهو السؤال عن المخرج لا مجرد التشخيص. فما تقدّمه هذه الفلسفات هو توصيف هام للإنسان المنفصل عن وحيه ومرجعيته الإلهية، إنسان يُحكم على نفسه من داخلها فحسب. أما ما تُقرره الرؤية الدينية ولا سيما الإسلامية/ الروحانية فهو أنّ هذا" الكهف الداخلي" لا يُروَّض بالقانون والتشريع وحده، ولا بالتحليل النفسي وحده، ولا بالمؤسسة وحدها، بل بالتزكية؛ أي بذلك العمل الصبور المتواصل على النفس حتى تتحول الرغبةُ إلى إرادة، والاندفاعُ إلى فضيلة، والخوفُ إلى خشية. وهو ما أشار إليه القرآن الكريم في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾[8]، إذ جُعل الفلاح مرتبطًا بتزكية النفس لا بضبطها خارجيًا. وليس هذا تهربًا من التحليل الفلسفي، بقدر ما هو إضافة بُعد مفقود: بُعد الإرادة الحرة المسؤولة في مواجهة بنيتها المعطوبة الخربة.
وهكذا لا يعود الإنسان عبارة عن كائن أخلاقي أو سياسي أو عقلاني، الإنسان بتأمل بسيط هو ساحة حرب لا تنتهي، تتصارع فيها القوى المتناقضة دون أنّ تلغي بعضها. وفي داخله يقف الملاك والجلاد جنبًا إلى جنب، يتبادلان الوجه ذاته والصوت ذاته والدموع ذاتها، كأنهما ليسا طرفين بل تعبيران عن بنية واحدة تتشكل حسب السياق واللحظة. ولعل هذا ما يُفسر أنّ التاريخ يُعيد مآسيه باستمرار، لأن الإنسان مهما ارتفعت حضارته يحمل معه دائمًا ذلك الكهف القديم في أعماقه. والغرابة ليست في وجود هذا الكهف، الغرابة الحقيقية في أنّ الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعرف أنّه يحمله، ومع ذلك يتساءل إن كانت المعرفة وحدها تكفي لتغييره. فهل يكفي أنّ يرى الإنسان وحشه ليروّضه؟ أم أنّ الرؤية ذاتها قد تكون فخًا آخر يمنحه وهم الوعي بدلًا من فعل التخطي والعبور؟ لا يبدو أنّ التاريخ يملك جوابًا نهائيًا. بيد أنّ ما تُقرره الحكمة الإنسانية والوحي معًا هو أنّ الوعي بالمرض شرط ضروري للشفاء، وإن لم يكن كافيًا وحده. ولعل الإنسانية لم تُحسم بعد ما إذا كانت تريد فعلًا أنّ تنجو من نفسها، أم أنّها تُفضّل في سرّها العميق أنّ تبقى على هذا التناقض المُضني الجميل.
***
أ. م. د. حيدر شوكان السلطاني
جامعة بابل / قسم الفقه وأصوله
.......................
[1] ينظر: توماس هوبز، اللفياثان، ترجمة: ديانا حبيب حجار، (بيروت: دار الفكر اللبناني)، الطبعة الأولى، 1993م، ص 154-160. وأصل المقولة "homo homini lupus" لدى الكاتب اللاتيني بلاوتس، استعادها هوبز في مقدمة اللفياثان.
[2] ينظر: سبينوزا، رسالة في السياسة، ترجمة: عمر مهيبل، (الجزائر: موفم للنشر)، طبعة 1995م، ص 42.
[3] ينظر: جان كلود مونو، "ميشال فوكو: ميكروفيزياء السلطة"، ضمن: في الترجمة والفلسفة السياسية والأخلاقية، ترجمة: عز الدين الخطابي، (المغرب: منشورات عالم التربية)، الطبعة الأولى، 2004م، ص 113. وينظر: عبد العزيز العيادي، المعرفة والسلطة، (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر)، الطبعة الأولى، 1994م، ص62.
[4] ينظر: راسل، هل للإنسان مستقبل، ترجمة: سمير عبده، (بيروت: دار المسيرة)، الطبعة الثانية، ص 13.
[5] راسل، المجتمع البشري في الأخلاق والسياسة، ترجمة: عبد الكريم أحمد، (القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية)، طبعة 1960م، ص 142.
[6] ينظر: د. آمال علاوشيش، "برتراند راسل، فيلسوف السلم"، ضمن كتاب: الفلسفة السياسة المعاصرة - قضايا وإشكاليات، إشراف: خديجة زتيلي، (الجزائر: منشورات الاختلاف)، الطبعة الأولى، 2014م، ص 34.
[7] نيكولا ماكيافيلي، الأمير، ترجمة: خيري حماد، (بيروت: الأهلية للنشر والتوزيع)، الطبعة الأولى، 2008م، ص 105.
[8] سورة الشمس، 9.







