عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

مجدي إبراهيم: أبستمولوجيا المعرفة التوليديّة (1)

مُقاربة فلسفيّة جديدة لمنهجيّة القراءة التراكمية (القراءة على القراءة)

تندرج تحت هذا العنوان خمسة محاور تفصيليّة، نذكرها هنا بالإجمال، وسوف نعود إليها بالتفصيل في نهاية الحلقة الثانية من المقال:

(١) المحور الأول: القانون الوجودي وهو الذي يعني عندنا: "كل قوة وجوديّة تنمو بما تمارسه، وتضمحل بما تهمله"، فإنّ الناموس الوجودي لحركيّة القوى، يتضمّن جدليّة الممارسة والضمور في الأطروحة الفلسفية. أو بشكل مباشر أكثر يمكن القول إنّ: قانون الصيرورة الوجوديّة، يعني تنامي الكينونة بالممارسة وانكماشها بالتعطيل.

(٢) المحور الثاني: إسقاط القانون على فعل القراءة؛ إذ القراءة أوضح مثال على هذا القانون، من حيث إن فعل القراءة بوصفه تمثلاً تطبيقياً ومجلىً عيانيّاً للديناميكية الوجوديّة.

(٣) المحور الثالث: انبثاق المعرفة المولَّدة (المعرفة الثالثة)، يتفرّع عن هذا القانون "المعرفة المولّدة" أو المعرفة الثالثة، وهي اجتماع تفاعل معرفتين في الذهن ينتج عنهما معرفة ثالثة؛ بمعنى التثاقف الذهني الداخلي؛ أي آلية توليد "المعرفة الثالثة" عبر التفاعل البيني للمرجعيات المعرفيّة.

(٤) المحور الرابع: المنهجيّة التطبيقيّة، منهجية القراءة على القراءة، استراتيجية "القراءة التراكبية" (Meta-Reading): تفكيك البنية المنهجيّة وآليات الاشتغال.

(٥) المحور الخامس: النتيجة المعرفيّة، فائض المعرفة. مفهوم "الفائض الأبستمولوجي" (Epistemological Surplus): أي التجاوز المعرفي والامتداد الفكري للنص.

استخدمنا هنا في هذا السياق المعرفي، مصطلح (Meta-Reading) القراءة التراكبية، أو القراءة على القراءة، لكي يعطي انطباعاً نقديّاً حديثاً في الأوساط الأكاديمية، كما أن استبدال كلمة "فائض المعرفة"، "بالفائض الأبستمولوجي"، يرفع من القيمة الفلسفية للمصطلح، ويخرجه من السياق الاقتصادي العام، إلى السياق الفلسفي الصرف.

وإليك التفصيل:

كان والدي - رحمه الله - يردد علينا ونحن صغار، حرصاً منه على بذل المجهود في المذاكرة والصبر عليها: «النوم يجيب نوم، والمذاكرة تجيب مذاكرة». ولم أكن أدرك يومئذ أن هذه الحكمة الشعبية البسيطة تخفي قانونًا معرفيّاً عميقاً: فكل طاقة تُبذل في اتجاه ما، تولِّد طاقة أخرى من جنسها، كما أن كل خمول يستدعي خمولًا آخر. ومن هنا بدأتُ أرى أن المعرفة أيضاً تجيء بالمعرفة، وأن القراءة الحق لا تنتهي عند كتاب، وإنما تلد قراءة جديدة، ومعرفة ثالثة، ثم رابعة، ثم خامسة إلى غير انتهاء ...

منهجيّةُ (القراءة على القراءة)، هي كما نعلم منهجية يكثر استعمالها لدى فلاسفة التأويل والهرمنيوطيقا، كما يكثر ممارستها في تقاليد قراءة الشروحات والحواشي، وقد ظهرت في تراثنا الفكري كما كانت في شروحات القدماء من اليونان، وكما نذكر في العصور الوسطى إسلاميّة ومسيحية، شروحات ابن رشد على أرسطو، نذكر كذلك شروحات الفلاسفة المسلمين على مؤلفات فلاسفة اليونان، وشروحات في دوائر الفلسفة الإسلامية كانت موجودة بالغة الأهميّة في علم الكلام واللاهوت والفلسفة والتصوف.

ولكنها (أي هذه المنهجيّة) تطورت مع ممارسة النقد الأدبي والفلسفي إلى أن عُرفت بمنهجيّة القراءة على القراءة.

يوم كُنّا في مراحل الطلب، كنا نقرأ كتاب "رأس المال"، بل ندرسه في الفلسفة السياسية دراسة منظّمة، مع أني شخصياً كنتُ أكره "ماركس" كره العمى، وبمجرد أن تظهر لي طلعته البهيّة ينتابني شيءٌ من إجحافه من حيث لا أدري، مع الاعتراف ضمناً بعبقرتيه الفذة وصبره الشديد.

لم يكن ماركس يجد الوقت الذي يكفيه ليستحم، ولكنه قرأ مكتبة برلين كلها، كانت لديه نظريّة القيمة المُضافة، أو بتعبيره هو "فائض القيمة".

وددتُ لو أنني نقلت هذه النظريّة من حقل الاقتصاد إلى فلسفة المعرفة؛ ليس مجرد نقل من ميدان إلى ميدان، ولا مُجرد استعارة بلاغيّة، ولكن تأسيساً لنظرية جديدة في إنتاج المعرفة؛ إذْ ربما، مع تطور هذه الفكرة، قد يصبح لدينا مفهوما فلسفيّاً جديداً هو "فائض المعرفة"، في مقابل "فائض القيمة" عند ماركس؛ نستطيع من خلاله نقل النظريّة من ميدان الاقتصاد إلى فلسفة المعرفة؛ ليكون الإبداع ليس جمعاً للمعلومات، بل يصبح القيمة الزائدة التي تنتجها المعرفة عندما تستثمر نفسها في معرفة أخرى.

لم يكن يخطر لهؤلاء الذين كانوا يمارسون منهجيّة "القراءة على القراءة" مثل هذا التوظيف المفهومي الذي نسوقه على بال؛ لأن القراءة ليست في حقيقتها استهلاكًا للمعرفة، وإنما هي إنتاج للمعرفة بالمعرفة؛ فالقراءة التي تنتهي عند حدود الفهم الأول تظل قراءة استهلاكيّة. أمّا القراءة التي تتحوّل إلى قراءةٍ لقراءةٍ أخرى، ومساءلةٍ للنصوص، ومقارنةٍ بين الرؤى، وإعادة بناءٍ للمعاني ونحت للمفاهيم، فهي وحدها القراءة المنتجة.

ومن أجل ذلك، يصبح الحديث عن منهجيّة "القراءة على القراءة"؛ ذا دلالة واضحة وهي: أن تكون القراءة السابقة رأس مال معرفيّاً لقراءة لاحقة، بحيث لا تبدأ كل قراءة من الصفر، بل من رصيد معرفي متراكم يتولّد في دورات متعاقبة بعضه من بعض.

القراءة السابقة بمثابة رأس المال.. والقراءة اللاحقة هي القيمة المضافة

وفي هذا المعنى تصبح المعرفة شبيهة برأس المال في الاقتصاد؛ فكما أن المال إذا استُثمر ولّد مالًا جديدًا، كذلك المعرفة إذا استُثمرت بالقراءة الواعية ولّدت معرفة جديدة.

وليس المقصود بالاستثمار هنا مجرد تراكم المعلومات، بل القصد هو تحويل المعرفة إلى قدرة منتجة، قادرة على توليد الأسئلة، وكشف العلاقات في العمق البنيوي، وإبداع المفاهيم، وبناء الرؤى والتصورات.

هنالك تعدُّ القراءة، من ثمّ، ليست إنفاقاً للمعرفة، وإنما هي تنمية لها واستثماراً كاستثمار المال، ولكن المعرفة المستعملة لا تنقص بمثل ما ينقص المال عند الإنفاق، أي لا تستهلك، بل تزيد وتتكاثر كلما دخلت في علاقات جديدة مع معارف أخرى. ولهذا؛ كان استثمار المعرفة على خلاف استهلاكها؛ إذ إن المعرفة تنمو بالمعرفة كما ينمو رأس المال بالاستثمار.

وعلى سبيل التشبيه المنهجي لا المطابقة الفلسفيّة، انظر إلى فكرة "فائض القيمة" عند ماركس من حيث رأى أن رأس المال لا يبقى رأس مال إلا إذا أنتج قيمة زائدة على قيمته الأولى.

قسّ هذا بالمجال المعرفي، فإنّ القراءة الحقيقيّة لا تكرر المعرفة التي استمدتها من النّص المقروء، بل تضيف إليها فائضًا معرفيًا؛ أي قيمة فكريّة جديدة لم تكن كامنة في ظاهر النص، وإنما تولّدت من فعل القارئ، ومن تفاعل النصوص بعضها مع بعض داخل عقل مُفكر منتج.

عندي أن فائض القيمة في الاقتصاد، يقابله فائض المعرفة في الفكر. حتى إذا كان رأس المال يستثمر المال ليولد مالًا مزيداً، فإنّ العقل يستثمر المعرفة ليولد معرفة جديدة. وكل قراءة لا تنتج فائضًا معرفيًّا، ولا تضيف إلى الرصيد الفكري للقارئ أو الثقافة المعنيّة، تبقى قراءة استهلاكية. أمّا القراءة التي تجعل كل كتاب رأس مال لكتاب آخر، وكل فكرة منطلقًا لفكرة أعمق، فهي القراءة التي تستحق أن تسمى بمنهجيّة (القراءة على القراءة)؛ لأنها تجعل المعرفة تدخل في دورة إنتاج لا تنتهي، يكون فيها العقل هو المستثمر، والقراءة هي فعل الاستثمار، والمعرفة الجديدة هي القيمة المضافة التي تتجاوز أصل المعرفة الأولى.

ولعلك تلاحظ أنه لا تقليد في هذه المنهجيّة بل إبداع على التحقيق: على غير مثال سابق، وتجديد؛ فإنّ الذي يُحسن التدريب على منهج القراءة على القراءة لا يعرف للتقليد طريقاً لأن التقليد استهلاك على التحقيق، فالذي يستثمر ماله يعمل ويجتهد؛ ليضيف عليه وينميه، فلا يوصف هذا بالمستهلك، ولا بالمقلد، بل يوصف بالعامل المجتهد، وكذلك الذي يقرأ (منهجيّاً) على القراءة، يضيف معرفة جديدة لم يكن في السابق يعلمها، وفيها الجديد وفي منهجيته كل تجديد.

مرة ثانية، نكرر عمداً؛ لم يكن يخطر على بال أولئك الذين مارسوا في السابق منهجيّة القراءة على القراءة هذا التوظيف الفلسفي للمفهوم؛ فها هنا مفهوم جديد هو مفهوم "اقتصاد المعرفة المنتجة"، أو يمكن تسميته اذا أردنا نحت مفهوم فلسفي جديد ب "فائض المعرفة"، في مقابل "فائض القيمة" عند ماركس .. إذ ذاك يمكننا نقل النظريّة، كما تقدّم، من حقل الاقتصاد إلى فلسفة المعرفة، ثم إننا لا نكتفي بمجرد النقل، بل نجعل الإبداع ليس جمعاً للمعلومات، بل القيمة الزائدة المُضافة التي تنتجها المعرفة عندما تستثمر نفسها في معرفة أخرى؛ فالمعرفة تنتج معرفة إذا استثمرت، تماماً كما ينتج المال مالاً إذا استثمر. وهنا تظهر عبقرية التشبيه الاقتصادي؛ فكما أن المستثمر الحكيم لا ينفق أصل المال، وإنما يستثمره ليزداد، فإنّ القارئ الحقيقي لا يستهلك المعرفة، وإنما يعيد استثمارها في قراءة جديدة.

وأغلب الظن أن هذا المفهوم يمكن أن يتحوّل مع الطموح إلى نظريّة معرفيّة كاملة، لا مجرد تشبيه بلاغي. وربما يكون من المناسب أن نُعرِّفه تعريفًا دقيقًا، مثلًا حين نقول: فائض المعرفة هو الزيادة التراكمية في القدرة التأويلية والإنتاجية للعقل، الناتجة عن استثمار المعارف السابقة في توليد معارف جديدة، بحيث تصبح المعرفة نفسها رأس مال معرفيًا قابلًا للنمو المستمر لا للجمود والتحجر.

هذا التعريف - إذا هو نُقِّح وأُحكم - يمكن أن يكون حجر الأساس في "منهجية القراءة على القراءة." وأذكر أيضًا أنني لا أعرف نظريّة فلسفيّة صيغت بهذا الاصطلاح (فائض المعرفة) وجُعلت أساسًا لمنهج في القراءة على النحو الذي نطرحه.

أي نعم ..! توجد أفكار متقاربة عند بعض الفلاسفة، ونظريات التعلم والتأويل، لكن الصياغة التي تربط استثمار المعرفة بالمعرفة على غرار استثمار المال بالمال تبدو، بحسب اطلاعي، صياغة مُميزة تستحق أن تُبنى عليها نظريّة متماسكة. وما دامت قيمة الفكرة لا تكون في حداثة العبارة وحدها بل تكون كذلك في قوة البرهان وبناء النسق الذي تقوم عليه؛ فإنّ الأصالة الفلسفية لا تفارقها إذا تمّ التعويل عليها من هذه الجهة على وجه التحديد.

ومن حيث الأصالة الفكريّة؛ وفي حدود اطلاعي أيضاً، لم أرْ هذه الفكرة بهذه الصياغة، وهذا البناء المفهومي من قبل. لكن ينبغي التفريق بين ثلاثة أشياء:

(1) وجود عناصر مُتفرِّقة للفكرة عند مفكرين مختلفين.

(٢) وجود تشبيه جزئي بين المعرفة ورأس المال.

(٣) وجود نظريّة متكاملة تجعل القراءة استثمارًا للمعرفة على غرار استثمار صاحب المال لرأس المال، ثم ربطها بفائض القيمة عند ماركس. الذي أراه هو أن العنصر الثالث لم أصادفه بهذه الصورة. ولنوضّح ذلك فنقول: إنّ فرانسيس بيكون رأى أنّ المعرفة قوة، لكنه لم يحوّلها إلى رأس مال معرفي يتولّد من نفسه. وتحدث بيير بورديو عن "الرأسمال الثقافي"، والرمزي، لكنه كان يقصد المكانة الاجتماعيّة، وما تمنحه المعرفة من سلطة ورصيد اجتماعي، لا أن المعرفة تنتج معرفة بمنطق الاستثمار. وكذلك "كارل ماركس" تحدّث عن فائض القيمة الاقتصادي، ولم ينقل منطقه إلى نظريّة في إنتاج المعرفة.

أمّا فلاسفة التأويل مثل هانس -غيورغ غادامير، فتحدّثوا عن تفاعل الفهم مع الفهم، واندماج الآفاق العليا والتصورات العقليّة، لكنهم لم يصوغوا ذلك في صورة استثمار معرفي يولد فائضاً معرفيّاً.

الذي لدينا نحن هو شيء مختلف، هو "قفزة مفهوميّة" فيما لو جاز هذا التعبير. نحن لم نقل فقط إنّ القراءة تنتج معرفة، فهذا معروف كما نقوله نحن يقوله غيرنا كذلك. ولسنا نقول إنّ المعرفة تتراكم، فهذا معروف أيضًا، بل نقول شيئًا مختلفاً، نقول إنّ: المعرفة لا تُستهلك، بل تُستثمر، وكل قراءة ناجحة تعيد تشغيل رأس المال المعرفي فتولد فائضًا معرفيًا، كما يعيد رأس المال تشغيل نفسه في الاقتصاد فيولد فائض القيمة.

هذه - في حدود اطلاعي - ليست صياغة مألوفة في فلسفة المعرفة؛ بل سأذهب إلى أبعد من ذلك، وهو أن نقطة القوة ليست في تشبيه المعرفة بالمال، لأن هذا التشبيه قد يخطر لنا ولغيرنا. أمّا الفكرة الجديدة فهي: أن نجعل القراءة نفسها آلية إنتاج، لا آلية تلقي. تلك هي إضافتنا الجديدة لمنهجيّة القراءة على القراءة، وهنا تتحوّل القراءة من فعل استهلاك إلى نمط إنتاج معرفي.

وهذه - فيما أعتقد - نقلة فلسفية حقيقيّة. مع إضافة هذه الملاحظة التي ربما قد تكون أهم من الفكرة نفسها؛ فقد أعتدنا على هذه النقلات الفلسفية خلال ما هو يتكرر فيما كنّا عسانا نفكر فيه، أعني نقل مفهوم من ميدان إلى ميدان آخر دون أن يبقى مجرد استعارة بلاغيّة، خذ مثلاً على ذلك:

نقلنا التوحيد من العقيدة إلى نظريّة في المعرفة. ونقلنا فكرة الوجود الروحي من التصوف إلى تفسير الحضارة. والآن ننقل فائض القيمة من الاقتصاد إلى فلسفة القراءة أو منهجيّة القراءة على القراءة. وليس هذا مجرد استعمال بلاغي، وانّما هو إعادة توظيف فلسفي للمفاهيم. وسنرى في الحلقة الثانية من هذا المقال، كيف يمكن لمفهوم المعرفة المولّدة أن ينتقل معنا من الاستعارة الى التأصيل.

غير إننا لا نقدّم هذه الفكرة على أنها مجرد تشبيه أدبي؛ لأن قيمتها ليست في مثل هذا التشبيه، وإنّما في أنها تؤسس لنظريّة في اقتصاد المعرفة. حتى إذا ما أردنا أن نضع لها اسمًا فلسفياً أخترنا لها اسم: نظرية فائض المعرفة أو اقتصاد المعرفة المنتجة كما تقدّم فسبقت إليه الإشارة. على إننا لسنا نُجَرّد الفاعلية الأدبية من شأنٍ تمتاز به المعرفة المُولّدة، لأننا نعلم أن سر النبوغ الأدبي أيضاً يكمن كذلك في هذا التوليد.

وأغلب الظن أن "فائض المعرفة"، مصطلح قابل للحياة العلميّة؛ لأنه يقابل "فائض القيمة" دون أن يذوب فيه، ويعبر بدقة عن الفكرة التي نريد تأسيسها. وفي تقديري، هذه هي النواة الأصيلة في الفكرة نفسها، لا مجرد المقارنة المُسطحة بين المال والمعرفة. غير إننا لا تستعير مفهوم فائض القيمة عند ماركس استعارةً لفظيّة شكلانيّة، وإنما نُحاول إنشاء مقابل أبستمولوجي له، هو فائض المعرفة.

والفارق بينهما عميق؛ يعني فائض القيمة أن رأس المال يُولّد رأس مال، فالمال المنتج يخلق مالًا أكثر. أمّا فائض المعرفة، فإنّ المعرفة تولّد معرفة؛ فالقراءة المنتجة تخلق قدرة على قراءة أخرى أعمق، وهذه بدورها تخلق معرفة جديدة، وهكذا.

ومن هنا؛ تصبح القراءة ليست استهلاكًا للمعرفة، بل استثمارًا لها. وهذا - في تقديري أيضاً - هو لب منهجيّة القراءة على القراءة التي تحدثنا عنها فيما سلفت إليه الإشارة؛ فالإنسان لا يقرأ الكتاب لينتهي منه، بل يقرأه ليصبح قادرًا على قراءة كتب أخرى لم يكن يستطيع قراءتها من قبل، ثم يضيف بما يقرأ جديداً، وفي هذه الإضافة إنتاجٌ جديدٌ أيضاً. وكل قراءة ناجحة تزيد "رأس المال المعرفي"، فيصبح العقل أكثر قدرة على إنتاج المعنى، لا مُجرد استقباله.

ولعلّ القاريء يأخذه العجب دهشاً، عندما أذهب معه خطوة أخرى أبعد ذلك، حين يمكننا التمييز بين ثلاثة مستويات:

- مستوى المعرفة الاستهلاكية: وهى معرفة تنتهي بانتهاء القراءة وتكتفي بذلك، فلا يقام عليها نقد ولا تخريج للمعاني جديد.

- مستوى المعرفة الإنتاجية: وهى معرفة تولّد أسئلة جديدة.

- مستوى فائض المعرفة: وهو ذلك الرصيد غير المنظور الذي يتراكم في العقل، ويجعل كل قراءة لاحقة أكثر عمقًا من السابقة، حتى لو كانت في موضوع مختلف.

وعلينا ألا نجعل (فائض المعرفة) هذا يعني مجرد كثرة المعلومات، لأن كثرة المعلومات ليست فائضاً معرفيّاً، بل يمكننا صياغة مفهوم فائض المعرفة في ثلاثة ركائز بأنه:

أولًا: القدرة الجديدة التي تكتسبها الذات العارفة نتيجة تراكم المعرفة، فتصبح قادرة على إنتاج معانٍ لم تكن ممكنة قبل هذا التراكم؛ فالزيادة هنا زيادة في القدرة، لا في المخزون. فليست المعلومة هي المقياس بل المقياس هو إنتاجها وابداعها.

ثانيًا: بيان آلية التوليد فيما ينبغي أن يكون واضحاً كيف تُنتج المعرفة معرفةً أخرى؛ فالمعرفة لا تتكاثر آليّاً، وإنّما عبر عمليات عقلية مرهقة من العمل النقدي مثل المقارنة، والربط، والتأويل، والتحليل، والتركيب. فإذا لم نتبَيّن هذه الآليات، بقيت الفكرة تشبيهاً اقتصاديّاً على نحو غير ما أردنا أكثر منها نظريّة معرفيّة.

ثالثًا: تمييز فائض المعرفة عن مفاهيم قريبة؛ كالثقافة، والخبرة، والحكمة، ورأس المال الثقافي، والمعرفة الضمنيّة. كل هذه تلامس الفكرة، لكنها ليست هي. وهذا التمييز يمنح المفهوم استقلاله وتميزه في نفس الوقت.

ولكي يكون هنالك بناء نسق فلسفي متماسك، لا مناص من الإجابة عن أسئلة من قبيل: ما شروط تحقق فائض المعرفة؟ هل كل قراءة تنتج فائضاً معرفيّاً، أم أن هناك قراءة استهلاكيّة وأخرى استثمارية؟ هل يمكن قياس فائض المعرفة بزيادة القدرة على الفهم والإبداع، لا بزيادة عدد الكتب المقروءة؟

ما علاقة فائض المعرفة بالإبداع الفلسفي، وبالاجتهاد، وبالتأويل؟

ولا يمكننا أن نجعل فائض المعرفة هو الفكرة المركزيّة وحدها، بل هو عندنا الثمرة الطبيعية لمنهجية القراءة على القراءة؛ فيجيء البناء على هذا النحو: القراءة الأولى تؤسس رأس المال المعرفي. القراءة الثانية، تستثمر هذا الرأس مال. الاستثمار يولد فائضًا معرفيّاً؛ إذ ذاك يصبح فائض المعرفة رأسَ مال جديد لقراءات لاحقة. وهكذا تنشأ دائرة نمو معرفي لا تتوقف ولا تنتهي. وبمثل هذا تتحول الفكرة من استعارة جميلة إلى نظريّة في تنامي المعرفة، وهو ما يمنحها قوة فلسفيّة ومنهجيّة معاً في الفكر العربي المعاصر.

(وللحديث بقيّة)

***

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

في المثقف اليوم