أقلام فكرية
غالب المسعودي: الفلسفة المعاصرة في الشرق الأوسط.. تهافتُ الادعاء وفيصلُ القطيعة
دراسة إبستمولوجية في مأزق المثقف
تشخيص الانشطار المعرفي: تشهد الساحة الفكرية في الشرق الأوسط، وتحديداً في الفضاءين العربي والإسلامي، مخاضاً فلسفياً مستمراً منذ منتصف القرن التاسع عشر؛ حيث تبلورت الاستجابة للتحدي الحضاري الغربي كبنية ذهنية "منشطرة" تحاول التوفيق بين مرجعيتين متنافرتين في الأسس والمنطلقات: مرجعية التراث (الأصالة) المتجذرة وجدانياً وتاريخياً، ومرجعية الحداثة (المعاصرة) الوافدة بأدواتها العقلانية النقدية. إن هذا الانشطار المعرفي ليس مجرد اختلاف في المناهج، بل هو تجسيد لـ "قلق حضاري" يعجز فيه العقل عن إحداث "قطيعة إبستمولوجية" تامة مع الماضي، أو الانخراط الكلي في قيم الحداثة، مما أدى إلى نشوء أزمات بنيوية جعلت الفكر الفلسفي يراوح مكانه بين "اجترار التراث" و"تغريب المعرفة."
في هذا السياق، يبرز استدعاء المفاهيم الغزالية الكلاسيكية "التهافت" و"الفيصل" ليس فقط كعناوين لكتب تاريخية، بل كآليات تحليلية لفهم "ادعاءات" المثقف المعاصر الذي يحاول ممارسة التفلسف في بيئة محاصرة بالتابوهات والوصاية الأيديولوجية.
التكوين التاريخي للانشطار المعرفي وقلق النهضة
بدأ التكوين الفكري لهذه الثنائية مع إدراك الفجوة الزمنية والحضارية التي تفصل الشرق عن الغرب، حيث حفز الإحساس بالدونية التقنية الرغبة في التغيير، إلا أن المسار انشطر إلى تيارين متصارعين: تيار سلفي يرى في استعادة "الماضي الذهبي" درعاً ضد الاستلاب، وتيار تغريبي يرى في النموذج الغربي الطريق الأوحد للخروج من الركود. إن هذا الانقسام لم يظل تنظيمياً، بل تسلل إلى داخل الذات المفكرة؛ حيث بات المثقف العربي يعاني من "ازدواجية الولاء المعرفي"، فهو يستخدم أدوات المنهج الغربي كالتفكيكية والبنيوية لتحليل نصوصه التراثية، أو يستدعي مفاهيم تراثية عتيقة لتبرير تبنيه لمنتجات الحداثة.
يعد الإمام أبو حامد الغزالي الشخصية الأكثر إثارة للجدل في تاريخ الفكر الإسلامي، ليس فقط بسبب تحولاته الروحية، بل لما تركه من أثر عميق في مسار العلاقة بين العقل الفلسفي والنص الديني. إن فهم موقف الغزالي من الفلاسفة لا يستقيم دون استحضار البيئة السياسية المتفجرة في ظل الدولة السلجوقية؛ حيث كانت الفلسفة تمثل "العمود الفقري" المعرفي للدعوة الباطنية التي هددت شرعية الخلافة السنية. جاء كتابه "تهافت الفلاسفة" ليمثل ذروة النقد الغزالي، حيث ناقش عشرين مسألة أظهر فيها أن الفلاسفة (الفارابي وابن سينا تحديداً) لم يلتزموا في "الإلهيات" بالبراهين التي وضعوها في المنطق، وأن كلامهم فيها هو ضرب من "التخمين والظن".
المواربة المعرفية: آليات التخفي وسيكولوجيا الخوف
تعد "المواربة المعرفية" (أو التقية الفكرية) مفهوماً مركزياً في فهم ادعاءات الفلسفة المعاصرة، وهي تعني حجب العلم أو استبداله بلغة رمزية مواربة لتمرير الأفكار دون الصدام مع السلطة أو المجتمع. هذه الممارسة ليست جديدة، فلها جذور في التاريخ الإسلامي، لكنها في العصر الحديث تعكس "عجزاً" عن المواجهة الفكرية الصريحة.
إن المواربة المعرفية هي نتاج مباشر لـ "سيكولوجيا الخوف" التي تسيطر على المثقف؛ حيث يضطر لإنتاج "نص مزدوج": ظاهر يقدم فروض الولاء للمنظومات السائدة، وباطن يحمل بذور النقد والتفكيك. هذا النهج أنتج فكراً "ضبابياً" يفتقر إلى الوضوح اللازم للمنافسة العالمية، وتحولت الممارسة الفلسفية إلى نوع من "الجمباز اللغوي" الذي يستهلك طاقة المثقف في التحايل بدلاً من الإنتاج الإبداعي. إنها ليست مجرد حذر سياسي، بل هي عائق إبستمولوجي يمنع العقل من بلوغ تخومه القصوى، مما يجعل الفلسفة المعاصرة في حالة "تهافت" مستمر بين ما تريد قوله وما تستطيع الجهر به.
إبستمولوجيا العوائق: الثالوث المحرم
لا يمكن سبر أغوار الانشطار المعرفي دون فحص "الثالوث المحرم" (الدين، السياسة، الجنس) الذي يشكل جداراً برلينياً أمام العقل النقدي. تظل الفلسفة محاصرة بتابوهات تمنع التفكير من بلوغ غاياته:
تابو الدين: يظل الدين العائق الأكثر تعقيداً؛ إذ يُنظر إليه كمنظومة ما ورائية مطلقة لا كحقل للدراسة. المفكر الذي يسعى لتشريح المنظومة العقدية يصطدم مباشرة بـ "حراس المعبد"، مما يعزز ممارسة المواربة المعرفية المذكورة آنفاً.
تابو السياسة: توظف السلطات المنظومات الذهنية التقليدية كأداة للضبط الاجتماعي، فتتحول الفلسفة من أداة للتحرر إلى وسيلة لشرعنة "الدولة العميقة" أو تبرير الطاعة.
تابو الجنس: يظل الجسد كائناً "مستتراً" لا يتم تناوله ككيان فلسفي، مما يعكس عجزاً عن مواجهة الطبيعة البشرية ويؤدي لانفصام حاد بين الممارسة والخطاب.
الرؤية الماركسية: الفلسفة كأداة للصراع وتغيير الواقع
بإدخال الرؤية الماركسية، نجد أن الفلسفة لا تُفهم كترف ذهني، بل هي "وعي بالواقع من أجل تغييره". ومن هنا، يرى المفكر الماركسي أن الانشطار بين (أصالة ومعاصرة) ليس صراعاً بين أفكار مجردة، بل هو انعكاس لصراع المصالح الطبقية.
يرى النقد المادي أن "المواربة المعرفية" هي تعبير عن ضعف الطبقة الوسطى المثقفة وعجزها عن تشكيل "كتلة تاريخية" (بتعبير غرامشي) قادرة على مواجهة القوى التقليدية. المثقف العربي يعاني من "استلاب مزدوج"؛ فهو مستلب تجاه المركزية الغربية الرأسمالية، ومستلب تجاه قوى الإنتاج المحلية المتعطلة. الماركسية هنا تتهم المثقف بأنه يعيش في "برج عاجي" من المفاهيم، بينما الواقع يتطلب انخراطاً في قضايا الجماهير. إن "تهافت" المثقفين الماركسيين أنفسهم جاء من استيراد المنهج المادي وتطبيقه حرفياً دون مراعاة لخصوصية المجتمعات الشرقية، مما حول الماركسية من أداة حية إلى "عقيدة" جامدة.
تشريح "العقل المستقيل" والجهل المقدس
في قلب أزمة المثقف برز الجابري في "بنية العقل العربي" ليصف الغزالي كرمز لـ "استقالة العقل" وانتصار العرفان على البرهان. بينما يبرز مفهوم "الجهل المقدس" الذي تناوله محمد أركون كحالة من "التفكير الرغبوي" الذي يتمنى تغيير الواقع بالخطابات الإنشائية دون الأدوات العلمية. إن أركون يرى أن التفكير محصور داخل "سياج دوغمائي مغلق"، مما يمنع المثقف من ممارسة "التعقل الإيجابي" القادر على تفكيك بنى السلطة والتقليد.
المؤسسة الأكاديمية والوصاية الأيديولوجية
تعاني الفلسفة في الجامعات العربية من أزمة مزمنة؛ حيث غلب الفكر الأيديولوجي والولاء السياسي على التفكير المعرفي. إن تهميش الفلسفة والمنطق في المناهج هو قرار سياسي يهدف لضرب "مصنع توليد الأفكار"؛ فالفلسفة هي التي ولدت مفاهيم الديمقراطية والمواطنة، وعندما يتعطل التفكير العقلاني، تتخبط المجتمعات في أزمات الهوية والتبعية.
نحو "فيصل" جديد للعقل العربي
إن الطريق نحو "تنوير" حقيقي يبدأ بالاعتراف بأن الفلسفة ليست ترفاً، بل هي "شرط بقاء وجودي". إن كسر أغلال التابو والمواربة المعرفية هو الشرط الضروري لأي نهضة. والبديل هو استمرار حالة "التهافت" التي تجعل المثقف مجرد "صدى" لأفكار الآخرين.
يبقى الصراع بين "التهافت" و"الفيصل" هو المحرك الأساسي؛ فإما السقوط في تهافت الادعاءات الفلسفية التي لا تلامس الواقع، وإما اجتراح "فيصل" إبستمولوجي ومادي جديد يعيد للعقل كرامته وللمثقف دوره كفاعل اجتماعي قادر على صناعة المستقبل بدلاً من تبرير الحاضر أو البكاء على الماضي. إن الرحلة من الغزالي إلى الجابري وأركون والماركسية العربية تثبت أن العقل العربي يمتلك الأدوات، لكنه يحتاج إلى الشجاعة لاستخدامها بعيداً عن الوصاية.
***
غالب المسعودي
.........................
مراجع
الغزالي، أبو حامد: تهافت الفلاسفة.
الغزالي، أبو حامد: فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة.
الجابري، محمد عابد: بنية العقل العربي.
أركون، محمد: تحرير العقل الإسلامي.
تيزيني، طيب: من التراث إلى الثورة.
مروة، حسين: النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية.
عامل، مهدي: نقد الفكر اليومي.
حرب، علي: نقد النص.







