عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

غالب المسعودي: تشريح آليات تضليل الوعي واستلاب الجسد في الفضاء السلطوي

الجسد كحقل صراع أيديولوجي

تمثل ظاهرة "الإباحية السياسية" في سياق الشرق الأوسط المعاصر واحدة من أكثر القضايا إشكالاً وتداخلاً؛ إذ تتجاوز في تعريفها الجوهري مجرد إنتاج ونشر المواد البصرية ذات الطابع الجنسي الصريح، لتتحول إلى استراتيجية بنيوية متكاملة تهدف إلى توظيف الغرائز والجسد في صراعات القوة، وإدارة الحشود، وتفكيك البنى القيمية والمعرفية للمجتمعات. إن مقاربة هذه الظاهرة تتطلب غوصاً عميقاً في التقاطعات الحادة بين "الثالوث المحظور": السياسة، والجنس، والدين؛ وهي العناصر التي تشكل مراكز الثقل في المخيال الجمعي العربي.

في هذا الفضاء، يتم التلاعب بهذه المكونات لإنتاج حالة من "التجهيل السياسي العمدي" الذي يعيد صياغة وعي الفرد وسلوكه تجاه السلطة والمجتمع. لا يُنظر إلى الإباحية هنا كفعل فردي معزول، بل كظاهرة مجتمعية تم هندستها لتشويه المفاهيم الإنسانية، وتحويل الجسد من كيان ذي كرامة وجودية إلى أداة للنفوذ والسيطرة، وتفريغ الشحنات السياسية المعارضة في قنوات غرائزية ضيقة، مما يؤدي إلى تآكل المجال العام واستلاب الذات الفاعلة.

إرث الاحتلالات وتدجين الجسد المستعمر

لا يمكن فهم استلاب الجسد في الفضاء المعرفي العربي دون العودة إلى إرث الاحتلالات المتعددة التي توالت على المنطقة. لقد عملت القوى الاستعمارية، ومن خلفها منظومات الرأسمالية العابرة للحدود، على استخدام "الجسد" كأول مختبر للسيطرة. كان الهدف دوماً هو كسر "الهيبة السيادية" للفرد عبر تعريته، سواء كان ذلك تعرياً فيزيائياً في السجون والمنافي، أو تعرياً معنوياً عبر اختراق خصوصياته وتدنيس مقدساته الرمزية.

إن الاحتلال لا يكتفي بالسيطرة على الأرض والموارد، بل يسعى لتدجين "الحيز الخاص" للمواطن. ومن هنا، وُلدت بذور "الإباحية السياسية" كأداة لاختراق النخب وتطويعها. لقد أدركت القوى المهيمنة أن الجسد المستلب، الغارق في دوامة الدفاع عن غريزته أو الخوف من فضيحته، هو جسد عاجز عن ممارسة الفعل المقاوم. هذا "التدجين الاستعماري" وضع الحجر الأساس لما نراه اليوم من توظيف أمني للجنس كآلية لضبط الإيقاع السياسي وضمان ولاء التابعين عبر الابتزاز المستمر.

الرأسمالية ما بعد التحررية الجديدة وتدجين السياسات

في ظل التحولات الكونية الكبرى، انتقلت الرأسمالية من طورها التقليدي القائم على الإنتاج المادي إلى طور "ما بعد التحررية الجديدة" (ما بعد النيوليبرالية)، وهو الطور الذي يعتمد على "اقتصاد الانتباه" وتسليع الغرائز الشامل. في هذا السياق، لم تعد السلطة بحاجة إلى القمع الخشن دائماً؛ بل استعاضت عنه بآليات "التدجين الناعم" عبر إغراق الفضاء العام بمثيرات حسية تحجب الرؤية السياسية.

تعمل هذه الرأسمالية المتوحشة على تحويل المواطن من "ذات سياسية" تحمل مشروعاً نقدياً، إلى "كائن مستهلك" تطارده الرغبات اللحظية المبرمجة سلفاً. يتم توجيه الطاقات الحيوية للشباب نحو الجسد كغاية في ذاته، بدلاً من كونه وسيلة للفعل والتغيير. هذا الاستلاب يؤدي بالضرورة إلى "تفريغ السياسة من محتواها الأخلاقي"، لتصبح مجرد استعراض تقني للقوة والمال، حيث تذوب القضايا المصيرية في سيل من "المشهدية الإباحية" التي تخدم استقرار الأنظمة التابعة للمركز الرأسمالي العالمي.

سيميولوجيا الجسد المستباح في الفضاء المعرفي

ينتقل التشريح الفلسفي هنا إلى مفهوم "الحياة المجرّدة"؛ حيث يتم تجريد الفرد من حقوقه القانونية والسياسية ليتحول إلى مجرد كيان بيولوجي تحت رحمة السيادة المطلقة. في الفضاء المعرفي العربي، يتم استغلال هذا الانكشاف لإنتاج ما يمكن تسميته "التعرية الرمزية" عبر وسائط الإعلام والتواصل الاجتماعي.

إن آليات تضليل الوعي تعتمد على "إغراق المحرك المعرفي" للفرد بمعلومات وصور مشوهة، مما يؤدي إلى حالة من التبلد الوجداني. عندما يصبح الجسد مستباحاً في الدراما، وفي الإعلان، وفي الصراعات السياسية، يفقد الفرد حساسيته تجاه العنف والظلم. هذا هو الاستلاب المعرفي في أقصى صورته؛ حيث لا يعود الإنسان قادراً على التمييز بين الحقيقة والتزييف، لأن "المعنى" نفسه قد تم تفكيكه لصالح "الصورة الشارحة" التي تكرس سطوة الأقوى.

السادية السياسية والمازوخية الجماعية

يمكن قراءة السلطة في بعض سياقات المنطقة كممارسة "سادية" منظمة، تجد لذتها في إخضاع الأجساد وإذلالها. هذه السادية لا تكتفي بالتحكم الفيزيائي، بل تسعى لإنتاج "مازوخية جماعية"؛ وهي حالة من القبول الشعبي بالقهر، بل واستعذاب التسلط تحت مسميات "الاستقرار" أو "الحماية".

تتجلى هذه العلاقة في كون السلطة تمارس "التلصص" على حيوات الأفراد، محولةً الفضاء الخاص إلى فضاء مكشوف أمنياً. هذا الكشف القسري يؤدي إلى تضخم اللاوعي الجماعي بصور خيالية عن جبروت الحاكم، مما يدفع الجماهير للتقلب مع تقلبات السلطة الحربائية. إن السياسي هنا يستخدم "التعدد الرغبوي" ليبقى دائماً في مركز الانتباه، مشتتاً الوعي النقدي للجماهير عبر دفعهم لملاحقة الفضائح أو الاستعراضات البصرية التي تخفي خلفها خواءً مؤسساتياً ونهباً للموارد.

آليات الاستغفال عبر "فخاخ العسل" والابتزاز الرمزي

ينتقل استلاب الجسد من المستوى الفلسفي إلى المستوى التقني عبر ما يُعرف بـ "فخاخ العسل". وهي آلية تعتمد على تسليع الغريزة للإيقاع بالنخب الفاعلة (سياسيين، إعلاميين، مثقفين). الغاية هنا ليست المتعة أو التجارة، بل "الكسر الرمزي" للشخصية العامة وتجريدها من مشروعيتها الأخلاقية.

عندما يتم تجنيد الجسد كأداة للابتزاز الاستخباراتي، فإننا نكون أمام عملية إفراغ للفعل السياسي من محتواه؛ إذ يتحول الفرد من حامل لرسالة معرفية إلى كائن مرتهن لخوفه من الانكشاف. هذا النمط من السيطرة يساهم في خلق مجتمع "فاقد للثقة"، حيث يصبح التشكيك في نزاهة الجميع هو القاعدة، مما يسهل على الأنظمة تدجين المعارضة وتحويل الصراع السياسي من صراع على المبادئ والمواطنة إلى صراع غرائزي مشوه.

"عامل كوليدج" وتخدير الوعي في اقتصاد الانتباه

تعتمد السياسة الإباحية في عصرنا الحالي على ظاهرة "التجدد المستمر للمثيرات" (عامل كوليدج)، حيث يتم استخدام استراتيجيات "الصدمة والتشويق" لإبقاء الجمهور في حالة استهلاك دائم للصور الجديدة الصادمة. هذا "السعار البصري" يستهلك الطاقة الذهنية للفرد ويمنع تشكل وعي تراكمي أو رؤية استراتيجية للتغيير.

إن الوعي السياسي يتطلب ذاكرة واستمرارية، بينما "الإباحية السياسية" تفرض حالة من "الآنية المطلقة" و"النسيان المنظم". وبذلك، يتم استنزاف القدرة النقدية للفرد، ليصبح في حالة إرهاق معرفي مستمر تمنعه من مساءلة السلطة عن احتكار الموارد أو الفشل في إدارة الدولة. هذا الاستنزاف هو قمة تضليل الوعي، حيث يُوهم الفرد بأنه "مشارك" في الحدث عبر التعليق والمشاهدة، بينما هو في الحقيقة غارق في تدجين ناعم يقوده نحو السلبية السياسية الكاملة.

الجسد كمختبر للعنف واستعادته كفعل مقاومة

يرتبط استباحة الجسد بشكل وثيق باحتكار الموارد الاقتصادية والسياسية. إن الجسد في الشرق الأوسط يُستخدم كـ "مختبر للعنف" حيث يتم اختبار تقنيات السيطرة والمراقبة والحرمان المنظم من الاحتياجات البيولوجية الأساسية لكسر الإرادة. ومع ذلك، يرى الفكر المعاصر في الجسد أيضاً موقعاً محتملاً للمقاومة.

الجسد ليس مجرد ضحية سلبية للرأسمالية أو الاحتلال؛ بل يمكن أن يكون ساحة لـ "تقنيات الذات" وممارسة الحرية كفعل أخلاقي. إن استعادة السيادة على الجسد، عبر رفض تسليعه ورفض الخضوع لابتزاز الصور، هي الخطوة الأولى نحو استعادة السيادة السياسية. المقاومة هنا تبدأ من الوعي بحدود الجسد وهشاشته وقدرته في آن واحد على قول "لا" في وجه آلات التضليل.

الاستنتاجات العامة

إن ظاهرة الإباحية السياسية في الشرق الأوسط ليست مجرد قضية أخلاقية فردية، بل هي تحدٍ وجودي يمس جوهر الكرامة الإنسانية والتحرر الوطني. من خلال استغلال الجسد كأداة للاستغفال وتدجين السياسات، تنجح التحالفات بين الرأسمالية المتوحشة والأنظمة السلطوية في خلق حالة من التبلد المعرفي.

إن مواجهة هذه الظاهرة تبدأ من "استرداد المعنى" وإعادة الاعتبار للقيم الأخلاقية كفعل سياسي مقاوم يرفض التسليع والابتزاز وتزييف الوعي. السياسة الحقيقية هي التي تنقذ الإنسان من " المتاهة الاستهلاكية " لتعيده إلى ساحة الفعل التاريخي الرصين. يتطلب المستقبل جهوداً بحثية ومعرفية مكثفة لفهم الخصوصية الثقافية للمنطقة في مواجهة هذه التحديات، فالإجابة على سؤال "كيف نستعيد وعينا المستلب؟" هي التي ستحدد مصير المجتمعات في العقود القادمة.

 ***

غالب المسعودي