قراءات نقدية
عماد خالد رحمة: قِسْمَةٌ ضِيزَى.. في جَوْرِ الدلالة وانحرافِ الميزان اللغوي
ليست اللغةُ العربيةُ مجرّدَ أوعيةٍ للألفاظ، بل هي هندسةٌ دقيقةٌ للوعي، تُحمِّلُ الكلمةَ شحنةً نفسيةً وفلسفيةً وأخلاقيةً تتجاوز ظاهرَ المبنى إلى عمق المعنى. ومن الألفاظ التي استوقفت اللغويين والمفسّرين والمتكلّمين والنحاة لفظةُ «ضِيزَى» الواردة في قوله تعالى:
﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾
— سورة النجم، الآية ٢٢
وهي كلمةٌ نادرةٌ في الاستعمال، غريبةُ الجرس، كثيفةُ الإيحاء، حتى إنّ غرابتَها الصوتية تبدو مقصودةً لتصوير غرابةِ المعنى واختلالِه. فالقرآن لم يقل: «قسمةٌ جائرة» أو «ظالمة»، بل اختار لفظًا ذا نحتٍ صوتيٍّ حادٍّ، كأنّ الحروفَ نفسَها تحتجُّ على الظلم.
الأصل اللغوي لكلمة «ضِيزَى»
ذهب أئمةُ اللغة إلى أنّ «ضِيزَى» تعني: الجائرة الناقصة غير العادلة. وهي مأخوذة من الفعل:
ضازَ يَضِيزُ ضَيْزاً
أي: جارَ وظلمَ ونقَصَ الحقَّ.
قال ابن منظور في لسان العرب:
«ضازَ في الحكم: جارَ، وضازَه حقَّه: نقصه إيّاه».
وقال الزجّاج:
«القِسمة الضيزى هي القسمة الجائرة التي تميل عن العدل».
فاللفظةُ تدورُ كلّها حول معنى الميل والانحراف عن القسط، لا مجرّد الظلم الخامّ، بل الظلم الذي يُلبَس ثوبَ الشرعية والعقلانية.
البناء الصرفي وإشكاليته
استوقفت كلمة «ضِيزَى» علماءَ الصرف والنحو؛ لأنها جاءت على وزنٍ غيرِ مطّرد في العربية. وقد اختلفوا في أصلها ووزنها.
رأي البصريين:
ذهب نحاةُ البصرة، وعلى رأسهم سيبويه والمبرّد، إلى أنّ «ضِيزَى» على وزن فِعلى، كـ«ذِكرى» و«بُشرى»، إلا أنها صفةٌ مؤنثةٌ بمعنى الجور.
ورأى بعضهم أنّ الياء فيها منقلبةٌ عن واو، وأصلها «ضُوزى»، لكنّ الواو كُسرت فقُلبت ياءً لمجانسة الكسرة، وفق قوانين الإعلال الصوتي.
وكان البصريون شديدي العناية بالقياس، لذا اعتبروا اللفظةَ شاذةً في السماع، لكنها صحيحةٌ في الاستعمال القرآني، لأنّ القرآن عندهم هو الحُجّة العليا التي يُقاس عليها ولا يُقاس هو على غيره.
رأي الكوفيين:
أما الكوفيون فكانوا أوسعَ قبولاً للسماع وأقلَّ تشدداً في القياس، فرأوا أنّ «ضِيزَى» لفظةٌ عربيةٌ فصيحة جاءت على لهجة بعض العرب، ولا ضرورةَ لتكلّف تأويلات صرفية معقّدة.
وقد ذهب بعضهم إلى أنّ غرابةَ الكلمة مقصودةٌ بلاغيّاً؛ لأنّ العرب كانت تستقبحُ الأصواتَ الثقيلة حين تُستعمل في سياقات الذمّ، فجاءت «ضِيزَى» بجرسٍ حادٍّ متكسّر ليُحاكي قبحَ القسمة نفسها.
وهنا تظهر عبقرية العربية؛ إذ يتحوّل الصوتُ إلى موقفٍ دلالي، وتصبح الموسيقى اللغوية جزءًا من المعنى.
«قسمة ضيزى» في السياق القرآني
جاءت الآية في سياق نقد التصوّر الوثني عند عرب الجاهلية، حين جعلوا لله البناتِ — بزعمهم — ولأنفسهم البنين، فقال تعالى:
﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾
أي: أيُّ عدلٍ هذا الذي تمنحون فيه أنفسَكم ما تستحسنون، وتنسبون إلى الله ما تستقبحون؟
فالآية ليست مجرّدَ اعتراضٍ ديني، بل نقدٌ عميقٌ لبنية التفكير المنحاز؛ إذ إنّ الإنسانَ حين يُؤسّس القيمَ على الهوى، يتحوّل العقلُ إلى أداةِ تبرير، لا أداةِ حق.
ومن هنا التقى علماءُ الكلام مع اللغويين في فهم هذه الآية؛ لأنّ المسألة لم تعد صرفًا أو نحوًا فحسب، بل أصبحت سؤالًا في العدالة والمعرفة والمنطق.
علماء الكلام ومفهوم «الضيزى»
رأى المعتزلة، الذين جعلوا العدلَ أصلًا من أصولهم، أنّ الآيةَ تحمل إدانةً عقليةً قبل أن تكون دينية؛ لأنّ العقل السليم يرفض التناقض في المعايير.
أما الأشاعرة فركّزوا على فساد القياس العقدي عند المشركين، إذ إنهم نسبوا إلى الله ما لا يرضونه لأنفسهم، وهذا عندهم قمّةُ الاختلال المعرفي.
وقد تنبّه المتكلّمون إلى أنّ «القسمة الضيزى» ليست مجرّدَ ظلمٍ اقتصادي أو اجتماعي، بل هي صورةٌ من صور الانحراف الإدراكي؛ حين يُصبح الإنسانُ أسيرَ الهوى في تعريف الحقيقة نفسها.
وهذا ما يجعل اللفظةَ حيّةً في كلّ عصر؛ إذ ما أكثرَ «القِسمات الضيزى» في السياسة والثقافة والاقتصاد والمعرفة، حين تُوزَّع الحقوقُ وفق القوة لا وفق العدل.
فقهاء اللغة ودلالة الانحراف
فرّق فقهاءُ اللغة بين ألفاظ الظلم في العربية:
الجور: الميل عن الحق.
الظلم: وضع الشيء في غير موضعه.
الحيف: النقص المتعمّد.
الضيزى: ظلمٌ منحازٌ مشوَّهُ المعيار.
ولهذا كانت «ضيزى» أعمقَ من مجرد «جائرة»، لأنها توحي بوجود ميزانٍ مختلٍّ من أساسه، لا مجرد خطأٍ عابر في التطبيق.
فاللفظةُ تحمل في جوفها فلسفةً كاملةً عن اختلال القيم.
البلاغة الصوتية في الكلمة
إنّ تأمّل أصوات الكلمة يكشف عن عبقرية التعبير العربي:
الضاد: حرفٌ ثقيلٌ مجهور يوحي بالضغط والانقباض.
الياء المكسورة: تمنح اللفظةَ انكساراً صوتيّاً.
الزاي: صفيرٌ حادّ يشبه الاحتكاك.
الألف المقصورة في النهاية: امتدادٌ يوحي بالتبرّم والاستنكار.
وكأنّ الكلمةَ نفسها تحتجُّ على الظلم قبل أن يكتمل معناها.
وقد أدرك البلاغيون أن العلاقة بين الصوت والدلالة ليست اعتباطية، بل إنّ العربية كثيراً ما تجعل البنيةَ الصوتيةَ مرآةً للحالة النفسية والمعنوية.
«الضيزى» بوصفها بنيةً حضارية
ليست «القسمة الضيزى» حادثةً تاريخيةً من بقايا الجاهلية، بل هي نمطٌ متكرّرٌ في الوعي البشري؛ فكلُّ مجتمعٍ يوزّع الحقوقَ على أساس العِرق أو الطائفة أو الطبقة أو القوة إنما يُعيد إنتاج «الضيزى» بلغةٍ جديدة.
وحين يُصبح القانونُ خادماً للنفوذ، والثروةُ حكرًا على فئة، والحقيقةُ رهينةَ الدعاية، فإنّنا نكون أمام حضارةٍ تمارس «القسمة الضيزى» باسم الحداثة أو الوطنية أو حتى الدين.
ولهذا بقيت الكلمةُ القرآنية حيّةً؛ لأنها لا تصف واقعةً جزئية، بل تكشف آليةَ الانحراف حين يفقد الإنسانُ ميزانَ العدل الداخلي.
خاتمة:
إنّ لفظةَ «ضِيزَى» شاهدٌ على عبقرية العربية في تكثيف المعنى داخل بنيةٍ صوتيةٍ موجزة. فهي ليست كلمةً غريبةً فحسب، بل رؤيةٌ كاملةٌ للظلم حين يتحوّل إلى نظامٍ فكريٍّ ومعياريّ.
وقد كشف النحاةُ عن بنيتها، وفسّر اللغويون أصلَها، وتأمّل المتكلّمون دلالتَها العقلية، بينما جعلها القرآنُ رمزًا لكلِّ ميزانٍ مختلٍّ يتستّر بثوب الشرعية.
وهكذا تبقى «القسمة الضيزى» ليست مجردَ تعبيرٍ لغوي، بل تحذيراً حضاريّاً دائماً:
أنّ أخطرَ الظلم ليس ما يُمارَس بالقوة وحدها، بل ما يُمارَس باسم العدل نفسه.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين







