حين يصارع المواطن لهيب الصيف وقسوة الواقع
حكاية شعبية في مواجهة القيظ
يُحكى في التراث الشعبي أن جحا كان يسير في إحدى ظهيرات الصيف اللافحة في مدن العراق الحارة، وكانت الشمس كأنها صبّت حممها على الأرض فلم يُجدِ معها ظل ولا مستقر. وبينما هو يلهث من شدة القيظ، رأى رجلاً قد احتمى بظل جدار وضنّ حتى بالظل على المارة، فوقف جحا أمامه وقال بذكائه المعهود: "يا هذا، إن كنت لا تطيق بيع الماء، فبعني هذا الظل ساعةً من النهار ريثما تنكسر سورة الشمس". فضحك البخيل باستهزاء وقال: "الظل لا يُباع!". فأجاب جحا دون أن يتلجلج: "إذن، حافظ على ظلك جيداً، فحين تميل الشمس للغروب سيتحول الظل إلى جهتي، وحينها لن أسمح لك بأن تشاركني إياه!".
تجسد هذه الطريفة الشعبية روح الإنسان العراقي والعربي التاريخية في التحايل الساخر على قسوة الصيف، وهي الروح ذاتها التي تترجم اليوم ملحمة صامتة بين جغرافية قاسية تفرضها القباب الحرارية والمنخفضات السطحية، وواقع معيشي يصارع انقطاع الكهرباء وارتفاع درجات الحرارة فوق حاجز الخمسين مئوية.
المنظومة المناخية والجغرافية وقسوة الطقس الصيفي في العراق
يشهد العراق خلال فصل الصيف انحرافات حرارية قياسية تتجاوز فيها درجات الحرارة حاجز الخمسين مئوية ورغم أن الطبيعة الجغرافية للمنطقة محكومة مسبقاً بخصائص النطاق الجاف إلا أن التداخل المعقد بين التغيرات المناخية الحديثة والديناميات الجوية يفرض تساؤلات عميقة حول طبيعة هذا المناخ تطوره عبر الزمن وإمكانية تطويعه تقنياً حيث تعود قسوة الطقس الصيفي في العراق إلى منظومة مناخية وجغرافية متكاملة أبرزها المنخفض الجوي الحراري السطحي الذي يتزامن تعمقه مع مرتفع جوي في الطبقات العليا يعمل بمثابة قبة حرارية تحبس الكتل الهوائية الساخنة وتمنع تمددها رأسياً نحو الأعلى إلى جانب الموقع والتضاريس حيث تقع السهول المكشوفة لوسط وجنوب العراق بمنأى عن تأثيرات البحار المفتوحة مما يعظم من امتصاص الإشعاع الشمسي المباشر وإعادة بثه كحرارة محسوسة فضلًا عن الهيمنة المستمرة للرياح الجافة والقادمة من الامتدادات الصحراوية المجاورة والتي تتسم بانعدام الرطوبة النسبية
عند إسقاط نظرة تاريخية ومناخية على العراق قبل ألف عام خلال العصر الوسيط والعصر العباسي يتضح أن المتوسط العام لدرجات الحرارة لم يكن يحمل ذلك الفارق الرقمي الهائل بالمعايير الكونية إذ يقدر الارتفاع الإجمالي الناتج عن الاحتباس الحراري البشري بنحو 1.2 إلى 1.5 درجة مئوية إلا أن الفارق الجوهري يكمن في التطرف المناخي حيث تشير السجلات التاريخية ومؤرخو ذلك العصر إلى تقلبات طبيعية وموجات برد قاسية كوثائق تساقط الثلوج النادرة في بغداد وموصل قديماً بينما يتسم العصر الحديث بتكرار عنيف لموجات الحر الشديدة إضافة إلى البصمة البشرية حيث التغيرات الحالية محكومة بالثورة الصناعية وتضاعف تراكيز غازات الدفيئة وثاني أكسيد الكربون التي قفزت من مستوياتها المستقرة تاريخياً عند نحو 280 جزءاً في المليون لترتفع باستمرار وتتجاوز 420 جزءاً في المليون مما زاد من معدلات الاحترار الإقليمي في حين يتسم فصل الصيف بثبات الاستقطاب الحراري نتيجة ميل محور الأرض وثبات زاوية السقوط الإشعاعي مع التأكيد على عدم وجود أي تأثير فلكي لحركة الكواكب أو دوران الفضاء على مناخ العراق الفصلي يخضع فصل الشتاء لديناميكية مغايرة تحكمها أنظمة الضغط الجوي وصراع المنخفضات والمرتفعات حيث تتبدل كميات الأمطار تبعاً لغلبة المنخفضات الجوية القادمة عبر البحر الأبيض المتوسط المصدر المطري الأساسي مقابل سيطرة المرتفع السيبيري البارد والجاف بالإضافة إلى الدورات المناخية الكبرى مثل ظاهرتي الأنينو واللانينيا وتغيرات التيارات النفاثة التي تلعب دوراً محوريًا في توجيه أو حجب الكتل الرطبة عن أجواء بلاد الرافدين
تُطرح تساؤلات علمية متكررة حول إمكانية استخدام العلوم المتقدمة مثل تكنولوجيا النانو أو هندسة المناخ لقلب طقس الصيف في العراق إلى جو معتدل وهنا تقف المعايير الفيزيائية أمام محددات صارمة تتمثل في الحدود المحلية للتقنية حيث تقتصر التطبيقات الناجحة لتقنيات النانو كالطلاءات فائقة العكس للحرارة والمواد النانوية والتشجير الحضري على التخفيف من ظاهرة الجزيرة الحرارية الحضرية وتقليل الحرارة المحسوسة محلياً فقط داخل المدن واستحالة التبريد الإقليمي لأن الكميات الهائلة من الطاقة الحرارية التي تتلقاها المساحات الشاسعة من الشمس يومياً فضلاً عن الحركة الدائمة للكتل الهوائية والديناميكا الهوائية للغلاف الجوي والرياح الصحراوية المتجددة تجعل من المستحيل هندسياً واقتصادياً تغيير الطبيعة المناخية لإقليم كامل بصورة جذرية ومصطنعة
وسائل المواجهة والمعاناة المعيشية والتفاوت الطبقي في مواجهة الحر
تتعدد وسائل الهروب من درجات الحرارة القياسية في العراق وتتفاوت بين الإمكانيات المتاحة فنجد الاعتماد الكثيف على أجهزة التبريد المنزلية مثل المكيفات والمبردات التي تعمل بلا توقف واللجوء إلى المياه المثلجة والمشروبات الباردة والبقاء في الأماكن المغلقة طوال ساعات الذروة النهارية فضلاً عن الاستعانة بالمسطحات المائية أو الظلال في الحدائق العامة إن وُجدت وصولاً إلى الحلول الهندسية والمحلية مثل زراعة المساحات المحيطة الدور أو طلاء الأسطح بمواد عاكسة للحرارة لتخفيف شدة الأجواء داخل المنازل بينما تتفاقم معاناة المواطن العادي في ظل الظروف الاقتصادية الحالية واقترانها بانقطاع التيار الكهربائي المتكرر وسط درجات الحرارة التي تجاوزت حاجز الخمسين مئوية حيث يضطر المواطن إلى تحمل أعباء مالية باهظة لتوفير الطاقة البديلة عبر مولدات المحلات أو المولدات المنزلية الخاصة واستهلاك الوقود الباهظ الثمن بالإضافة إلى تكاليف صيانة أجهزة التبريد المتكررة بسبب ضغط التشغيل المستمر مما يضع الأسرة أمام ضغوط معيشية قاسية لإيجاد التوازن بين توفير متطلبات الحياة الأساسية وفواتير الطاقة المرتفعة لمجابهة القيظ ليبرز تفاوت شاسع بين واقع المواطن العادي وظروف عيش المسؤولين والطبقات المتنفذة إذ ينعم المسؤولون بتأمين طاقة كهربائية مستمرة لا تنقطع في منازلهم ومكاتبهم عبر خطوط مستثناة أو مولدات ضخمة وعالية الكفاءة إلى جانب العيش في مجمعات سكنية حديثة ومكتفية خدمياً ومزودة بأفضل أنظمة التكييف والعزل الحراري بينما يعاني المواطن العادي بصمت تحت وطأة انقطاع الكهرباء وغياب البنى التحتية المتطورة متحملاً بمفرده تبعات الحرارة القاسية والأعباء المالية المنهكة في ظل غياب الإرادة السياسية والتخطيط الاستراتيجي وضعف تطبيق القوانين وحماية العمالة مقارنة بالتجارب الدولية الناجحة في إدارة الأزمات المناخية الخانقة
***
ئاريان علي








