عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

حمزة مولخنيف: الاختزال المفهومي في الفلسفة الحديثة

نقد فكرة التبسيط كآلية معرفية

بين حاجة العقل إلى النظام ورغبته في السيطرة على فوضى المعطيات الحسية تولدت النزعة الاختزالية في الفلسفة الحديثة وطغت حتى صارت عائقاً أمام ما تدّعي خدمته. فمنذ تأسيس ديكارت لليقين على بداهة الكوجيطو ومن ثم تعميم المنهج الهندسي على حقول المعرفة كلها، أخذت الفلسفة منحى جعل من الوضوح والتميز معياراً للحقيقة وما لم يخضع لهذا المعيار كان مصيره النفي أو التأويل القسري. غير أن هذا المسعى الذي يمثل طفرة نوعية في تاريخ الفكر لم يلبث أن تحول إلى آلية إقصاء صامتة، فكل ظاهرة تقاوم التفكيك إلى عناصر أولية أو ترفض الاندراج تحت قانون عام مطرد صارت تُعتبر مجرد وهم أو خطأ أو مرحلة بدائية يجب تجاوزها.

تلك هي إشكالية الاختزال المفهومي التي نريد مقاربتها نقدياً متتبعين تجلياتها في أهم محطات الفلسفة الحديثة من عقلانية القرن السابع عشر إلى فينومينولوجيا القرن العشرين، مروراً بالوضعية المنطقية ومادية العصر الفيكتوري. فليس المقصود بهذا النقد رفض التبسيط كأداة منهجية مشروعة بل الكشف عن تحوله إلى أيديولوجيا معرفية تستبقي ما يناسبها وتطرد ما يزعجها وتدعي أنها تقدم الحقيقة عارية بينما هي في واقع الأمر تعريها من أبعادها الأساسية. ويصبح السؤال عن حدود الاختزال هو نفسه سؤالاً عن حدود العقل وعن قدرة الفلسفة على أن تكون نقداً لغرورها بقدر ما هي نقد لغرور المعرفة اليومية.

سنتتبع في هذا المقال جذور النزعة الاختزالية في العقلانية الديكارتية والمادية الآلية ثم ننتقل إلى نقد تجلياتها في فلسفة العقل واللغة والتاريخ، لنخلص إلى إمكانية تصور معرفة تحترم التعقيد دون أن تستسلم للفوضى وتطلب الوضوح دون أن تصادر غنى الظواهر. إن الفلسفة الحقيقية كما سنحاول بيانه ليست علماً بالاختزالات البارعة بل فن العيش مع التناقض دون يأس والبحث عن البساطة التي تنبثق من عمق التجربة لا التي تسبقها كحصن واهن ضد دهشة الوجود.

تتلبّس المعرفة الحديثة بهاجس التبسيط كما يتلبّس الجسد العليل برداء ثقيل يظن فيه الشفاء فإذا به يزيده وهناً على وهن. منذ نشأة العقلانية الأوروبية الجديدة تسلّل إلى الفلسفة ذلك الحنين الخطير إلى اختزال التعقيد الوجودي والمعرفي إلى صور أولية قابلة للتناول السريع وكأن في طيّ هذا التبسيط خلاصاً من ثقل الأسئلة الميتافيزيقية التي راودت الإنسان منذ فجر التفلسف. بيد أن هذه النزعة التي بلغت ذروتها في مشاريع التنوير وأوجزت تجلياتها في أحلام المعرفة الكلية والأنساق الشاملة، تحمل في عمقها نقيض ما تدّعيه، فالتبسيط وهو يزعم فتح المعرفة للجميع وتقريبها من العقول، إنما يمارس عنفاً مفهومياً فظا لا يقل ضراوة عن عنف الجهل نفسه.

إن الاختزال المفهومي بتعبير دقيق ليس مجرد أداة منهجية نلجأ إليها حين نعجز عن استيعاب التعقيد بل هو موقف أنطولوجي ومعرفي في آن، يتوهم أن الكينونة في جوهرها بسيطة وأن كل تعقيد ظاهري لا يعدو كونه تمويهاً سطحيّاً يجب كشفه بقوة التحليل. هذه الفرضية التي تجد جذورها البعيدة في الذرة اليونانية والجوهر الديكارتي تسيّدت مخيلة الفلسفة الحديثة بشكل لم يعد معه ممكناً التمييز بين التبسيط المشروع الذي تفرضه طبيعة العقل المحدودة وبين التشويه المتعمّد الذي يفضي إلى فقدان جوهر المسألة. فحين يختزل ديكارت ظاهرة الحياة كلها إلى آلة معقدة أو حين يختزل هوبز الرغبات الإنسانية إلى محض حركة ذرات أو حين يذهب اللاهوت العقلاني إلى اختزال الغيبيات في براهين هندسية، فإن ما يحدث ليس تنظيماً معرفياً يُقرّب البعيد بل تحويلاً جذرياً للشيء إلى غير ماهيته.

ولعل أخطر ما في آلة التبسيط هذه أنها تعمل دوماً تحت راية الوضوح والتميز، ذلك الشعار الديكارتي الذي حوّل الغموض والالتباس إلى رذائل معرفية تستوجب الطرد من مملكة العقل. لكن السؤال الذي ترفض الفلسفة الحديثة طرحه على نفسها بصدق هو أليس في طبيعة الوجود والوعي والتاريخ واللغة من الظلال والغموض والتناقض الداخلي ما لا يمكن بل لا ينبغي ردّه إلى خطوط مستقيمة وأفكار متميزة بوضوح؟ أليس في جوهر التجربة الإنسانية من التشابك والتداخل ما يجعل أي محاولة لتبسيطه كمن يحاول أن يرسم شلالاً متدفقاً بخطوط مستقيمة جامدة؟

هذا النقد ليس موجهاً ضد الرغبة في الفهم بل ضد الخلط بين الفهم والاختزال. إن الفهم الحقيقي للظاهرة هو كما علّمنا غوته في علمه بالموازاة، قدرة على إدراك الكل في جزئه والجزء في كله، دون التضحية بأي من المستويين لصالح الآخر. أما الاختزال فيمضي في الاتجاه المعاكس، فهو يعلن أن الكل ليس إلا مجموع أجزائه وأن البنية لا تضيف شيئاً جوهرياً إلى المواد المكوّنة وأن المعنى لا يزيد عن كونه إسقاطاً ذاتياً على واقع محايد. هذه الافتراضات التي توجت في الوضعية المنطقية وبلغت أوج كبريائها المعرفي في مبدأ التحقق ساقت الفلسفة إلى مأزق مزدوج، من جهة صارت غير قادرة على تناول الظواهر التي تمتنع على التفكيك الآلي كالوعي والزمن والجمال والخير؛ ومن جهة أخرى وجدت نفسها مضطرة إلى إنكار وجود هذه الظواهر أو اعتبارها مجرد أوهام لغوية لا تستحق عناء التفلسف.

لكن الطريف الممضّ أن الفلسفة الحديثة وهي تظن أنها تتحرر من سطوة الميتافيزيقا التقليدية بأسلحة التبسيط والتحليل، لم تكن قط أكثر ميتافيزيقائية منها في لحظة انتصار هذه الآليات. فاختزال الظواهر النفسية إلى فيزيولوجيا أو الاجتماعية إلى فردية منهجية أو التاريخ إلى سلسلة حتمية من الأسباب والنتائج أو اللغة إلى مجرد أداة للإشارة إلى وقائع العالم، كل هذه الاختزالات لا تستند إلى أدلة تجريبية قاطعة بل إلى إيمان مسبق ببساطة الوجود وانتظامه وهو إيمان لا يقل تسلّطاً وغرابة عن أي عقيدة دينية قديمة. لقد آمن الوضعيون بتبسيط العالم كما آمن أسلافهم اللاهوتيون بوحدانية الخالق وكلاهما لم يقدم برهاناً على يقينه بل أسّسه على رغبة عميقة في النظام والنظافة المفهومية.

إنّ ما يسميه بول ريكور "هرمونية الشك" لم يعد أداة نقدية حادة بقدر ما صار سكيناً عشوائياً يقطّع الجسد المعرفي إلى أجزاء لا تستطيع أن تجتمع بعدها. فماركس عندما اختزل البنى الفوقية إلى البنية التحتية الاقتصادية وفرويد عندما اختزل كل السلوك الإنساني إلى صراعات غريزية مكبوتة ونيتشه عندما اختزل كل القيم إلى إرادة قوة، قدموا جميعاً آليات تبسيطية مدهشة في قوتها التفسيرية، لكن ثمن هذه القوة كان باهظاً، وهو فقدان القدرة على التمييز بين التنوع الغني للتجربة البشرية وتوحيدها القسري تحت سقف واحد. لقد وقع هؤلاء المفكرون الكبار في فخ عبقري، كل واحد منهم اكتشف بعداً حقيقياً من أبعاد الوجود لكنه حوّل هذا البعد إلى كل الوجود فصار ما كان أداة جزئية للفهم آلية للإلغاء والإقصاء.

وهنا تتجلّى المفارقة الكبرى، فالفلسفة التي انطلقت من شعار "اعرف نفسك" وحضّت على الشجاعة في استخدام العقل، انتهت إلى إنتاج أدوات تبسيط تمنح الإنسان أوهاماً بالسيطرة والمعرفة الكلية، بينما تسلبه القدرة على مواجهة التعقيد الفعلي لحياته وللعالم. إن الإنسان المختزل الذي يراد له أن يفهم نفسه ووجوده عبر قوالب جاهزة ومبسطة، هو في الحقيقة إنسان مهدور القدرة على الدهشة والحيرة وهما الشرطان الأساسيان لأي تفلسف حقيقي. فالفلسفة في أصلها السقراطي لم تكن أبداً علماً بإعطاء الأجوبة السريعة والاختزالات البارعة بل كانت فنا في طرح الأسئلة وتعميق الحيرة بدلاً من تبديدها بالعجلة.

إن خطورة التبسيط كآلية معرفية لا تكمن فقط في تشويهه لموضوع المعرفة بل في إعادة تشكيله لذات المعرفة نفسها. فالعقل الذي يعتاد على الاختزالات يصير عاجزاً عن الاحتمال لا يحتمل الغموض ولا التأجيل ولا التعدد ويريد تحويل كل معضلة إلى معادلة وكل مفارقة إلى تناقض مزعوم يجب حله. هذا العقل المختزل هو عكس العقل الفلسفي بامتياز، لأن الفلسفة كما عرفها هيجل ليست قطيعة مع التناقض بل هي تعلم العيش معه وتحويله إلى محرك للتسامي الجدلي. حين نختزل الجدل الهيغلي إلى مجرد "أطروحة-نقيض-تركيب" نصبح قد فقدنا كل ما هو حي ومتحرك في فلسفته، ذلك أن الجدل الحقيقي لا يقدم وصفة جاهزة، بل يكشف عن حركة الكائن في ذاته وعن معاناته من تناقضاته الداخلية ونضجه من خلالها.

ربما كان شوبنهاور من أكثر الفلاسفة حدساً لخطر التبسيط حين كتب في أجزاء من نقد فلسفته أن "أسهل شيء في العالم هو إصدار أحكام عامة وأصعبه هو أن تصل إلى معنى ما". فالتعميم المختزل هو وجه الكسل الفكري وهو الهروب من التفصيل المتعب والمضجر إلى العبارات الجامعة الفارغة التي لا تضيء شيئاً لكنها تغطي كل شيء. وهنا يلتقي النقد المعرفي بالفضيلة الأخلاقية، فالتبسيط ليس مجرد خطأ في الحكم بل هو نوع من الجبن أمام ثقل الوجود وتعقيده.

ولئن كان المسعى الفلسفي الحديث من ديكارت إلى هوسرل قد ارتبط بمشروع إعادة تأسيس المعرفة على أسس يقينية لا تقبل الشك، فإن هذا المسعى بذاته حمل في رحمه نقيضه، فكلما اشتد الحرص على الوضوح والتميز، ازدادت مساحة ما يستعصي على هذا الوضوح ويرفض التميز. هوسرل نفسه الذي انطلق من شعار "إلى الأشياء ذاتها" وأعلن الحرب على كل الاختزالات العلمية والطبيعية، انتهى إلى ابتكار منهج "الاختزال الفينومينولوجي" الذي يشبه في تعقيده وإجراءاته التفصيلية نقيض التبسيط الذي ننقده هنا. إن فينومينولوجيا هوسرل في أعماقها اعتراف ضمني باستحالة الاختزال لأنها تريد تعليق كل الأحكام المسبقة والرجوع إلى الظواهر كما تظهر لذواتها أي كما هي في تعقيدها الحي المباشر قبل أي تبسيط نظري.

أمكننا القول إذن دون مبالغة، إن تاريخ الفلسفة الحديثة هو تاريخ معركة مستمرة بين نزعة التبسيط التي تستمد قوتها من الحلم الكوجيطاني ونزعة التعقيد التي تعيدنا دوماً إلى عجرفة العقل محدودية قدراته. هذه المعركة لم تحسم بعد ولن تحسم لأنها تعبر عن توتر أصيل في طبيعة التفلسف نفسه، فمن جهة نحن كبشر بحاجة إلى التبسيط كي نعيش ونفهم ونتخذ قرارات، ومن جهة أخرى كل تبسيط ناجح يكشف لنا عن آفاق جديدة من التعقيد كانت مخبأة تحت الطبقة الأولى من الغطاء المفهومي. هكذا هو طريق المعرفة، كل إجابة تولد أسئلة أكثر وكل اختزال يكشف عن اختزالات جديدة كان ينوي تجاوزها.

ضمن مقاربتنا النقدية هاته للاختزال المفهومي نكون قد مهدنا للكشف عن أن فكرة التبسيط ليست أداة معرفية محايدة بل هي دوماً أيديولوجية تعبر عن خيارات أنطولوجية وأخلاقية عميقة. وسنرى كيف تجلت هذه النزعة في مجالات محددة كفلسفة العقل وفلسفة اللغة وفلسفة التاريخ وكيف قاومتها تيارات معاكسة كالبنيوية والتفكيك والفينومينولوجيا التأويلية وصولاً إلى إمكانية تخيل معرفة تحترم التعقيد دون أن تغرق في فوضاه وتطلب الوضوح دون أن تفقد ظلال الحقيقة وسحرها. لأن الحقيقة كما كان يعلم هيراقليطس تحب أن تختبئ وكثيراً مما نظنه تبسيطاً لها ليس إلا تكشيفاً يفضح عريها بدل أن يكشف عن جمالها المختفي في ثنايا الغموض.

وسنمضي الآن إلى تتبع آليات الاختزال المفهومي من مقاربتنا حيث يتعين علينا تتبع آليات الاختزال المفهومي في حقول بعينها لا لنحصي مظاهرها بل لنكشف عن البنية الخفية التي تجعلها تبدو مقنعة بل ضرورية للوعي الحديث. ولعل فلسفة العقل كانت الميدان الأكثر احتداماً في هذه المعركة منذ أن أعلن ديكارت انفصال الجوهر المفكر عن الجوهر الممتد ثم جاء من بعده من حاول ردّ أحدهما إلى الآخر فكانت المادية الآلية التي اختزلت الشعور إلى حركة المادة ثم المثالية المطلقة التي اختزلت المادة إلى روح وصولاً إلى التيارات المعاصرة التي تريد أن تجعل من الوعي مجرد وصف وظيفي يمكن محاكاته آلياً. في كل هذه المحاولات ثمّة رغبة عميقة في التخلص من الغموض الوجودي الذي يرافق ظاهرة الوعي، ذلك الغموض الذي صاغه توماس ناغل بعبارته الشهيرة عن "كيف يكون أن تكون خفاشاً"، مشيراً إلى أن هناك دائماً ما هو ذاتي في التجربة لا يمكن اختزاله إلى أوصاف موضوعية مهما بلغت دقتها.

ليس المقصود من هذا الدفاع عن خصوصية الوعي رفضاً للبحث العلمي بل تأكيداً على أن التبسيط المفرط لا يعلّمنا عن الظاهرة أكثر مما يعلّمنا عن حدود أدواتنا. فالفيزيائي الذي يختزل الحب إلى تفاعلات كيميائية في الدماغ لم يفسر الحب أصلاً بل وضع له بديلاً فقراً لا يشبهه في شيء ثم نسي أن هذا البديل نفسه يحتاج إلى تفسير، لماذا تلك التفاعلات الكيميائية تحديداً تصاحب الشعور بالحب وليس شعوراً آخر؟ وأين موقع الشعور ذاته في هذه السلسلة المادية؟ أسئلة كهذه تظل معلقة كالغراب الأسود في سماء التبسيط الأبيض لا تطردها اليقينيات الزائفة ولا تذيبها الاستعارات الآلية الجامدة.

يمتد هذا النقد إلى فلسفة اللغة حيث اختزلت النزعة الوضعية اللغة إلى مجرد نظام من العلامات التي تشير إلى حقائق في العالم متجاهلة أبعاداً جوهرية كالأداء والتضمين والسياق والجانب الإنجازي للأقوال. حين قال لودفيغ فيتغنشتاين في "رسالته المنطقية الفلسفية" إن حدود لغتي هي حدود عالمي، كان يمارس اختزالاً منتجاً في سياقه لكنه نفسه تراجع عنه في فلسفته المتأخرة عندما أدرك أن اللغة لا تعمل كصورة للعالم بل كلعبة متعددة الأشكال وأن المعنى لا ينبع من الإشارة إلى الأشياء بل من الاستخدام في سياقات الحياة الحية. إن صورة اللغة كمرآة بسيطة للعالم هي اختزال أنيق لكنه كذب جميل، فاللغة في حقيقتها مزرعة من الغموض والالتباس والتعدد وهي بالضبط تلك الآلة التي تمكننا من الكذب والحلم والافتراض والتأجيل، وجميعها أفعال لا يمكن ردها إلى مجرد الإخبار عن وقائع.

وفي فلسفة التاريخ كان الاختزال أكثر وضوحاً وأكثر تدميراً حين حاولت مذاهب كالهيغلية والماركسية أن تختزل المسار التاريخي بأكمله إلى جدلية واحدة أو صراع طبقي واحد. لا ينكر أحد العبقرية التفسيرية لهذه المذاهب ولا قيمتها في كشف خفيات لم تكن مرئية من قبل، لكن الطامة الكبرى أنها حوّلت أدواتها إلى أقفاص فلم يعد التاريخ يُقرأ بعيون مفتوحة على فوضاه وعبثيته وتشعباته بل يُقسر على أن يتوافق مع قالب مسبق وكل حدث يشذ عن القالب إما يُهمش أو يُعاد تفسيره بحيث يبدو تأكيداً للقالب نفسه. هذه هي ديكتاتورية التبسيط، أن تجعل من نفسك سجين تفسيرك ثم تظن أنك تحررت من الأوهام.

إن من العبث أن نتصور أن هناك "قانوناً" بسيطاً لتطور التاريخ كما تتصور الفيزياء قوانينها لأن التاريخ من صنع بشر أحرار (وإن كانوا مقيدين بالظروف)، وهو مجال للصدف والعبقرية والغباء والحب والكراهية، وكل هذه ظواهر تعاند الحصر في معادلات. لقد أدرك فيلهلم دلتاي هذا باكراً حين فرق بين تفسير الطبيعة وفهم الحياة النفسية والتاريخية داعياً إلى منهج تأويلي يحترم خصوصية الظواهر الإنسانية ولا يُخضعها لعنف المناهج الطبيعية التي أفلحت في مجالاتها لكنها تفشل فشلاً ذريعاً حين تواجه روح الإنسان وتاريخه. وربما لهذا السبب بالذات كانت النزعة الاختزالية في الفلسفة الحديثة معادية للتاريخ بقدر ما هي معادية للجسد لأن التاريخ والجسد يمثلان تعقيداً عصبياً لا يطيق العقل المنظّم احتماله، فآثر حرقه بالتبسيط على معاناة حمله.

لكن ألا يمكن القول دفاعاً عن التبسيط إنه ضرورة حياتية لا غنى عنها؟ فلو أننا لم نبسط العالم في أذهاننا لما استطعنا أن نعبر الشارع أو نطلب قهوة أو نعقد صداقة. هذا صحيح بلا شك، والجنون بعينه هو أن نتعامل مع كل موقف وكأنه فريد تماماً ولا يحتمل أي قالب مسبق. لكن الفارق جوهري بين التبسيط العملي الذي يسمح لنا بالتنقل في الحياة والتبسيط المعرفي الذي يدعي أنه يقدّم لنا الحقيقة الكاملة عن الأشياء. الأول وسيلة والثاني غاية، والأول يجوز تعديله وتصحيحه باستمرار بخبرة الواقع بينما الثاني يتحول إلى أيديولوجيا تمنع التصحيح لأنها تظن نفسها قد أمسكت بجوهر الحقيقة. التبسيط العملي يتواضع أمام التعقيد فيقول: لنتظاهر أن الأمور أبسط مما هي عليه حتى نتمكن من الفعل ولكننا مستعدون لتعديل تظاهرنا كلما دعت الحاجة. أما التبسيط المعرفي فيقول: الأمور هي في الواقع بهذه البساطة وكل من يظن غير ذلك فهو واهم أو غير عقلاني، بين التواضع والغرور تقوم مأساة الفكر الحديث.

وهنا بالضبط يبرز دور الفلسفة الحقيقية، ليست كجهاز تبسيط بديل بل كنقد دائم لكل تبسيط يدعي الحقيقة المطلقة. الفلسفة بالمعنى الكانطي ليست علماً يضيف معرفة جديدة عن العالم بل هي ذلك النشاط الذي يفحص حدود المعرفة ويضبط ادعاءات العلوم والمناهج. إن فعل التفلسف هو أن تطرح على كل اختزال سؤال الحد إلى أي مدى يصح هذا الاختزال؟ وماذا يبقى خارجه؟ وأي تشويه يلحق بالظاهرة إذا أصررنا على اختزالها إلى هذا الإطار بالذات؟ هذه الأسئلة النقدية هي التي حافظت على الفلسفة حية رغم كل الإعلانات المتكررة بموتها وهي التي تجعل منها مقاومة أخلاقية ضد فخامة التبسيط وعظمته الكاذبة.

إن من أشد مظاهر الاختزال خطراً وأكثرها خبثاً تلك التي تتخذ صورة العلم وأدواته. فالتبسيط العلمي وهو في مختبراته شرط للدقة والتكرار يتحول إلى سم قاتل حين يُصدر إلى حقول ليست حقله، حين يصبح النموذج الفيزيائي هو العقل والمعيار لكل معرفة صادقة. كثيراً ما سخر إدموند هوسرل من وهم "الفلسفة كعلم صارم"، مبيناً أن ما ينتجه هذا الوهم ليس فلسفة أعمق بل فيزياء وشيئاً فحسب. والعجيب أن العلم نفسه في أعلى مستوياته النظرية أدرك حدود التبسيط الميكانيكي فلم يعد الفيزيائي المعاصر يحلم بجسيمات أولية بسيطة وخاضعة لقوانين خطية بل يتحدث عن تشابك كمومي وعلاقات غير محلية واحتمالات متشعبة وحتى عن حاجة الملاحظة إلى وعي. إن أوهام التبسيط التي ورثتها الفلسفة عن فيزياء نيوتن وقوانينه السهلة قد تخلى عنها الفيزيائيون أنفسهم منذ قرن لكن الفلسفة تمسكت بها كطفل بدميته البالية خوفاً من مواجهة الدهشة والتعقيد.

وعلى هذا النحو نطوي هذه المقاربة التي حاولنا فيها تشريح نزعة الاختزال المفهومي في الفلسفة الحديثة ليس بدافع عداء لليدوية أو العقلنة بل بدافع ولاء للحقيقة التي لا تستوي على عرش من الكسل. ما أردنا بيانه هو أن التبسيط حين يرتقي إلى مرتبة الآلية المعرفية الجامعة والمطلقة يحول بيننا وبين ما هو أعمق في الأشياء يسرق من العالم تناقضاته الخصبة ومن البشر غموضهم الثمين. الفلسفة التي ترضى بالاختزالات ليست فلسفة بل هي هندسة اجتماعية للعقل تريد أن تجعلنا متفقين على الكذب بدل أن تتركنا مختلفين على احتمال الحقيقة.

لم يدع هذا المقال إلى فوضى المعرفة أو إلى تمجيد التعقيد من أجل التعقيد، فالتعقيد العقيم ليس أفضل من التبسيط السطحي. إن ما ننادي به هو "عقل مركب" كما عبر إدغار موران، عقل لا يرفض التبسيط كأداة ولكن يدرك دوماً أنه أداة، عقل يتقن فن الانتقال من مستوى إلى آخر، من البسيط إلى المعقد ومن المعقد إلى البسيط دون أن يتوقف عند أي منهما. وهذا هو عين ما كان يعنيه باسكال حين ميز بين "روح الهندسة" و"روح الدقة"، فالأولى تتعامل مع المتغيرات القابلة للقياس والأخير مع تلك التي لا تخضع للتعريف بل للإحساس والحدس. في عالم باتت فيه روح الهندسة تسحق كل شيء تحت جنازيرها، صار من واجب الفلسفة أن تذكّر بأن روح الدقة هي التي تمنع الهندسة من التحول إلى جبروت.

والخلاصة التي نرمي إليها بعد طول تنقيب، هي أن مهمة الفلسفة في عصرنا ليست اختراع اختزالات جديدة أكثر أناقة بل أن تعلمنا كيف نعيش مع التعقيد دون جزع، كيف نقرأ ظلال الأشياء كما نقرأ أشياءها، كيف نسمح للأسئلة بأن تظل مفتوحة بدل أن نعدمها بأجوبة كاذبة. كل اختزال كبير في تاريخ الفكر كان مفيداً بل ضرورياً، لكن كل اختزال كبير تحول بمرور الزمن إلى سجن يحتاج إلى ثورة جديدة لتكسير جدرانه. وهذه هي دورة الفلسفة، أن تولد من رحم التبسيط ثم تكبر على نقده لا لكي تلغي ضرورته بل لكي تذكّره بأنه مجرد بداية وليس نهاية.

ربما كان الحل الأعمق إذا جاز لنا أن نلمح إليه هو في تبني موقف "التبسيط التعددي" أو "البساطة المنظمة" وهي تعابير تحمل في داخلها تناقضاً ظاهرياً لكنها تعبّر عن حاجة إنسانية حقيقية. فنحن بحاجة إلى تبسيط كي لا نصاب بالشلل أمام تعقيد العالم، لكننا بحاجة في الوقت نفسه إلى أن يكون تبسيطنا قابلاً للتعدد، أي أن نعترف بوجود تبسيطات أخرى مغايرة ومتنافسة وأن ننظر إليها ليس كأخطاء يجب تصحيحها بل كآفاق يجب استكشافها. من هذه الزاوية يصبح التعدد المنهجي هو الضمانة الوحيدة ضد استبداد الاختزال الواحد وتصبح الفلسفة هي الحارس الأمين لهذا التعدد كما كان سقراط حارساً للسؤال ضد إغراءات الجواب النهائي.

في زمن اختزلت فيه وسائل التواصل المعنى إلى مشاعر وتغريدة، واختزلت فيه السياسة الإنسان إلى رقم انتخابي واختزلت فيه التكنولوجيا الوجود إلى بيانات قابلة للاستهلاك، تبقى الفلسفة تلك الممارسة العتيقة التي تعيد الاعتبار لما لا يُختزل، ما لا يُبسط، ما لا يُسدل عليه ستار اليقين الزائف. الفلسفة هي فن قول "نعم، لكن..." حين يصرخ الجميع "نعم أو لا". هي فن إبطاء التفكير في حضارة تريد الإجابة قبل أن يفهم السؤال. هي الوقوف على حافة الهاوية والنظر في العمق بدل أن نغطي الهاوية بورق ملون نبسط تحته ارتجالنا الواهن.

ونعود إلى هيراقليطس مجدداً: الحقيقة تحب أن تختبئ وكل تبسيط يدعي أنه أخرجها من مخبئها ليس إلا دليلاً على أنه لم يمسها بعد. من يعتقد أن المعرفة تنتهي إلى قول بسيط فليتذكر أن البساطة الحقيقية كما يقول الفلاسفة الصينيون القدماء، هي تلك التي تأتي بعد استيعاب التعقيد الكامل لا قبله. البساطة التي تسبق التجربة هي بساطة الجهل، والبساطة التي تغشى التجربة هي بساطة الكسل، أما البساطة التي تنبثق من صميم التجربة بعد أن مرت بكل أتون التعقيد فهي وحدها الجديرة باسم الحكمة. في سبيل هذه الحكمة يظل النقد الفلسفي للاختزال واجباً متجدداً كما يظل التبسيط المفهومي خصماً لا يُهزم نهائياً لأن معركته هي معركة العقل مع كسله ومعركة الروح مع رغبتها في الاستقرار قبل الأوان. ولعل في هذا التوتر الدائم سر بقاء الفلسفة حية وسر بقاء الإنسان إنساناً.

***

د. حمزة مولخنيف