في راهنية المشروع الفلسفي بين الإبداع وإعادة التأويل
لا تملك الفلسفة موطناً واحداً تستقر فيه ولا تعرف سكينة تطمئن إليها، ذلك أنها في بنيتها الأولى فعلٌ من أفعال القلق تحيا بالسؤال ولا تموت إلا حين يخفت. منذ ميلادها الأول مع الدهشة اليونانية وهي في توتر دائم مع ذاتها، لكنه توتر الخصب لا توتر العجز إذ لا تتجدد الفلسفة إلا بالنقض ولا تبلغ حقيقتها إلا حين ترفض أن تكتمل. وحين نقف اليوم أمام سؤال راهنية المشروع الفلسفي لا نجد أرضاً ممهدة نبني عليها بل نجد أنفسنا أمام قطبين يتنازعان هويتها منذ فجرها: قطب الإبداع الذي يدفعها نحو المجهول، وقطب التأويل الذي يشدها إلى موروثها. فهل تستطيع الفلسفة أن تكون مبدعة دون أن تكون شارحة أو مؤولة دون أن تكون مبتكرة؟ وهل يصح أن نتصور مشروعاً فلسفياً يقوم على قطيعة جذرية مع كل ما سبقه أم أن طبيعتها التراكمية تحكم عليها بأن تعيد قراءة نفسها في كل مرة فيصبح التأويل ذاته إبداعاً ويصبح الإبداع تأويلاً مضاعفاً؟
هذه المعضلة ليست شغلاً أكاديمياً هامشياً بل هي لبّ الحياة الفلسفية وهي ما يمنحها القدرة على أن تكون راهنة في كل لحظة دون أن تحبس نفسها في تلك اللحظة. فما من فلسفة حقيقية إلا وهي حوار مع الماضي وصناعة للمستقبل معاً، وما من مفكر كبير إلا وهو قارئ مبدع وناسخ خائن ومؤسس هادم في آن واحد. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو كيف تخلق الفلسفة مفاهيمها الخاصة وهي لا تملك من أدواتها إلا ما ورثته عن أسلافها؟ وكيف تبرر وجودها في زمن تضيق فيه مساحات التأمل وتتفكك فيه الأنساق الكبرى؟
الفعل الفلسفي الأول كما صاغه جيل دولوز في تحديد مقتضب لكنه عميق الأثر ليس هو التأمل ولا التواصل ولا حتى التفكير الاستدلالي بل هو خلق المفاهيم. وهذا التحديد وإن بدا في سياقه استفزازياً يكشف عن البعد الإنتاجي الكامن في صميم العمل الفلسفي. فالمفهوم عند دولوز ليس تسمية لأمر موجود سلفاً ولا اختزالاً للواقع في صيغة ذهنية جاهزة بل هو حدث وفاعلية وقوة تعيد تشكيل العالم الذي تنتمي إليه. حين صاغ أفلاطون مفهوم المثل أو حين ميّز ديكارت بين الجوهر الممتد والجوهر المفكر أو حين نسج كانط شبكة مقولاته المتعالية، لم يكن هؤلاء يصفون عالماً قائماً بذاته بل كانوا يبنون أبعاداً جديدة للخبرة الإنسانية لم تكن ممكنة قبل ظهور تلك المفاهيم. فالمثل الأفلاطونية لم تكن معلقة في سماء ما بانتظار من يكتشفها بل هي اختراع عقلي أضفى نظاماً وقيمة على تعدد المحسوسات الفوضوي. وكذلك الجوهر السبينوزي أو المقولات الكانطية، فهي ليست اكتشافات بالمعنى الذي تُكتشف به الظواهر الطبيعية بل ابتكارات تحمل رؤى للوجود وتفتح أفقاً جديداً للفعل والمعرفة.
غير أن فعل الخلق هذا لا يجري في فراغ تاريخي ولا ينبثق من رغبة عابرة في التجديد. فالفيلسوف كما يذكّرنا بول ريكور ابن عصره ووارث تقليد من الأسئلة والأجوبة يتفاعل معه ويحاوره ويعيد تأويله. وهنا يبرز البعد التأويلي بوصفه وجهاً مكملاً للوجه الإبداعي لا نقيضاً له. فالتأويل عند ريكور ليس مجرد عملية لفهم نصوص غامضة بل هو إعادة إنتاج للمعنى داخل سياق تاريخي متبدل. حين قرأ هيغل أفلاطون أو أعاد هايدغر قراءة كانط أو استلهم دولوز نيتشه وسبينوزا، لم يكونوا يمارسون عملاً أركيولوجياً محايداً بل كانوا يمارسون ضرباً من الجراحة المفهومية، يقطعون فيها أوصال المفاهيم القديمة ويعيدون تركيبها في نسق جديد يجعلها تتحدث بلغة عصرها وتساءل إشكالياته. هذا الفعل التأويلي إذن عملية إبداع من الدرجة الثانية يتحقق عبر إعادة تعريف علاقة المفهوم بغيره من المفاهيم ووضعه في سياقات سؤال لم تكن مطروحة بهذا الشكل عند مؤلفه الأصلي.
كل تأويل في جوهره مواجهة مع النص ومحاولة لانتزاع معنى جديد منه على نحو يشبه ما يفعله الشاعر حين يعيد تركيب اللغة لإنتاج دلالة مدهشة، تلك الدلالة التي يسميها ريكور بالاستعارة الحية والتي تنبثق من احتكاك مجالين دلاليين متباعدين فتخلق واقعاً جديداً للغة ومن ثم واقعاً جديداً للعقل. ولا يكون تاريخ الفلسفة تراكماً خطيا للمعرفة ولا ساحة صراع بين مذاهب متعاقبة يمحو أحدها الآخر بل هو فضاء تتقاطع فيه الأصداء وتتوالد فيه الأفكار عبر تزاوج غير متوقع بين النصوص وسياقاتها.
هذا التوتر بين الإبداع والتأويل ليس أزمة عابرة تمر بها الفلسفة في لحظة بعينها بل هو شرط وجودها ومصدر حيويتها الدائمة. فبمعزل عن التقليد يتحول الإبداع إلى تعسف أو سطحية وهو ما يشير إليه بعض الباحثين المعاصرين في سياق نقاشهم حول ما يسمى بالهندسة المفهومية، إذ يذهبون إلى أن التصور القائل بإمكان مراجعة المفاهيم السائدة مراجعة جذرية يقوم على فرضية خاطئة عن الدور الذي تلعبه هذه المفاهيم في التفكير ذاته. فالمفاهيم ليست أوعية جاهزة يسهل استبدالها بل كائنات تحمل في داخلها تاريخاً من المعارك والتحولات وتتشابك مع شبكة واسعة من المعتقدات والممارسات بحيث تستلزم إعادة بنائها فهماً عميقاً لجذورها التأويلية، وإلا صارت مجرد استبدال أسماء دون تغيير حقيقي في الرؤية.
ولا يقتصر هذا الوعي بحيوية المفاهيم على التقليد القاري وحده فحتى في الفلسفة التحليلية المعاصرة، حيث تسود لغة الدقة المنطقية والتعريف الصارم، برز نقاش موازٍ حول ما بات يعرف بالهندسة المفهومية، إذ يتساءل بعض الفلاسفة عما إذا كان بإمكاننا أن نستبدل مفهوماً غامضاً أو مضللاً بآخر أكثر نجاعة دون أن نفقد شيئاً من وظيفته المعرفية والعملية. وتكشف هذه المحاولات رغم اختلاف مفرداتها عن مفردات التأويل القاري وعن الإشكال ذاته، وذلك أن المفهوم ليس علامة اعتباطية يمكن استبدالها بقرار فردي، بل هو عقدة في شبكة من الممارسات والمعتقدات وأن أي تعديل فيه يستدعي حساباً دقيقاً لتبعاته على النسق بأكمله. وهذا التقاطع بين تقليدين فلسفيين كثيراً ما قُدما بوصفهما متناحرين يشي بأن مسألة العلاقة بين الإبداع والوفاء للتراث المفهومي ليست خصوصية قارية بل شرط بنيوي لكل تفكير فلسفي أيا كانت مدرسته.
وفي المقابل فإن التأويل الذي ينغلق على قدسية النص وماضيه سرعان ما يفقد حيويته ويتحول إلى طقس أكاديمي خاوٍ. فالفلسفة الحية تجعل من النص الكلاسيكي حجراً تبنى عليه لا حجراً يعيق الحركة وتصغي إلى أصداء الماضي لتستمد منها طاقة البناء لا لتتخذها مقبرة. وتبقى الفلسفة في سيرورة دائمة تتحرك بين ضفتي الثبات على الموروث والتجديد الخلاق دون أن تستقر نهائياً على إحداهما.
اكتسب هذا التوتر في زماننا أبعاداً أكثر حدة مما عرفته الفلسفة في أي عصر سابق، ذلك أن مفاهيم كالعالمية والهوية والآخر والطبيعة والتقنية أصبحت مفاهيم متآكلة عاجزة عن استيعاب التعقيدات التي فرضتها أنماط العيش المعاصرة وباتت بحاجة إلى عملية تأويلية وتجديدية عميقة. وحتى تكون الفلسفة الراهنة وفية لذاتها عليها أن تقتحم حقولاً معرفية جديدة وأن تتحاور مع العلوم الصلبة وعلم الأعصاب والنظريات السياسية وفلسفات الفن، دون أن يأتي هذا الانفتاح على حساب جوهرها، أعني قدرتها على خلق المفاهيم التي لا تختزل إلى وظيفة أخرى. فالفلسفة ليست خادمة للعلم ولا أداة للتأويل الأدبي ولا خطاباً سياسياً مباشراً بل هي كما يؤكد دولوز ذلك النشاط الذي يصنع من المفاهيم أدوات للقبض على الأحداث الفريدة وتخليصها من سطوة التمثلات الجاهزة.
مهمة الفلسفة إذن ليست في أن تمنحنا إجابات نهائية بل في أن تعلّمنا كيف نطرح الأسئلة بطريقة جديدة وكيف نبتكر أدوات تمكننا من رؤية ما هو خفي والتفكير فيما هو ممكن. وهذا ما يمنحها قيمتها المستمرة فهي ليست علماً من العلوم ولا جنساً أدبياً من الأجناس، بل فعل إنساني متجدد، حوار مستمر مع الزمن وجهد متصل لخلق المعنى وترميم ما تهدم منه.
ومن هذا الموضع يتضح قلب الإشكال الذي يحدد راهنية المشروع الفلسفي في عصرنا، ففي زمن تتسارع فيه وتيرة التحولات وتتشظى فيه الأنساق الكبرى، تبرز الحاجة إلى فلسفة لا تكتفي بالتأويل أي بإعادة قراءة النصوص القديمة في ضوء الحاضر ولا تقف عند حد الإبداع المحض أي إنتاج خطابات جديدة من عدم بل توفق بينهما في تركيب يولد من رحم المواجهة بين التراث والحداثة. فحين يعيد الفيلسوف بناء مفهوم العدالة عند أرسطو أو العقد الاجتماعي عند روسو أو الحرية عند كانط، فهو لا يقوم بنسخ حرفي بل يمارس حفراً في أعماق المفهوم ليستخرج منه طاقات كامنة لم تظهر بعد ويوظفها في سياقه الراهن. ويصير التقليد في يد الفيلسوف المبدع مصدر إلهام لا قيداً على الإبداع.
ولعل هذا هو سر عبقرية المفكرين الكبار: قدرتهم على أن يكونوا في آن واحد أوفياء لتراثهم ومبدعين له. فقراءة نيتشه لأفلاطون وقراءة فرويد للتراجيديا الإغريقية وقراءة ماركس لهيغل عمليات إبداع جديدة في جوهرها، تنتج مفاهيم لم تكن واردة في النص الأصلي وتطرح أسئلة لم يخطر ببال مؤلفه الأول أن يطرحها. هذا الفعل التأويلي الذي يقترب مما يسميه بعض الفلاسفة المعاصرين بالتطبيق أو الاستخدام، هو ما يمنح الفلسفة حيويتها ويجعل منها خطاباً حياً يتفاعل مع تحولات عصره. ومن ثم فإن الدعوات المتكررة إلى نسيان الفلسفة أو إعلان نهايتها تغفل هذه الخاصية وتختزل الفكر الفلسفي في صورة معرفة ميتة انتهى زمنها، في حين أن الفلسفة كما تثبته أعمال مفكريها المبدعين في كل عصر، فعل دائم التجدد وقدرة إنسانية على الاستغراب والتساؤل وتخيل عوالم أخرى ممكنة، وهي في جوهرها فعل حرية.
إن وعي الفيلسوف بهذه العلاقة الجدلية بين الإبداع والتأويل يمنحه حساسية خاصة تجاه لغته الخاصة وتاريخ مفاهيمه. فالمفاهيم الفلسفية ليست كلمات ميتة بل أحداث لغوية تحمل في داخلها توتراً وتاريخاً وعلاقات قوة. وحين يكتب الفيلسوف فإنه لا يستعمل اللغة أداة شفافة بل يمارس عليها عنفاً خلاقاً يحنيها ويشذبها ويبتكر لها استعمالات جديدة على نحو ما يفعل الشاعر. وبذلك يصبح الأسلوب الفلسفي بمزيجه الفريد من الدقة والغموض ومن الصرامة المنطقية والاستعارة مرآة لهذا التوتر بين العودة إلى الماضي والانطلاق نحو المستقبل.
القول بأن الفلسفة إنتاج للمفاهيم عبر فعل التأويل يحررها من الرؤية الضيقة التي تجعل منها نشاطاً معرفياً منغلقاً أو أداة لنقد الأيديولوجيات أو مجرد تاريخ للأفكار. إنه يعيد إليها بعدها الوجودي ويؤكد أنها في نهاية المطاف تعبير عن قدرة الإنسان على تجاوز واقعه المعطى وتأسيس وجوده على معنى يصنعه بنفسه. وهذا يفسر لماذا لا يكون فعل الإبداع الفلسفي انقطاعاً عن الماضي ولا خيانة له بل إحياء له لا يتحقق إلا بالخيانة ذاتها؛ فالمفكر المبدع من يخون حرفية النص ليظل وفياً لروحه ويقتل حرفيته ليحيي دلالته. وهذا ما جعل أرسطو يصف الفلسفة بأنها معرفة المبادئ الأولى بينما مارسها في الوقت نفسه بوصفها نقداً دائماً للمبادئ التي ورثها؛ فلا استقرار للفلسفة إلا في حركتها النقدية الذاتية ولا ثبات لها إلا في تغيرها الدائم.
ولعل أوضح تجسيد لهذه الوحدة بين الهدم والبناء هو ما سماه هايدغر بـ"التقويض" ، أعني تفكيك الطبقات المتراكمة من التأويلات التقليدية التي طمست المعنى الأصلي للمفاهيم الكبرى، لا بقصد إتلافها بل بقصد استعادة إمكاناتها المنسية. فحين يعود هايدغر إلى مفهوم الوجود عند اليونان لا يفعل ذلك حنيناً إلى أصل نقي بل ليكشف أن تاريخ الميتافيزيقا بأسره كان نسياناً متعاظماً لسؤال الوجود وأن استعادة هذا السؤال تستلزم هدماً منهجياً لطبقات الترسيب المفهومي. وقريباً من هذا المسعى يذهب غادامير إلى أن كل فهم هو بالضرورة انصهار أفق القارئ بأفق النص بحيث لا يبقى المعنى الأصلي معزولاً عن تاريخ تلقيه بل يتشكل في كل مرة من جديد داخل الحوار الدائم بين الحاضر والماضي. وهذا ما يفسر لماذا لا يكون التأويل الفلسفي عملية استعادة ميكانيكية لمقصد المؤلف بل مشاركة خلاقة في إنتاج معنى لم يكن مكتملاً من قبل، معنى يظل مفتوحاً على إمكانات لم تُستنفد بعد.
وحين نمعن النظر في تاريخ الفلسفة نكتشف أن كل لحظة تأسيسية فيها كانت لحظة تأويل مبدع، قراءة جديدة لكتب قديمة في ضوء تحديات جديدة. فأنسلم قرأ أوغسطينوس ليؤسس للجدل الوجودي وديكارت قرأ المدرسيين ليؤسس للذات المفكرة وهيغل قرأ كانط وفيخته ليؤسس للجدلية المطلقة، وحتى نيتشه الذي أعلن موت الإله وموت الميتافيزيقا لم يفعل ذلك إلا بعد قراءة جديدة للفلاسفة اليونان ما قبل السقراطيين جعلتهم أسلافه الروحيين. لم يكن هؤلاء مقلدين ولا مبتدعين من فراغ بل تأويليين مبدعين يجمعون بين احترام النص وعنف إعادة بنائه.
يكتسب هذا التوتر في عصرنا حدة قصوى نتيجة تحولين كبيرين: أولهما انهيار النماذج الفلسفية الكبرى التي هيمنت على الفكر الغربي كالماركسية والوضعية المنطقية وبعض صور الظاهراتية التقليدية، مما خلّف فراغاً مفاهيمياً هائلاً وحالة من التيه المعرفي لا مخرج منها إلا عبر إعادة بناء المفاهيم على أسس جديدة. وثانيهما تداخل الفلسفة مع حقول معرفية أخرى كعلوم الأعصاب والذكاء الاصطناعي والبيوتكنولوجيا وعلم البيئة والنظريات النقدية الجديدة، مما يفرض على الفيلسوف أن يغادر عزلته ويشتغل على مواد لم يألفها وأن يصوغ مفاهيم تستوعب تعقيداتها دون أن تفقد تماسكها الفلسفي. ومن هنا نفهم أن الفلسفة المعاصرة ليست تأويلاً محضاً للنصوص القديمة ولا خلقاً من العدم بل تركيب معقد بين موروثها المفهومي وموادها الجديدة وأسئلتها الراهنة، وهذا التركيب هو بالضبط ما يمنحها راهنيتها.
هذه الراهنية تفرض على الفيلسوف أن يكون في آن واحد مؤرخاً للفلسفة وناقداً لها، ملماً بتفاصيل بنائها الكلاسيكي وجريئاً في هدم ما يستوجب الهدم منه منصتاً لهموم عصره دون أن يتحول إلى كاتب رأي أو خطيب سياسي. فحين نقرأ أرسطو أو ابن سينا أو توما الأكويني أو كانط اليوم، لا نبحث عن إجاباتهم بقدر ما نبحث عن أسئلتهم وعن الطريقة التي فكروا بها لنستلهم منها طريقة تفكيرنا ولنتعلم كيف يصنع المرء مفاهيمه الخاصة وكيف يبني نسقه على أنقاض ما سبقه وكيف يحافظ على هوية الفلسفة في خضم تحولاتها.
الفلسفة من هذا المنظور فن الترحال بين الأزمنة وفن إقامة الجسور بين النصوص وسياقاتها وبين الماضي القابع في ظلال المكتبات والمستقبل الذي ما يزال جنيناً في رحم الحاضر. وهذا الترحال ليس نزهة فكرية بل رحلة مضنية تتطلب وعياً عميقاً بأن كل إجابة سؤال جديد وأن كل مفهوم نافذة تفتح على آفاق أخرى من التساؤل. وبذلك لا يكون إنتاج المفاهيم غاية في ذاته بل وسيلة لإدامة فعل التفكير وإبقاء العقل يقظاً في وجه رتابة البديهيات وسكون المسلمات.
وإذا كان لكل فلسفة نهايتها فهي لا تنتهي إلا حين تتوقف عن إنتاج مفاهيم جديدة، وحين تكتفي بإعادة تدوير القديم وتصبح تاريخاً لنفسها بدلاً من أن تكون فعلاً حياً في الحاضر. فالفلاسفة الكبار هم من أحدثوا قطيعة مع تقاليدهم لكنها قطيعة كانت في الحقيقة أرفع درجات الولاء لروح الفلسفة ذاتها لأنها تعبير عن جوهرها الذي لا يتجلى إلا في التجدد. ولهذا يحتاج كل عصر إلى فلسفته الخاصة وإلى مفكرين قادرين على قراءة تراث الماضي بإبداع وابتكار أدوات رؤية جديدة للمستقبل ليكونوا حلقة الوصل بين ما كان وما سيكون.
ليست الفلسفة مذهباً من المذاهب ولا علماً من العلوم ولا فنا من الفنون بل هي فعل الحياة حين تصير واعية بذاتها وتأمل الوجود حين يقرر أن ينظر في عينيه واللغة حين تتجاوز وظيفتها التواصلية لتصبح خالقة للعوالم. ولهذا تبقى راهنة في كل زمان لأن الإنسان لا يمكنه أن يعيش دون أن يتساءل ولا أن يتساءل دون أن يبحث عن معنى ولا أن يبحث عن معنى دون أن يصنع مفاهيمه؛ وكلما تعقدت الحياة وتشعبت الأسئلة ازدادت الحاجة إلى هذه الصناعة المفهومية التي تمنح الإنسان القدرة على تسمية ما هو غامض ورسم ما هو متشعب وتخيل ما هو ممكن.
يحتاج العالم المعاصر بتقنياته المتسارعة وصراعاته الهوياتية وأزماته البيئية وتفكك أطره التقليدية إلى فلسفة أكثر جذرية مما كانت عليه في أي عصر مضى، فلسفة لا تخشى مساءلة أسسها ولا تتردد في الانفتاح على الآخر ولا تيأس من إمكان بناء رؤية كلية للعالم ولو كانت مؤقتة قابلة للنقض. وهي إذ تفعل ذلك لا تقدم حلولاً جاهزة بل أدوات للتفكير ومناهج للتساؤل وشجاعة لمواجهة المجهول وتعلّمنا أن الحقيقة ليست شيئاً نمتلكه بل شيئاً نصنعه معاً، في حوار الأجيال وصراع الأفكار ولقاء النصوص بالتجارب الإنسانية الحية.
ولا تكمن راهنية الفلسفة الحقيقية في قدرتها على مسايرة عصرها بل في قدرتها على إزعاجه وأن تكون صوتاً يقلق سكونه وضوءاً يكشف عيوبه. هكذا كانت الفلسفة دوماً، ابنة الدهشة وشقيقة الحرية، ترفض أن تكون مريحة وتصر على أن تكون حقيقية لأنها تعرف أن دورها الأسمى تذكير الإنسان بأنه ليس كائناً يعيش فحسب بل كائن يفكر وليس كائناً يفكر فحسب بل كائن يخلق معنى حياته بيديه. وفي هذه اللحظة التي تتقاطع فيها أزمنة الماضي والحاضر والمستقبل حيث تتراقص أطياف أفلاطون وأرسطو وكانط وهيغل ونيتشه مع أسئلة اليوم، تبرز الفلسفة فعلاً خالداً يتجدد وجسراً لا ينهار بين ما كنا عليه وما نريد أن نكون. وما دام الإنسان كائناً ناقصاً يسعى إلى فهم ذاته في مرآة العالم فإن حاجته إلى هذا الفعل المزدوج وإلى الحفر في الموروث وابتكار ما يتجاوزه، لن تنقضي بل ستظل مهما تبدلت أدوات المعرفة وأشكال العيش، الشرط الذي يميز التفكير الإنساني عن مجرد استهلاك الأفكار الجاهزة.
***
د. حمزة مولخنيف








