من آفة معرفية إلى شرط لإنتاج المعنى
في خضم انشغال الفلسفة الغربية منذ نشأتها بالسؤال عن الوجود والمعرفة ظل النسيان متوارياً في هوامش التفكير كأنه ذلك الظل الذي لا يُرى إلا عندما تنقص الذاكرة أو كالثغرة التي تعيب كمال الحضور الذهني. غير أن التأمل المتأني في بنية الوعي الإنساني وفي طبيعة التجربة الزمنية التي تشكل وجودنا، يكشف عن مفارقة مذهلة، لعل النسيان ليس ذلك العجز المعرفي الذي نعتبره بل هو فاعلية أصيلة تضاهي الذاكرة قوة وتأثيراً بل لعله الأكثر حضوراً في تشكيل معالم ذاتنا والعالم الذي نعيشه. فالإنسان ذلك الكائن الذي يُعرف نفسه بقدرته على التذكر واستدعاء الماضي، هو في الوقت ذاته كائن يمارس النسيان باستمرار يمحو ويطوي صفحات ويغلق ملفات ويترك أجزاءً كبيرة من تجربته لتغوص في نسيانها. وهذا التناقض الظاهري بين قدرتين متضادتين هو بالضبط ما يمنح الحياة الإنسانية غناها وتوترها ويجعل من النسيان قضية فلسفية لا تقل أهمية عن الذاكرة بل لعله يتفوق عليها في بعض الأحيان حين نكتشف أننا لا نستطيع أن نعيش ولا أن نحب ولا أن نبدع ولا أن ننسجم مع أنفسنا دون تلك القدرة الخفية على طيّ الماضي والتحرر من أثقاله.
إن السؤال الفلسفي الذي يطرح نفسه هنا ليس عن كيفية عمل الذاكرة وعللها بل عن الكيفية التي يصير بها النسيان ذلك الفعل السلبي في الظاهر، شرطاً لبناء المعنى وإعادة إنتاجه. فالمعنى في جوهره ليس شيئاً متحققاً مرة واحدة ولا هو نتاج تراكم كمي للخبرات والذكريات بل هو بناء ديناميكي، شبكة من العلاقات والإشارات التي تتغير بتغير مواقعنا في الزمن. وهذا البناء لا يمكن أن يقوم دون عملية هدم وطيّ مستمرة ودون نسيان يزيل القديم ليحل محله الجديد، دون نسيان يمحو الزوائد ويبرز الجواهر ودون نسيان يعيد تشكيل المشهد كي نراه بعيون مختلفة. إن الفلسفة التي تغفل عن هذه الحقيقة والتي تكتفي بمدح الذاكرة وتقديسها هي فلسفة تنظر إلى الإنسان نظرة جامدة، تراه كخزانة للماضي بدلاً من أن تراه كمشروع للحاضر والمستقبل. ولذلك فإن استعادة النسيان لمكانته الفلسفية هي استعادة للإنسان بوصفه كائناً في الزمن، كائناً لا يملك أن يكون دون أن ينسى ولا يستطيع أن يتجاوز ذاته دون تلك القوة المدهشة التي تمحو لكي تخلق.
النسيان ذلك الثغْر المظلم في صرح الذاكرة، لم يلق من الفلاسفة ما يستحق من عناية إذ ظلّ معظمهم يتعامل معه باعتباره نقصاً عارضاً أو وهناً في بنيان الإدراك أو آفة معرفية تلحق بالذهن البشري فتحرمه من ملكة الاحتفاظ. واتخذ النسيان في الفلسفة التقليدية موقع التابع والظل والنقيض الضروري للتذكر الذي اعتُبر فعلا إيجابياً نبيلاً، فعلاً حضورياً بامتياز، يُعيد الزمن المفقود ويُحيي الموتى في لغتهم. غير أن هذه النظرة الأحادية والتي تنظر إلى النسيان من خلال عين الذاكرة وحدها تغفل عن تلك القدرة الخلاقة الكامنة في فعل النسيان نفسه، ذلك الفعل الذي إذا ما أُخِذ بجدية فلسفية انقلب من آفة معرفية إلى شرط أصلي لإنتاج المعنى وتجديد أفق الوجود في العالم.
إن ما يثير الدهشة حقاً أن نجد فيلسوفاً مثل مارتن هايدغر الذي جعل من "سؤال الوجود" محور فلسفته كلها، يُشخّص داء الحضارة الغربية منذ أفلاطون وأرسطو بأنه "نسيان الوجود" (Vergessenheit des Seins). فليست القضية عند هايدغر قضية ذاكرة تعتريها العوارض فتفقد بعض محتوياتها بل هي نسيان أصلي، نسيان للوجود بصفته وجوداً، أي نسيان لتلك الحقيقة التي تسبق كل كائن وتجعله ممكناً. هذا النسيان ليس غفلة عابرة بل هو مصير الوجود نفسه في تاريخ الفلسفة الميتافيزيقية التي انشغلت بالكائنات (الموجودات) وتاهت في تفاصيلها متناسية السؤال الأهم عن معنى الوجود ككل. والنسيان عند هايدغر ليس مجرد ظاهرة نفسية بل حدثاً وجودياً وتأريخياً يحدد مسار الفكر الغربي بأسره. فالوجود وكما يقول هايدغر قد "سُحب" و"اختفى" وراء الكائنات التي تحجب عنه الرؤية وما الفلسفة الوجودية في جوهرها بوصفها محاولة لتفكيك هذا النسيان إلا رحلة عسيرة لإعادة فتح السؤال المنسي ومحاولة للخروج من ظلمات النسيان إلى نور التذكّر الأصلي، تذكّر ليس محتوىً بل أفقاً للوجود نفسه.
إلا أن هايدغر لا يقف عند هذا الحد، إذ يُمعن في تفكيك النسيان ليكشف عن وجه آخر، أكثر دقة وأشد خطراً ألا وهو "نسيان الذات" (Selbstvergessenheit) الذي يمارسه الـ"دازاين" في حياته اليومية حين ينهمك في شؤونه العادية وينغمس في عالم "الاهتمام" (Besorgen) منشغلاً بالكائنات التي يتعامل معها متناسياً بذلك إمكانيته الأصيلة للوجود أي إمكانيته لأن يكون نفسه في مواجهة الموت والعدم. هذا النسيان كما يوضح هايدغر ليس مجرد فشل في التذكر بل هو نمط وجودي إيجابي، طريقة خاصة في الانطواء على العالم، انطواء يمارس فيه الـ"دازاين" هروباً من مواجهة حقيقة وجوده المُلقى في العالم والموجَه نحو الموت . فالحديث "اليومي" (Gerede) والفضول (Neugier) والغموض (Zweideutigkeit)، ليست سوى آليات هذا النسيان اليومي، استراتيجيات وجودية يخفي بها الإنسان حقيقته عن نفسه ويهرب بها من روع الحرية إلى دفء الاندماج في "الواحد" (das Man) . ويصير التذكر فعلاً وجودياً أصيلاً كاستعادة للذات من غيابها وانخلاعاً عن نمطية الحياة اليومية في حين يصبح النسيان هو القاعدة والطريق الممهّد للوجود غير الأصيل.
وتتكشف هنا لنا مفارقة كبرى، النسيان الذي يبدو في الظاهر آفة تعتري الذاكرة هو في العمق شرط وجودي لتكوين الذات وبقائها. فالإنسان لكي يعيش ويتخذ قراراته ويمارس حريته يحتاج إلى قدر من النسيان وإلى تلك القدرة على طيّ صفحات الماضي وإغلاق ملفاته وإلا تحولت الذاكرة إلى سجن لا مفر منه وإلى ثقل يمنع الحركة ويشل الإرادة. هذه الفكرة بالذات هي ما ساقها فريدريك نيتشه بقوة وإبداع حين جعل من النسيان النشيط (aktives Vergessen) قوة إيجابية شرطاً للحياة والصحة الروحية. ففي كتابه "في جينالوجيا الأخلاق"، يصف نيتشه النسيان بأنه "حارس بواب النظام النفسي والراحة والتهذيب"، ويذهب إلى حد القول بأنه "لا يمكن أن تكون هناك سعادة ولا بهجة ولا أمل ولا كبرياء ولا حضور بدون نسيان" . فالنسيان عند نيتشه ليس فشلاً في التذكر بل هو قدرة على الهضم النفسي، عملية شبيهة بعملية الهضم الجسدي يتخلص فيها الكائن الحي من السموم التي تهدد كيانه ويفرغ نفسه من الأثقال التي تكبله. إن الذاكرة التي لا تعرف النسيان هي ذاكرة مريضة، ذاكرة تعجز عن التمييز بين الجوهري والعرضي وبين ما يحيي الحياة وما يميتها وبين ما يستحق الحفظ وما يستحق الطي والنسيان.
هكذا يطرح نيتشه نقده اللاذع لتلك الثقافة التاريخانية التي كانت تسود في زمانه، ثقافة التذكير المفرط التي جعلت من الماضي وطناً للإنسان فأثقلته بتاريخه حتى صار عاجزاً عن الإبداع والانطلاق. فالإنسان الذي يئن تحت وطأة ذاكرة تاريخية طاغية هو إنسان فقد قدرته على النسيان أي فقد قدرته على العيش في الحاضر والانفتاح على المستقبل وخلق قيم جديدة. إن المثقف التاريخاني كما يراه نيتشه هو ذلك الرجل الذي تحول إلى كتلة من المعرفة وإلى موسوعة متنقلة لكنه فقد حيويته وعفويته وقدرته على الفعل. هنا يتجلى النسيان في رؤية نيتشه الجريئة كشرط للصحة بل كشرط للعبقرية والإبداع. فالعبقري هو ذلك الإنسان الذي يمتلك القدرة على النسيان بقدر ما يمتلك القدرة على التذكر، إنه يوازن بين القوتين فلا يسمح للماضي بأن يطغى على الحاضر ولا للحاضر بأن يقطع صلته بالماضي. هذا هو النسيان النشيط الخلاق الذي يمحو لكي يُفسح مجالاً للجديد والذي ينسى لكي يتذكّر بطريقة مختلفة، تذكر لا يكون استحضاراً آلياً بل إعادة إبداع للمعنى.
غير أن هذه الرؤية النيتشوية للنسيان كقوة إيجابية قد تثير في النفس شيئاً من القلق إذ كيف يمكن التوفيق بين الدعوة إلى النسيان وبين ضرورة تحمل المسؤولية الأخلاقية والتاريخية؟ أليس النسيان في هذه الحالة هروباً من الماضي وتبريراً للقسوة والظلم ومحواً لآلام الضحايا وتضحياتهم؟ هنا يبرز البُعد الجدلي الأكثر تعقيداً في فلسفة نيتشه إذ إنه لا يدعو إلى نسيان مطلق ولا إلى محو للتاريخ بل يدعو إلى نسيان يتجاوز السطحية، نسيان يحررنا من ثقل الماضي لكي نتمكن من التعامل معه بطريقة خلاقة. النسيان النشيط لا يعني تجاهل الماضي بل يعني التحرر من هيمنته والقدرة على إعادة تفسيره ووضعه في سياق حياة متجددة. إنه مثل الفنان الذي يستلهم من التقاليد، لكنه لا يكتفي بتقليدها بل يحولها ويصوغها في قوالب جديدة. وبالتالي فالذاكرة التي يبنيها النسيان النشيط هي ذاكرة انتقائية ذاكرة تعرف ما يستحق البقاء وما يستحق الزوال، ذاكرة في خدمة الحياة لا في خدمة الموت.
إن النسيان الذي يتحدث عنه نيتشه هو في حقيقته نسيان للصور النمطية والتفسيرات الجامدة ولكنه في الوقت نفسه تذكر لإمكانيات أخرى، تذكر للقوة الخلاقة الكامنة في الإنسان، تذكر للقدرة على تجاوز الذات وخلق قيم جديدة. النسيان هنا يصبح شرطا للحرية، لأن الحرية لا تعني فقط اختيار البدائل المتاحة بل تعني قبل ذلك القدرة على الخروج من دائرة التكرار والتخلص من أغلال الماضي وفتح أفق جديد للفعل. الإنسان الحر في هذا المنظور هو الإنسان الذي يمتلك الجرأة على النسيان، الجرأة على قطع صلته بالصور النمطية التي تنتجها الثقافة والتاريخ، من أجل إعادة اختراع ذاته وعالمه. ويتحول النسيان من عدو للذاكرة إلى حليف أساسي لها بل إلى قوة تعيد تعريف الذاكرة نفسها وتجعل منها فعلاً إبداعياً لا فعلاً حفظياً.
إن مقاربة النسيان من منظور فلسفي كهذا الذي يقدمه كل من هايدغر ونيتشه، تفتح الباب أمام تأمل أعمق في طبيعة الوعي والزمن والوجود. فالنسيان ليس مجرد ثغرة في سجل الذاكرة بل هو شرط وجودي لاستمرار الوعي نفسه. فالوعي لكي يكون وعياً حيا وفاعلاً يحتاج إلى القدرة على الانتقاء وعلى الحذف وعلى تنظيم التدفق الهائل للمعلومات والخبرات التي تغمره في كل لحظة. الوعي الذي يحاول استيعاب كل شيء والاحتفاظ بكل شيء هو وعي مشلول، وعي يصاب بالشلل بسبب ثقل الماضي وعي يفقد قدرته على الاستجابة للحاضر والتجاوب مع متطلباته. النسيان من هذا المنظور يعمل كمرشح ضروري وكآلية دفاع طبيعية تحمي الوعي من الانهيار وتسمح له بالتركيز على ما هو ضروري هنا والآن. وكما أن الجسد يحتاج إلى النوم لاستعادة نشاطه وتجديد طاقته، كذلك العقل يحتاج إلى النسيان ليستعيد وضوحه وحضوره.
وإذ نغوص في أعماق هذه الرؤية الجدلية للنسيان نكتشف أنه ليس مجرد نقص في قدرة الذاكرة بل هو بعد أساسي من أبعاد الوعي الزمني نفسه. إن علاقة الإنسان بالزمن تلك العلاقة الشائكة والمعقدة لا تقوم على الاستيعاب الكامل للماضي بل على عملية تفاعلية مستمرة بين الحفظ والنسيان وبين التذكّر والطيّ. فالزمن الحي زمن التجربة الإنسانية ليس خطا مستقيماً من النقاط المتلاحقة بل هو نسيج معقد يمتد فيه الحاضر ليشمل الماضي والمستقبل معاً ولكن بطريقة انتقائية، بطريقة تختار ما يستحق البقاء وتترك ما يجب أن يغيب. النسيان هنا هو الأداة التي تشكل هذا النسيج التي تعطيه شكله وتماسكه والتي تحدد حدود اللحظة الحاضرة وتجعلها قابلة للعيش. لولا النسيان لتداخلت الأزمنة واختلطت وتحول الحاضر إلى فوضى من الذكريات المتزاحمة وعجز الإنسان عن التمييز بين ما هو كائن وما قد كان.
هذه الرؤية الزمنية للنسيان تأخذنا إلى تأمل العلاقة بين النسيان والموت، ذلك الحد الأقصى الذي يمنح الحياة معناها ويدفعها نحو الاستمرار. فالموت في فلسفة هايدغر هو الإمكانية الأشد خصوصية للإنسان، الإمكانية التي تميز وجوده عن كل كائن آخر لأنها إمكانية لا يمكن أن يتنازل عنها لأحد ولا يمكن لأحد أن يحل محله فيها. والنظر إلى الموت واستباقه في التفكير هو ما يحرر الإنسان من أغلال الحياة اليومية ويمنح وجوده أصالة. غير أن هذه الأصالة كما يقول هايدغر لا تتحقق إلا بقدر ما يتجرأ الإنسان على مواجهة العدم وعلى رؤية نفسه ككائن منتهٍ ومحدود. وهذه المواجهة في جوهرها تتطلب قدراً من النسيان، نسيان للتفاصيل الصغيرة والعابرة، نسيان للانغماس في عالم الاهتمامات السطحية، من أجل التفرغ للسؤال الأكبر، ما معنى أن أكون هنا في هذا العالم وأنا أعلم أنني سأفنى؟ النسيان هنا ليس إلغاء للموت بل هو تحضير له، هو تركيز للطاقة الوجودية في مواجهة المصير الأبدي.
إن النسيان ليس نقصاً في الإنسانية بل هو ما يصنع الإنسانية بوصفها كينونة زمنية، كينونة تدرك نفسها في الزمن وتتحمل مسؤولية زمانيتها. الفيلسوف الفرنسي بول ريكور الذي أفنى عمره في دراسة الذاكرة والتاريخ والنسيان يقدم لنا تأملاً معقداً حول هذه القضية في كتابه الشهير "الذاكرة والتاريخ والنسيان". ريكور لا ينظر إلى النسيان كمجرد عدو للذاكرة بل يميز بين مستويات مختلفة من النسيان، منها النسيان اللاإرادي الذي هو جزء من طبيعة الذاكرة ومنها النسيان المقصود الذي قد يكون فعلاً سياسياً أو أخلاقياً. لكن ريكور يتجاوز هذا التمييز ليسأل سؤالاً أكثر عمقاً هل يمكن أن يكون النسيان شرطاً للسعادة، شرطاً للتعايش السلمي بين البشر، شرطاً لتجاوز الصراعات التاريخية المؤلمة؟ يجيب ريكور بحذر مؤكداً أن هناك نسياناً خصباً، نسياناً يفتح الطريق للمصالحة لكنه ليس نسياناً للجريمة أو إلغاءً لذكريات الضحايا بل هو نسيان يتجاوز الألم، نسيان يحرر من عبء الكراهية ويسمح ببناء مستقبل مشترك. هذا النسيان الأخلاقي كما يراه ريكور هو وريث الذاكرة وليس نقيضها، هو ثمرة عمل شاق على الذات، عمل على تحويل الألم إلى حكمة وعلى تحويل الماضي المؤلم إلى درس للحاضر.
وتعود بنا فلسفة النسيان إلى قلب الأسئلة الأخلاقية والسياسية التي تؤرق الإنسان المعاصر. في عصر تتداخل فيه الذكريات وتتصادم وتتعدد فيه الروايات التاريخية وتتناحر يصبح النسيان قضية مصيرية. كيف يمكننا أن نتذكر دون أن نغرق في الماضي؟ كيف يمكننا أن نعترف بآلام الآخرين دون أن نحملها كعبء يثقل خطونا نحو المستقبل؟ كيف نبني مجتمعاً يقوم على التسامح والمصالحة وهو لا ينسى جرائمه ولا يتجاهل معاناته؟ هذه الأسئلة تقودنا إلى فكرة الحكمة في النسيان، تلك القدرة النادرة التي تجمع بين قوتين متعارضتين ظاهرياً، قوة التذكر التي تحفظ الماضي وتكرم أهله وقوة النسيان التي تفتح أفق المستقبل وتمنح الحياة فرصة جديدة. النسيان الحكيم إذا جاز التعبير ليس ضعفاً ولا هروباً بل هو نوع من الشجاعة، شجاعة مواجهة الماضي دون أن نسمح له بأن يمتلكنا، شجاعة النظر إلى الجروح دون أن نبقى أسرى لها، شجاعة بناء الغد على أنقاض الأمس ولكن بطريقة مختلفة، بطريقة تحترم الموتى وتحرر الأحياء.
في الأدب والفن يتجلى النسيان بوصفه قوة خالقة، قوة تدفع الفنان إلى تجاوز أعماله السابقة والبحث عن أشكال جديدة للتعبير وتفتح أمامه آفاقاً لم تخطر له على بال. الشاعر الذي ينشد قصيدته لا يستحضر كل القصائد التي قرأها بل ينسى الكثير منها أو بالأحرى يهضمها ويحولها إلى جزء من كيانه الشعري ليبني منها عالماً جديداً مختلفاً. الموسيقي الذي يؤلف لحناً جديداً لا يكرر ألحان الماضي بل ينسى تفاصيلها ليخلق منها توليفة فريدة. إن النسيان هو الروح الحقيقية للإبداع، ذلك الروح التي تمحو لكي ترسم وتهدم لكي تبني وتنسى لكي تتذكر بشكل جديد وبشكل لم يسبق له مثيل. الإبداع في جوهره هو مقاومة للتكرار، هو تجاوز للمألوف، هو خروج من دائرة المحاكاة إلى فضاء الإبداع الحر ولا يمكن لهذا الخروج أن يتحقق دون جرأة النسيان، دون قدرة المبدع على طي الصفحات السابقة وفتح صفحات جديدة.
إن النسيان الذي حاولنا تقديمه في هذا التأمل الفلسفي ليس ضياعاً للذاكرة بل هو تحرر من ربقتها وتجاوز لحدودها وإعادة تعريف لدورها في حياة الإنسان. النسيان ليس ضد الذاكرة بل هو رفيقها الأبدي وشريكها الأساسي في بناء المعنى، ذلك المعنى الذي لا يستقر في محتوى ثابت بل يتولد في حركة دائمة بين الاستذكار والإغفال وبين الاحتفاظ والطرح. الإنسان لكي يكون إنساناً يحتاج إلى الذاكرة لكنه يحتاج إلى النسيان أيضاً بل يحتاج إلى الذاكرة التي تعرف متى تنسى وإلى النسيان الذي يعرف متى يتذكر. هذه هي الحكمة الإنسانية في أسمى تجلياتها والقدرة على المواءمة بين قوتين متعارضتين وتحويل التضاد بينهما إلى تناغم وإلى حركة إبداعية لا تتوقف، تمنح الحياة غناها وعمقها وتجعل من الوجود مغامرة لا تمل ورحلة لا تنتهي.
إن النسيان الذي يطرح نفسه كشرط لإنتاج المعنى هو في الحقيقة تأكيد على أن المعنى ليس شيئاً معطى أو جوهرياً ثابتاً بل هو بناء متجدد، نتاج تفاعل مستمر بين الذاكرة والنسيان، بين الماضي والحاضر وبين الثبات والتغيير. فالمعنى كما يفهمه الفلاسفة الوجوديون ليس في الكائنات بحد ذاتها بل في علاقتها بالإنسان أي في طريقة تعامل الإنسان معها وتفسيره لها. وهذه العلاقة وهذا التفسير لا يمكن أن يثبتا أو يتجمدا بل هما في تغير دائم، يتغيران بتغير ظروف الإنسان واحتياجاته، بتغير مشاعره وتطلعاته، بتغير فهمه لنفسه وللعالم من حوله. والنسيان هو العنصر الفاعل في هذا التغير، هو القوة التي تمنع العلاقة من التحجر والتي تسمح للمعنى بأن يظل حيا متدفقا قابلا لإعادة التشكل والتجديد. بدون النسيان يصبح المعنى أسيراً لماضيه ويتكرر بآلية مملة ويفقد قدرته على الإدهاش والإمتاع.
ويمكننا أن نخلص إلى أن الفلسفة التي تأخذ النسيان على محمل الجد هي فلسفة تضع الإنسان في موقعه الحقيقي، موقع الكائن الزمني المحدود، الكائن الذي يواجه العدم ويمنح وجوده معنى من خلال فاعليته الحرة. هذه الفلسفة تدعونا إلى إعادة التفكير في علاقتنا بذاتنا وبعالمنا وإلى تبني موقف أكثر تواضعاً تجاه الذاكرة فلا نطلب منها أن تحفظ كل شيء ولا ننسب إليها القدرة على احتواء الوجود بأكمله. كما تدعونا إلى تبني موقف أكثر جرأة تجاه النسيان فلا نخشاه كفقدان بل نرحب به كفرصة، فرصة للتجديد والتحرر والإبداع والمصالحة. النسيان إذا ما فهمناه فهماً عميقاً ليس عيباً في الإنسان بل هو جزء من كماله، جزء من حريته، جزء من قدرته على صنع ذاته ومستقبله في مواجهة الماضي بكل ما يحمله من جمال وألم. إنه ذلك الأفق الذي يفتح أمامنا كل صباح لنبدأ من جديد ولنعيش كما لو أننا لم نعش من قبل ولنخلق كما لو أننا لم نخلق شيئاً قط. وهذا في التحليل الأخير هو جوهر الوجود الإنساني ذاته، وجود يتجدد في كل لحظة من خلال فعل النسيان ويصبح أكثر غنى وعمقاً من خلال تلك القدرة المدهقة على بدء الحياة من جديد.
***
د حمزة مولخنيف








