أقلام فكرية
حمزة مولخنيف: من التجربة إلى البنية
نقد فكرة "البداهة" في الفينومينولوجيا المعاصرة
إذا كانت الفلسفة في أشد لحظاتها طموحاً تبحث عن نقطة صفرية لا يشوبها الشك وعن أرض صلبة تقيم عليها صرح المعرفة، فإن فينومينولوجيا هوسرل جاءت لتعد بتحقيق هذا الحلم القديم من خلال العودة إلى “الأشياء نفسها”، إلى ما يعطى للوعي في بداهته الحية المباشرة قبل أن تشوهه النظريات والافتراضات الميتافيزيقية. على هذا الوعد التأسيسي قامت الحركة الفينومينولوجية وبهذا الشعار اجتذبت أنظار الفلسفة الأوروبية في مطلع القرن العشرين، فبدا أن البشرى قد آن أوانها، يقين لا يتزعزع ينبع من داخل التجربة ذاتها ومن جهة اتصال الوعي بالعالم قبل أي تأويل أو استدلال. ففكرة البداهة تلك القدرة على إمساك المعطى “بذاته” في حضور آني كلي كانت بمثابة الكأس المقدسة التي سعى إليها هوسرل في تحليلاته المنطقية ومؤلفاته المتوسطة معتقداً أنه وجد أخيراً الأساس الذي لا يحتاج إلى أساس والحضور الذي لا يحتاج إلى دليل. ولكن ما إن بدأت الفينومينولوجيا تختبر نفسها بصدق أي ما إن شرعت في تطبيق منهجها على أكثر الظواهر تواضعاً كالإدراك الحسي والزمن والجسد والآخر، حتى بدأت تنكشف تحت سطح البداهة اللامع تشققات غائرة وأنسجة كثيفة من العلاقات والإحالات والغيابات. لقد تبين شيئاً فشيئاً أن ما كان يبدو كمعطى فوري لا يحتاج إلى بناء هو في حقيقته إنجاز مركب لا يظهر كبناء إلا عندما ينقلب المنظور الفينومينولوجي من السذاجة الأولى إلى التساؤل الجيني. هذا التناقض الداخلي – بين حلم الحضور المطلق واكتشاف شروط هذا الحضور في غيابات بنيوية – هو الذي حوّل الفينومينولوجيا من مذهب للبداهة إلى نقد للبداهة ومن مشروع تأسيسي إلى فضاء مفتوح على أسئلة التأويل والجسد والغيرية والأخلاق. وفي هذا التحول الجذري الذي لم يعد اليوم ممكناً تجاهله أو تجاوزه تكمن أهمية إعادة النظر في فكرة البداهة نفسها ليس بهدف إلغائها أو شيطنتها بل بهدف تفكيك سذاجتها الأولى لاستعادة كثافة التجربة الحقيقية التي لا تعرف وضوحاً بلا غموض ولا حضوراً بلا أفق من الغياب ولا ذاتاً من دون عالم. إن نقد البداهة في الفينومينولوجيا المعاصرة ليس هجوماً خارجياً على تراث هوسرل بل هو امتداد ذاتي لأكثر ما كان حيا في مشروعه، الإخلاص للظهور كما هو لا كما نتمناه أن يكون. وهذا الإخلاص نفسه هو الذي قاد بطريقة جدلية من الإيمان بالبداهة إلى اكتشاف أن البداهة ليست سوى لحظة ضمن بنية أوسع وأن البنية ليست بدورها سوى طريقة مختلفة للقول بأن التجربة لا تعطينا أشياء جاهزة بل تدعونا إلى بناء معناها في فعل لا ينتهي. لكن قبل أن نغوص في تفاصيل هذا التحول لا بد أن نستعرض ببعض التأني كيف تشكلت فكرة البداهة عند هوسرل نفسه ثم كيف انقلبت عليه من الداخل بفضل تلاميذه وورثته وصولاً إلى الاستنتاجات الأخلاقية والوجودية التي طمست معالم أي يقين بديهي وحولت الفلسفة من علم إلى حكمة.
في قلب المشروع الفينومينولوجي منذ لحظاته التأسيسية الأولى على يد إدموند هوسرل ثمة رهان نظري هائل لم يتوقف أبداً عن تحديد مسارات الفلسفة القارية في القرن العشرين، رهان استعادة الأشياء نفسها من خلال العودة إلى تجربتها الحية قبل أن تحجبها الترسبات النظرية أو الاصطلاحات الميتافيزيقية. هذا الرهان الذي تجسد في شعار “إلى الأشياء ذاتها”، قام على فكرة تبدو للوهلة الأولى بريئة وضرورية ألا وهي فكرة “البداهة” أو العطاء الذاتي المباشر للظاهرة للمعاينة الفلسفية. فالوعي في هذا المنظور الافتتاحي هو دوماً وعي بشيء وهذا الشيء ليس شيئاً في العالم الطبيعي الغافل عنه بقدر ما هو “ظاهرة” تعطى للوعي بكيفية معينة في أسلوب ظهور معين. وهذه الكيفية حين تبلغ أقصى درجات الامتلاء تمنح اليقين المطلق أي “البداهة” العينية التي يستحيل معها الشك أو الاحتمال. ففي البداهة الحسية مثلاً نرى لوناً أحمر وهذا الأحمر المعطى حضوراً حضوراً ليس إلا هو نفسه، لا نستطيع أن ننكر أنه هنا والآن يعرض نفسه بذاته في حين أن أي تأويل أو استدلال أو حكم قد يخطئ أو يصيب. البداهة إذن هي معيار الصدق في الفينومينولوجيا الهوسرلية بل هي مصدر كل المعقولية ذاتها.
غير أن هذه البساطة الأولية وهذا اللمعان الحسي المباشر سرعان ما يتكشف عن تعقيدات مذهلة كلما تعمق الفينومينولوجي في بنية التجربة نفسها. فما نعيشه بوصفه معاشاً حاضراً لحظة بلحظة ليس مجرد ومضة من معطى منعزل عن سواه بل هو نسيج كثيف من الإحالات والآفاق والترسبات. عندما أرى غصن شجرة في حديقتي فأنا لا أشاهد فقط انطباعاً بصرياً أخضر ولا حتى شكلاً معيناً من الأغصان بل أشهد -ضمنياً لكن بشكل جوهري- خلفيات المكان الذي أقف فيه، ذكريات أزمنة سابقة رأيت فيها الشجرة نفسها، توقعات بتحول الغصن مستقبلاً تحت الأمطار أو الجفاف وحتى غياب الجانب الخلفي من الغصن الذي لا أراه لكني “أعطيه” حضوراً في غيابه بوصفه معطى ضمنياً يمكن أن أراه لو درت حوله. هوسرل نفسه في تحليلاته عن “الأفق” الداخلي والخارجي كان أول من أدرك أن العطاء الذاتي المباشر ليس مجرد نقطة صفرية من الوجود بل هو فتح نحو غيابات مشدودة كل الشد إلى حضورها الضمني. وفي أفق كل بداهة حسية تكمن بداهات أخرى محتملة لكن لا بد أن تنتهي السلسلة إلى بداهة مطلقة؟ هنا تبدأ المتاهة.
لأنه إذا كانت البداهة الحسية المباشرة على بساطتها الظاهرية هي المعيار فكيف يمكن أن نعطي بداهة للحقيقة الرياضية الكلية التي لا تنتمي إلى مجال الإحساس أو للقيم الأخلاقية أو لوجود الآخر؟ هوسرل في رده المبكر على هذه الإشكالية توسع بمفهوم البداهة ليشمل بداهات مقولية وفئوية و”بداهات جوهرية” لا تنتمي إلى الحس بل إلى “الرؤية الفكرية”، فالفينومينولوجيا عنده هي بعد كل شيء “علم بالمعاني لا بالوقائع”. لكن هذا الاتساع على قوته التأسيسية حمل في طياته بذور نقده الذاتي. فما معنى “رؤية فكرية” تستطيع أن تنفذ إلى الجواهر الخالصة مستقلة عن الزمن والتجربة الحسية؟ أليس هذا عودة خفية إلى “حدس” أفلاطوني أو إلى عقلانية ديكارتية تحاول الفينومينولوجيا في الأساس تجاوزها؟ لقد دفع التوتر بين الطموح إلى اليقين المطلق والإخلاص لملموس التجربة الحية هوسرل إلى إعادة النظر في مفهوم البداهة نحو نهاية مسيرته، حين كشف عن ضرورة “التحليل الجيني” الذي يبين كيف أن كل بداهة حالية هي نتيجة ترسيب معقد لطبقات من العمليات الفاعلة (التركيب السلبي، التذكير، التوقع، التلازم). بمعنى البداهة ليست انكشافاً مباشراً بل هي نتاج بناء غير منظور. فلا شيء يعطى “بذاته” دون أن يكون مشكلاً بنيوياً بفعلات الوعي الزمني والأفقي.
لكن الذي حول هذا الكشف الهوسرلي من ملاحظة منهجية إلى زلزال نظري حقيقي هو ورثته من فلاسفة الجيل التالي لا سيما مارتن هايدغر وموريس ميرلوبونتي. فقد أدرك هايدغر في كسرته الجذرية مع فلسفة الوعي نحو فلسفة الوجود (الدازاين)، أي أن فكرة البداهة نفسها مقيدة بسذاجة معرفية أبعد مما ظن هوسرل. فحين نطالب بالعودة إلى “الأشياء نفسها”، نسأل بأي معنى للوجود؟ بداهة الوعي المتعالي لأشياء العالم تفترض مسبقاً تمييزاً بين الذات والموضوع لم يتأسس بعد من الناحية الوجودية. فالدازاين ليس “ذاتاً واعية” تواجه عالماً من الموضوعات بل هو في الأساس “كائن في العالم”، وعالمه ليس محموماً من معطيات بديهية بقدر ما هو فضاء من الإمكانات والأدوات والإحالات. عندما أستخدم مطرقة فأنا لا أشهد “بداهة” لونها وثقلها ثم أستنتج فائدتها بل أعيش فائدتها بطريقة قبل-تأملية والمطرقة “هي” في دازايني بوصفها أداة في إحالة إلى مسمار وإلى خشب وإلى ورشة وإلى مشروع بناء. هذه الإحالات ليست بديهات بل هي بنى. بل إن البداهة ذاتها بمعنى الرؤية النظرية الحاضرة ليست إلا نمطاً مشتقاً ومحدداً من أنماط الوجود في العالم، حين تنكسر المطرقة أو تتعطل عندئذ ننصرف إلى تأملها موضوعياً وعندئذ تبرز “كشيء” أمام الوعي. البداهة المعرفية بالنسبة لهايدغر هي حالة عجز وجودي، هي انسحاب الكائن من ملاءمة الاستخدام إلى بروز العطل. وبهذا الانقلاب لم تعد البداهة معيار الحقيقة بل عرضاً من أعراض الانفصال الأصلي عن العالم.
ميرلوبونتي من جهة أخرى ذهب إلى نقد أكثر دقة وهندسية من خلال تحليل الإدراك الحسي نفسه، ذلك الحصن الأخير لبداهة اللمعان المباشر. في ظاهريته الأولى يبدو إدراكي لقطعة السكر البيضاء على المنضدة وكأنه معطى انطباعي بسيط، هذه البياض، هذه المكعبية، هذه الصلابة. لكن الفينومينولوجيا الجسدية تكشف عن بناء هائل لا ينتهي وراء هذه البساطة. جسدي لا يرى الأشياء من نقطة صفر بل من وضع، والوضعية تعني أن المنظور الحي يقطع بعض أوجه الشيء ويُظهر غيره وأن الرؤية الواحدة لا تكفي أبداً لتطابق الشيء. فمكعب السكر هذا، إنه هنا، لكنه ليس مرآة تعكس نفسها للوعي في آن واحد بل هو “نمط من الاستقرار” عبر تعدد المنظورات، يتجمع حول غياب مركزي هو الشيء نفسه بوصفه “شيئاً لا يمكن اختزاله إلى أي من مظاهره”. لذلك يقول ميرلوبونتي إن الشيء المدرك هو “مراسلة انعكاساته”، وهو حد مشترك لسلسلة غير منتهية من العمليات التركيبية التي يقوم بها الجسم الحي. ومن ثم فما نسميه “بداهة” الإدراك ليست سوى ترسب حال لهذا البناء في لحظة من الإمساك الساذج. بل أكثر من ذلك، إن ما يمنح القناعة بأننا نرى الشيء “بذاته” هو بالضبط نشاط الجسد ذاته، حركة العينين التي تلمس الشيء من كل جهة، تدوير الرأس، قبض اليد، هذه هي التي تصنع إحساس “الملء” و “الحضور”. إذن فليس ثمة بداهة قبل الجسد أو خارج مناوراته.
إذن ما المسار الذي سلكته الفينومينولوجيا من التجربة إلى البنية؟ إنه ليس مسراً بسيطاً من اكتشاف أن ما بدا تجربة أولية بسيطة هو في الحقيقة بناء معقد، فهذه الحكاية عرفتها الفلسفة منذ كانط. بل ما فعلته الفينومينولوجيا المعاصرة هو إعادة صياغة جذرية لمفهوم البنية نفسها على ضوء نقد البداهة ومن ثم لمفهوم التجربة الجديرة بهذا الاسم. فالبنية التي تنجلي تحت عدسة الفينومينولوجيا ليست بنية منطقية مسبقة كالمقولات الكانطية ولا بنية لسانية كما في بعض البنيويات ولا بنية فيزيولوجية عصبية. إنها بنية حية، متحركة، ناشئة في الفعل الحي للتجربة قبل أن تتصلب إلى موضوع أو تعطى كبداهة. إنها ما يمكن تسميته “بنية قبل-الموضوعية”، أي نظام العلاقات والإحالات الذي يسبق انقسام العالم إلى ذات وموضوع، ويعمل بصمت في خفاء التجربة المعاشة، منحياً إياها نحو “وضوح” أو “بداهة” في اللحظة التي تظن فيها أنها وصلت إلى ما هو أولي وآخر في آن. لكن انكشاف هذه البنية الناشئة لا يعني بالضرورة تفكيك البداهة وتهميشها كوهم، بل يعني إعادة الاعتبار لها بصفتها إنجازاً لا معطى وفتح باب التساؤل حول شروط إمكان هذا الإنجاز بالذات. فإذا كانت البداهة نتيجة أي ترسباً وتكثيفاً لعمليات بنيوية كامنة فما معنى أن نستمر في وصف الظواهر كما تظهر “بذاتها”؟ ألا يعني هذا أن الفينومينولوجيا مطالبة بالتنقل بين مستويين، مستوى الظهور البديهي الذي لا يستطيع وعي عادي ولا فلسفي أن يتجاوزه لأنه هو الذي يصنع المعنى اليومي، ومستوى التحليل البنيوي الذي يفكك هذا الظهور ليُظهر كثافته ونشاطه الخفي؟ هذا التوتر هو الذي يجعل الفينومينولوجيا المعاصرة من هايدغر إلى ميرلوبونتي إلى ميشال هنري ومارك ريشير، علماً متوتراً أصلاً، علماً لا يمكن أن يستقر على يقين بديهي ولا على بنية متعالية ثابتة بل هو مضطر لأن يبتكر لغة حدية تصف كيف أن البنية هي شرط إمكان التجربة في نفس الآن الذي تشكل فيه التجربة البنية.
من هنا نصل إلى جوهر المسألة، نقد البداهة لا ينتهي كما قد يظن البعض إلى هدم أي إمكان لليقين الفينومينولوجي بل إلى إعادة تعريف هذا اليقين بطريقة أكثر اتساقاً مع حقيقة الحياة كما نعيشها فعلاً. فأن ندرك أن إحساسنا بالحاضر المباشر ليس فورياً بل هو غشاء رقيق فوق زمن داخلي سميك وأن رؤيتنا للشيء ليست انكشافاً صافياً بل مقامرة مع غيابه الظاهر، وأن فكرة “العطاء الذاتي” تستلزم حركة عكسية لذات تعطي نفسها للشيء بقدر ما يعطى لها، كل هذا لا يلقي بنا في هوة التشكيك بل يعلمنا أن نكون واقعيين بطريقة أكثر جرأة، كواقعيي البنية الحية لا واقعية النقل المباشر. لكن يبقى سؤال الذي لا مفر منه، إذا كانت البداهة خاضعة للنقد وتفكيك البنى بهذا الشكل فكيف يمكن للفينومينولوجيا أن تبرر ذاتها كمنهج مميز عن سائر العلوم الإنسانية؟ ألا تصبح مجرد وصف عام للبنى قبل-الموضوعية التي يمكن لعلم النفس الإدراكي أو علم الأعصاب أو الأنثروبولوجيا البنيوية أن يصفها بعيداً عن لغة الظهور والمعاينة؟ هذا السؤال بالتحديد هو الذي يفضي بنا إلى المرحلة الثانية من هذا البحث حيث يتوجب علينا أن نتبين كيف أن الفينومينولوجيا بعد نقد البداهة تتحول من مشروع تأسيسي إلى مشروع تأويلي ونقدي ومن علم اليقينيات إلى فتح لإشكاليات غير مختزلة. لكن ذلك حديث آخر لا بد أن نبدأ فيه من حيث ينتهي هذا الحديث، من الاعتراف بأن البداهة ليست بداية ولا نهاية بل هي لحظة داخل سيرورة لا تفتأ تنسج بنى الحضور من خيوط الغياب.
غير أن التحول من البداهة إلى البنية لا يكتمل في الفينومينولوجيا المعاصرة دون أن يجر معه أسئلة حول غايات الفلسفة ذاتها. فإذا كانت البنية قبل-الموضوعية – تلك الشبكة الصامتة من الإحالات الجسدية والزمنية والوجودية – هي شرط إمكان الظهور فما مصير المطالبة الكلاسيكية بأن الفينومينولوجيا تصف “الأشياء نفسها” كما تعطي نفسها؟ أليس هذا المطلب نفسه وليد سذاجة بديهية تم تجاوزها؟ هنا يتدخل ميشال هنري بجرأة قل نظيرها إذ يعيد طرح السؤال من زاوية معاكسة، ما هو “العطاء الذاتي” الحقيقي؟ يرى هنري أن هوسرل رغم شعاره “إلى الأشياء ذاتها” ظل أسير نموذج الرؤية والحضور الخارجي أي أسير ما يسميه هنري “الظهور العالمي” الذي يفصل الشيء عن ذاته في فتحة المسافة والفعل المتعالي. والحقيقة عند هنري ليست في انكشاف العالم بل في انكشاف الحياة من داخلها إلى ذاتها في “شعور ذاتي” أصلي لا يُرى من الخارج ولا يُعطى إلا في مطلق غياب أي أفق في “بداهة” من نوع خاص لا تشبه بداهة الحس ولا بداهة الجوهر الفكري بل هي بداهة التأثر الجوهري بالحياة نفسها. فما أسماه هوسرل وميرلوبونتي “بنية” هو من وجهة نظر هنري تشويهاً ثانوياً للحياة البديهية غير البنيوية أصلاً. بهذا الانقلاب يتحول نقد البداهة عند هنري إلى نقد للبنيوية الفينومينولوجية نفسها وإلى استعادة “بداهة ثانية” لا تنتمي إلى العيان ولا إلى التأويل بل إلى الألم والفرح والرغبة والملل أي إلى كينونة الجسد الحي الداخلي.
لعل هذا التطرف يظهر حدة التوتر الذي تعيشه الفينومينولوجيا بعد هوسرل، فهل البنية هي الحقيقة الخفية للتجربة أم أن التجربة في عمقها الحي هي التي تكشف عن زيف أي بنية متعالية؟ الحقيقة أن كل موقف يظل ناقصاً ما لم ينتبه إلى أن نقد البداهة لا يمكن أن يكون كاملاً إذا بقي على مستوى تأسيسي بحت. فالبداهة ليست مجرد خطأ معرفي وليست وهم الوعي الساذج بل هي أيضاً لحظة ضرورية للفعل الأخلاقي وللالتقاء بالآخر. بول ريكور في قراءته العميقة لكل من هوسرل وهايدغر أدرك أن نقد البداهة لا يصبح منتجاً إلا إذا تحول إلى هرمنيوطيقا أي إلى فن تأويل المعاني في خفائها. فإذا كانت الأشياء لا تعطي نفسها بذاتها في بداهة شفافة بل تعطي دائماً في ثنايا لغة وتراث وتقاليد، فإن الفينومينولوجيا مضطرة لأن تصبح تأويلية أي مضطرة لأن تعترف بأن كل عودة إلى “الأشياء نفسها” هي عودة عبر نصوص وعلامات ورموز. وبالتالي ما كنا نسميه “بداهة” ليس أكثر من تأويل منسي أنه تأويل أي ترسيب قراءات سابقة تم نسيان أصلها وتحولت إلى ما يشبه الحدس المباشر. هنا يلتقي ريكور مع هايدغر المتأخر في اعتبار أن البداهة هي في الحقيقة صدى الوجود الذي يتكلم في اللغة من دون أن نعيه وهي بهذا المعنى “رسالة” لا “انكشافاً”. وبهذا الطريق تنتقل الفينومينولوجيا من مشروع تأسيسي معرفي إلى مشروع نقدي أخلاقي، ففهمنا للأشياء وللآخرين لا يتأسس على بداهات أولى بل على مسؤولية التأويل أي على التواضع أمام الغموض الذي لا يختزل أبداً إلى حضور كلّي.
إيمانويل ليفيناس تلميذ هوسرل وهايدغر سيكون الأكثر تطرفاً في تفجير فكرة البداهة من داخلها. إذا كانت البداهة تعني حضور الشيء بذاته أمام الوعي فالآخر لا يمكنه أبداً أن يكون بداهة لأن الآخر ليس شيئاً ولا ظاهرة ولا معطى. الآخر هو “وجه” والوجه ليس “رؤية” بل خطاب وأمر، ليس حضوراً بذاته بل ما يهز ذاتيته من جذورها التي لا يمكن اختزالها إلى أي أفق معرفي ولا إلى أي بنية قبل-موضوعية. بل إن “بداهة” الوجه هي في الحقيقة انهيار كل بداهة لأن الوجه يأمرنا قبل أن نراه، يكلّمنا قبل أن نتأمله ويقتحمنا في حميمية جسدنا من دون أن يكون لنا عليه أي منظور. يقول ليفيناس في “الكلي واللامتناهي”: “إن تجربة الوجه هي تجربة لا بداهة لها لأنها تكسر شكل الشكل وهي لا تنطوي في أي حدس”. وهذا هو النقد الأكثر جذرية، ليست البداهة سوى هروب من الآخر، سعي لإخضاع الآخر إلى أنماط الظهور التي تتحكم بها الذات، فإذا بالآخر – ذلك الذي لا يمكن أن يكون “شيئاً معطى” – هو الذي يكشف أن البداهة وهم أخلاقي قبل أن تكون وهماً معرفياً. فالفينومينولوجيا التي تريد أن تظل مخلصة للتجربة كاملة يجب أن تجرؤ على القول إن التجربة القصوى ليست تجربة البداهة بل تجربة “لا-بداهة” الآخر، ذلك الذي لا يعطى ذاتياً بل يطلب ويستجدي ويأمر من دون أي عطاء ذاتي. ونقد البداهة في الفينومينولوجيا المعاصرة هنا يقود بالضرورة إلى أخلاق ما بعد-فينومينولوجية حيث لم يعد “اليقين” هو غاية الفلسفة بل “العدالة” و”المسؤولية”.
وإذا كان الانتقال قد تم من التجربة إلى البنية ومن البداهة إلى التأويل ومن اليقين إلى المسؤولية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو هل ما زالت الفينومينولوجيا ممكنة بعد هذا التحول؟ أليس في نقض البداهة نقض لمشروعها الأصلي؟ غير أن الفينومينولوجيا المعاصرة في أعمق تعبيراتها تتيح لنا أن نتصور علماً قائماً على هذه المفارقة ذاتها، فهي توصيف للظهور من دون أن تسلم ببداهته وتبحث عن المعطى الذاتي مع إدراكها أن كل معطى مشروط بغائبات تسبقه وتحلل التجربة الحية على أساس أنها لا تنفصل عن الترسيبات والتقنيات والبنى.
لقد انتهى زمن الفينومينولوجيا المنتصرة التي تزعم أنها ترى الجواهر بعين المتأمل المطلق وحل محلها فينومينولوجيا متواضعة عارفة بحدودها تشبه فن الملاحة التي تقرأ في الأمواج والغيوم ما لا يقرؤه غيره لكنه يعلم أن البحر لا يفضي بأسراره كاملة أبداً. نقد البداهة هو الذي حرر الفينومينولوجيا من حلمها الكبير باليقين المطلق ليحولها إلى حكمة عملية، أن نعيش في العالم لا يعني أن نمتلك بداهات وافرة عن كل شيء بل أن نكون قادرين على تحمل الغموض وعلى العيش في الآفاق دون أن نستقر في مركز وعلى الإصغاء للآخر والاختلاف والغرابة من دون أن نختزله إلى مجرد ظاهرة في مرآة وعينا.
وهكذا فما بدأ بانتصار للبداهة – في تحليلات هوسرل الأولى عن اللمعان الحسي – انتهى إلى نقد جذري لهذه البداهة في أعمال ميرلوبونتي وهايدغر وريكور وليفيناس وهنري. لكن هذا النقد لم يلغِ الفينومينولوجيا بل أعاد إحياءها بطريقة أكثر عمقاً وصدقاً مع تعقيد الوجود البشري. الفلسفة إذن، ليست بحثاً عن لحظة صفرية يلمع فيها الحقيقة كالشمس في كبد السماء بل هي سيرورة لا نهائية من تفكيك ما بدا بديهياً وإعادة بنائه في وعي أكثر حذراً واتساعاً. البداهة ليست كذبة لكنها ليست حقيقة كاملة؛ هي غلاف لبنية، لحظة استراحة في سيل من العلاقات ووعد بالحضور لا يفي به الزمن كاملاً. الفينومينولوجيا بعد نقد البداهة لم تعد علماً بالظواهر بل تأملاً في شروط إمكان الظهور، ولم تعد منهجاً لاستعادة اليقين بل فن العيش في الشك المنتج، ولم تعد حديثاً عن الأشياء نفسها بل استماعاً لصمت الأشياء حين تتحدث إلينا من مسافة غيابها الذي لا يملؤه أي حضور. ...فالجواب ليس أن الفينومينولوجيا ما زالت ممكنة رغم المفارقة، بل إنها لم تصبح ممكنة حقاً إلا بهذه المفارقة. فالعجز عن العودة إلى "الأشياء نفسها" ليس فشلاً بل هو أول اكتشاف فينيومينولوجي جوهري لا شيء معطى فوراً وكل ظهور يتوسطه غياب.
إن الفينومينولوجيا المعاصرة ليست علماً للمفارقة بل هي تخلٍّ عن حلم البداهة وتحول من منهج يبحث عن أسس مطلقة إلى موقف يسائل شروط إمكان كل أساس. وهي بهذا لا تموت بل تولد من جديد كفلسفة للحدود والتفسير والمسؤولية اللامحدودة أمام ما يظهر دون أن يمتلك نفسه بالكامل.
***
د. حمزة مولخنيف







