عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

زكريا نمر: كيف فقد المثقف دوره التاريخي؟

لم تكن أزمة المثقف في المجتمعات العربية والأفريقية مجرد أزمة حضور أو غياب، بل هي انعكاس لأزمة أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين المعرفة والسلطة والمجتمع. فالمثقف الذي كان تاريخيا أحد أهم الفاعلين في صياغة التحولات الكبرى، أصبح اليوم يواجه سؤالا صعبا حول جدوى دوره وحدود تأثيره في عالم تتراجع فيه مكانة الفكر أمام صعود المصالح الضيقة، والشعبوية، وهيمنة الخطابات السريعة التي لا تحتاج إلى عمق معرفي كي تنتشر. لقد ارتبط وجود المثقف دائما بالقدرة على إنتاج الوعي، وكشف التناقضات، وطرح الأسئلة التي يخشى المجتمع أو السلطة مواجهتها. فالمثقف لم يكن مجرد ناقل للمعرفة، بل كان جزءا من عملية بناء الإنسان والدولة والمشروع الحضاري. لكنه اليوم يجد نفسه في مواجهة واقع مختلف؛ واقع تتراجع فيه قدرة الفكر على التأثير، ليس بسبب اختفاء أصحاب المعرفة، بل بسبب ضعف البيئة السياسية والاجتماعية والمؤسساتية التي تمنح الفكر دوره الطبيعي.

إن السؤال الحقيقي ليس أين ذهب المثقفون، فالمثقفون موجودون، والجامعات تنتج الأكاديميين، والمنابر الثقافية تعج بالكتاب والمحللين، لكن السؤال الأهم هو: لماذا فقد المثقف قدرته على تشكيل الوعي العام؟ ولماذا أصبحت المجتمعات أكثر تأثرا بخطابات عاطفية وشعبوية وانفعالية، بينما تراجعت مكانة الخطاب النقدي القائم على العقل والمعرفة؟ إن أزمة المثقف المعاصر ليست أزمة وجود، بل أزمة وظيفة ودور. فالمشكلة ليست في غياب الأفكار، وإنما في عجز هذه الأفكار عن التحول إلى قوة اجتماعية ومشروع جماعي قادر على التأثير. لقد أصبحنا أمام مفارقة واضحة: المعرفة تتوسع، لكن تأثير أصحاب المعرفة يتراجع. هناك وفرة في المعلومات، لكن هناك نقصا في الرؤية التي تحول هذه المعلومات إلى وعي ومشروع.

في مراحل تاريخية سابقة كان المثقف يمثل ضميرا نقديا للمجتمع، يقف في مواجهة الاستبداد، ويناقش قضايا التنمية والهوية والعدالة، ويساهم في بناء التصورات الكبرى حول مستقبل الدولة. أما اليوم فقد تحول جزء من المثقفين إلى مراقبين للأحداث بدلا من أن يكونوا فاعلين في صناعتها، وإلى محللين للأزمات بعد وقوعها بدلا من المشاركة في بناء الحلول قبل تفاقمها. ولا يمكن فهم أزمة المثقف بعيدا عن أزمة الدولة نفسها. فالمثقف لا يعيش خارج السياق السياسي والاجتماعي، بل يتأثر بطبيعة النظام الذي يعمل داخله. ففي الدول التي لم تنجح في بناء مؤسسات حديثة قائمة على القانون والمواطنة، يصبح دور المعرفة محدودا، وتتحول السلطة من مؤسسة عامة إلى مساحة تحكمها الولاءات الشخصية أو القبلية أو الحزبية. في مثل هذه البيئات تصبح العلاقة بين المثقف والسلطة علاقة صراع دائم. فالسلطة التي تخشى النقد تحاول تهميش المثقف أو احتواءه، بينما يفقد بعض المثقفين استقلالهم عندما يتحولون إلى جزء من منظومة الدفاع عن السلطة بدلا من ممارسة دورهم النقدي. وهنا يتحول الفكر من وسيلة لتحرير العقل إلى أداة لتبرير الواقع القائم. لكن مسؤولية أزمة المثقف لا تقع على السلطة وحدها، فهناك أزمة داخلية في بنية النخب نفسها. فقد فشل كثير من المثقفين في بناء مشاريع جماعية تتجاوز الخلافات الشخصية والأيديولوجية. أصبح المشهد الثقافي مليئا بالأصوات الفردية، لكنه يفتقر إلى المؤسسات الفكرية القادرة على إنتاج تيارات مستمرة ومؤثرة. لقد أثبت التاريخ أن الأفكار لا تنتصر فقط بقوة أصحابها، بل بوجود مؤسسات تحملها وتطورها. فالمجتمعات التي استطاعت تحقيق نهضة حقيقية لم تعتمد على أفراد استثنائيين فقط، وإنما بنت جامعات ومراكز بحث ومؤسسات إعلامية وثقافية جعلت المعرفة جزءا من مشروعها الوطني. أما في كثير من المجتمعات العربية والأفريقية، فقد بقي المثقف يعمل في مساحة فردية محدودة، ينتج أفكارا مهمة لكنها لا تجد طريقها إلى التحول الاجتماعي والسياسي. وهنا تصبح الثقافة نشاطا نخبويا منفصلا عن حياة الناس، بدلا من أن تكون قوة فاعلة في تشكيل المستقبل.

وتزداد الأزمة تعقيدا مع ضعف أنظمة التعليم التي لم تنجح في بناء عقل نقدي مستقل. فالمجتمعات التي تعتمد على الحفظ والتلقين لا تنتج أفرادا قادرين على التفكير الحر أو مساءلة الواقع. التعليم الحقيقي لا يعني فقط الحصول على شهادة، بل يعني بناء إنسان قادر على التحليل والنقد والإبداع. عندما يصبح التعليم مجرد وسيلة للحصول على وظيفة، تفقد المعرفة وظيفتها الأساسية في تحرير الإنسان. وعندما لا يتعلم المجتمع كيفية طرح الأسئلة، فإنه يصبح أكثر عرضة لقبول الخطابات الجاهزة التي تقدم له تفسيرات بسيطة لمشكلات معقدة. وفي الواقع الأفريقي، ترتبط أزمة المثقف أيضا بأزمة بناء الدولة الوطنية. فالكثير من الدول خرجت من الاستعمار وهي تحمل مؤسسات سياسية حديثة شكليا، لكنها لم تنجح دائما في بناء مواطنة حقيقية تتجاوز الانتماءات الأولية. لذلك بقيت القبيلة والجهة والانتماء الضيق عوامل مؤثرة في السياسة والمجتمع. في هذه الظروف يجد المثقف نفسه أمام تحد كبير؛ فبدلا من أن يكون صوتا لتجاوز الانقسامات، قد يصبح أحيانا جزءا منها. فبعض النخب تستخدم المعرفة للدفاع عن جماعاتها أو مصالحها السياسية، بدلا من توظيفها لبناء رؤية وطنية أوسع تقوم على العدالة والمواطنة والمصلحة العامة. كما أن أزمة الحداثة السياسية ساهمت في تراجع دور المثقف. فالحداثة ليست مجرد امتلاك مؤسسات شكلية أو استخدام التكنولوجيا، بل هي تحول عميق في طريقة التفكير وفي علاقة الفرد بالدولة والمجتمع. وعندما تفشل المجتمعات في تحقيق هذا التحول، تبقى عالقة بين مظاهر الدولة الحديثة وبنية اجتماعية تقليدية تعيق التغيير.

لقد غيرت الثورة الرقمية أيضا طبيعة الصراع على الوعي. فلم يعد المثقف يمتلك المنصة الوحيدة لإنتاج الأفكار، بل أصبح ينافس آلاف الأصوات في فضاء مفتوح. هذه الثورة تحمل إمكانات كبيرة، لكنها سمحت أيضا بانتشار خطابات سطحية تعتمد على الإثارة أكثر من المعرفة. إن التحدي الجديد أمام المثقف ليس فقط إنتاج الفكرة، بل القدرة على إيصالها إلى المجتمع بلغة يفهمها الناس دون فقدان عمقها. فالفكرة التي تبقى داخل النخب المغلقة تفقد جزءا من قوتها، بينما تستطيع الخطابات البسيطة والمضللة أحيانا أن تحقق انتشارا واسعا. ورغم كل هذه الأزمات، فإن دور المثقف لم ينته. لكن المطلوب هو إعادة تعريف هذا الدور. فالمثقف في العصر الحالي لا يمكن أن يكتفي بالنقد، بل يجب أن يشارك في بناء البدائل، وأن يربط المعرفة بقضايا الإنسان والتنمية والحرية والعدالة. إن المجتمعات لا تحتاج إلى مثقفين يكتفون بوصف الخراب، بل تحتاج إلى مثقفين قادرين على بناء مشاريع جديدة. تحتاج إلى نخب تدرك أن دورها ليس البحث عن المكانة، وإنما المساهمة في صناعة المستقبل.

 فإن أزمة المثقف العربي والأفريقي ليست أزمة أفراد فقط، بل أزمة مشروع حضاري كامل. إنها أزمة علاقة المجتمع بالمعرفة، وعلاقة الدولة بالعقل، وعلاقة الإنسان بحريته ومستقبله. فالسؤال الحقيقي ليس أين اختفى المثقفون، بل لماذا لم يستطيعوا تحويل المعرفة إلى قوة اجتماعية؟ ولماذا بقيت أفكارهم محدودة التأثير بينما تشكل وعي المجتمعات أحيانا قوى لا تؤمن بالعقل ولا بالمستقبل؟ فالمثقف الذي يفقد علاقته بمجتمعه يفقد جزءا من دوره التاريخي، والمجتمع الذي يخسر مثقفيه الفاعلين يخسر إحدى أهم أدوات فهم ذاته وصناعة مستقبله.

***

زكريا - نمر

 

في المثقف اليوم