عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

حاتم حميد محسن: كيف أصبحت الرواقية اليونانية ستراتيجية روما السياسية؟

غيّرت الفلسفة الرواقية المولوده في اليونان القديمة القيادة الرومانية وتركت بصماتها الدائمة على الأسس الأخلاقية والسياسية للحضارة الغربية. عندما انتصرت روما القديمة على اليونانين وواجهت افكارهم الفلسفية، أصبحت الرواقية اكثر من مجرد حركة فلسفية. الالتقاء بين صعود قوة روما والرواقية حدث وسط قسوة الانتصار والحرب، لكنه مع ذلك انتج واحدا من أعمق التحولات الفلسفية.

أمضى العلماء سنوات يحللون كيف صاغت مدرسة الأفكار في شوارع أثينا القديمة القوة الإمبراطورية لروما، مع تداعيات ترددت اصداؤها في انحاء اوربا وخارجها .

كيف دخلت الرواقية للمجتمع الروماني

عندما تحدّث ديوجين البابلي عن الفضيلة والواجب، كان الهواء يعج بالطاقة. أولئك الذين هم من النخبة الرومانية تسمّروا في مكانهم وهم يستمعون للرجل اليوناني. هناك كان هؤلاء القوم المقهورون، مدنهم التي كانت يوما ما عظيمة اختُزلت الى مقاطعات رومانية، ومع ذلك، فقد امتلكوا بطريقة ما شيئا عجزت القوة العسكرية الرومانية الهائلة عن الاستيلاء عليه: طريقة التفكير حول القوة التي أضفت معنى على الفوضى التي كانت سائدة في كل مكان.

لاحظ كاتو الأكبر Cato the Elder فورا الخطورة في هذا، وكان طلبه بطرد الفلاسفة اليونانيين يكشف عن هذا الرعب. عندما تؤسس امبراطورية على مبدأ ان القوة هي التي تفرض الحق، فان الاستماع للفلسفة التي تقترح ان السلطة يجب ان تخدم الفضيلة بدلا من العكس يجب ان يدفع للشعور بالقلق الحقيقي.

ما ينساه المعاصرون عادة هو كيف تلاءمت الرواقية تماما مع القلق والمخاوف الرومانية. كانت روما امبراطورية تنمو بوتيرة أسرع مما كان بوسع قادتها استيعابه، ممتدة من البرتغال الى سوريا. مبادئ روما القديمة - الشرف الشخصي، الولاء العائلي، الواجب المدني -عملت بشكل مثالي لدولة المدينة city state لكنها كانت خارج الموضة وغير كافية لامبراطورية عالمية ضمّت عدد كبير من الثقافات والأمم والأديان تحت سلطة واحدة. الرواقية قدمت للرومان شيئا ما مختلفا: اطارا عالميا يمكنه في نفس الوقت ان يفهم العالم، ويحكم الشعوب المتنوعة ويحافظ على التماسك الأخلاقي.

المتحولون الأوائل في روما الى الرواقية، مثل باتيتيوس panaetius، كانوا رجالا عمليين سعوا لحل المشاكل السياسية الواقعية. عندما التحق الباتيتيوس بحلقة سكيبيو، جلب معه فلسفة حياة يمكن ان تساعد قادة روما في حل المأزق الأخلاقي بينما هم يحكمون امبراطوريتهم الشاسعة بكفاءة. فقط تصوّر هؤلاء الناس وهم يناقشون ما اذا كان توسّع روما مبرر أخلاقيا ام خائن لمبادئ روما القديمة الراسخة.

ماركوس ارليوس والامبراطور الفيلسوف

ماركوس ارليوس ربما احد أشهر اباطرة روما لسبب معقول. هو كان الرجل الذي لم يرغب ابدا ان يكون امبراطورا، فضّل الحياة الهادئة للفيلسوف، ومع ذلك وجد نفسه يحاول موازنة ديناميكيات السلطة المطلقة على العالم المعروف. تأملاته – مخطوطة مؤلفة كليا من ملاحظات شخصية لنفسه ولذلك لم يقصد بها النشر ابدا – تكشف رجلا كافح مع التناقضات الأساسية لموقعه: كيف يبقى المرء جيدا عندما يمتلك السلطة لفعل أي شيء – حتى اكثر الأشياء فضاعة؟

القرّاء وهم يحاولون قراءة أفكاره بينما هو يقاتل القبائل البربرية على طول الدانوب، حصلوا على فكرة عن حجم الوحدة التي شعر بها. "تذكّر ان أشياء قليلة جدا تزعجك"، هو كتب لنفسه، لكنك تقريبا تستمع للارهاق الكامن في الأعماق. هذا لم يكن انفصالا هادئا عن الفلسفة الاكاديمية وانما تعبير عن الرجل الأكثر قوة على الأرض مستعملا المبادئ الرواقية كحبل نجاة سايكولوجي عند التعامل مع الوباء والحرب والتوتر المستمر لإتخاذ القرارات الإمبراطورية. الرواقية اليونانية أصبحت حبل نجاة في الحفاظ على التوازن العقلي لامبراطور روما وسط الضغط الهائل والمسؤوليات التي لا يمكن التغلب عليها.

انه لأمر ملفت للنظر ان نرى قائدا ينتمي لعدة قرون مضت يأخذ بجدية عالية مسؤولياته والتداعيات الأخلاقية لقراراته . عندما اكتسح الطاعون الانتوني الإمبراطورية، ليقتل ثلث السكان، استعمل ماركوس ارليوس حكمة الرواقي ليقرر الطريقة الصحيحة للفعل. هو بقي في روما ينظّم جهود الإغاثة ويبيع الممتلكات الإمبراطورية لبناء ومعالجة ما دمره الوباء . المبدأ الرواقي بان القائد يخدم الصالح العام اصبح ضرورة أخلاقية شكّلت كل القرارات التي اتخذها في ذلك الوقت.

اصلاحاته القانونية كانت مثالا اخرا عن الكيفية التي اثّرت بها الرواقية اليوانانية على حكم ماركوس ارليوس. رجل بسلطة مطلقة استخدم تلك السلطة ليس لمنفعة نفسه او حاشيته وانما لحماية العبيد وتوسيع حقوق المرأة واضفاء طابع انساني على النظام القانوني الذي كان قاسيا. من المفهوم، ان هذه لم تكن معايير مرغوبة بين النخبة الرومانية، لكن ماركوس ضغط نحوها باي طريقة لأن الفلسفة الرواقية هي التي طلبتها واقنعته فيها بوصلته الأخلاقية . عندما كتب "نحن وُلدنا لنعمل مجتمعين"، هو كان يصف منهجية حاكمة استمرت في كتب التاريخ منذ ذلك الحين.

عندما ننظر للسياسة الحديثة – المعلومات المضللة للتواصل الاجتماعي، ولاء قبلي، عبادة الشخصية، والسياسات الحزبية  يجدر التساؤل عن رأي ماركوس في كل ذلك. هل سيعترف باي شيء في اتجاهه الفلسفي للقيادة في المسرح السياسي الحالي؟

ان تأثير الرواقية على الفكر السياسي الغربي لا يمكن انكاره. مفهوم القانون الطبيعي، فكرة ان القادة يجب ان يخدموا الصالح العام بدلا من المصالح الشخصية، والتأكيد على الفضيلة بدلا من مجرد الكفاءة، كل هذا يمكن تعقبه رجوعا الى ذلك الاندماج بين الفلسفة اليونانية والبرجماتية الرومانية. مع ذلك، في مكان ما على طول الطريق، نحن يبدو فقدنا الخيط، خاصة في السنوات الأخيرة. كورسات القيادة الحديثة تعلّم الان "مبادئ الرواقية"، لكن واضح انهم يغفلون جوهر القضية. انها ليس فقط حول التعليمات العاطفية او إدارة الازمات، مع ان ماركوس تفوّق في كليهما. انها حول إعادة توجيه جوهرية لغاية السلطة ومن يُفترض بالسياسيين خدمتهم. عندما كتب بان "ما ليس جيدا لخلية النحل ليس جيدا للنحلة" هو كان يصف رؤية أخلاقية جعلت الطموحات الشخصية تخضع للرفاهية الجمعية، وهذا ما نفتقده اليوم.

الدليل الاركولوجي من الإمبراطورية الرومانية السابقة يبيّن مدى العمق الذي اخترقت به اللغة الرواقية الإدارة الإقليمية. الحكام المحليون هم أيضا اقتبسوا من ماركوس، امتدحوا الفضيلة، وتحدثوا عن واجباتهم نحو الصالح العام. لكن هل كانت هذه عقيدة فلسفية حقيقية ام مجرد بلاغة سياسية في ذلك الوقت؟ كيف يمكن للمرء تحديد الاختلاف بين القيادة الرواقية الأصيلة والأداء الرواقي؟

انعكاسات تأثير الرواقية على السياسة الرومانية

ما يلفت الانتباه كثيرا هو ان تلك الصراعات القديمة لاتزال هامة وملائمة. نحن لانزال نصارع مع نفس الأسئلة الأساسية: كيف يمارس المرء السلطة بمسؤولية ويحافظ على النزاهة الأخلاقية في أنظمة عادة ما تحترم المضاد لها؟ حقيقة اننا لانزال نسأل هذه الأسئلة يشير اما الى اننا لم نتعلم كثيرا في الالفي سنة الماضية ام ان هذه هي مجرد معضلات بشرية أزلية. ربما هذا هو الميراث الحقيقي لتحولات الرواقية من الفلسفة اليونانية الى استراتيجية سياسية رومانية. انها لم تكن فقط حول خلق مدراء أفضل – هي حول اظهار انه حتى منْ هم اكثر قوة بيننا هم بالنهاية كائنات بشرية يصارعون مع نفس التحديات الأخلاقية التي يواجهها الجميع. الفرق هو ان البعض، مثل ماركوس ارليوس اختار الصراع علنا وبصدق وبتبنّي حقيقي لشيء أكبر من ذاته – وهذا ربما يكفي.

***

حاتم حميد محسن

 

في المثقف اليوم