عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

ياسر البتانوني: الرضا الإنساني بين حكمة الوجود وسكينة النفس

إذا كان الإنسان قد أدرك من خلال الألم أن الحياة ليست طريقا مفروشا بما يشتهي، كما بينت المقالة الأولى "الوجود الإنساني بين حكمة الألم وأفق الأمل"، وتعلم بالصبر كيف يثبت أمام تقلباتها، كما أوضحت المقالة الثانية "الصبر الإنساني بين حكمة الابتلاء وفلسفة الارتقاء"، واستنار بالتوكل وهو يمضي في دروبها، كما بينت المقالة الثالثة "التوكل الإنساني بين حركة الإرادة وطمأنينة القلب"، فإن رحلته لا تبلغ تمام نضجها إلا حين يصل إلى الرضا. ففي هذا المقام الإنساني لا يتغير الوجود من حول الإنسان، وإنما تتغير رؤيته إليه؛ فلا يعود ينظر إلى الحياة بوصفها ساحة صراع دائم بين ما يريد وما يقع، وإنما يراها نظاما محكما تجري أحداثه وفق حكمة إلهية أوسع من إدراكه، فتسكن نفسه إلى ما قدر الله، ويطمئن قلبه إلى ما قضى، دون أن تنطفئ إرادته، أو يفتر سعيه، أو يتخلى عن مسؤوليته في العمل والإصلاح.

ولعل الرضا من أكثر المفاهيم التي أسيء فهمها في الفكر الديني والفلسفي على السواء. فكثيرا ما يختزل في صورة الاستسلام للأمر الواقع، أو يفسر على أنه ضعف في الإرادة، أو عزوف عن مقاومة الخطأ والسعي إلى تغييره. غير أن هذا الفهم لا يعبر عن حقيقة الرضا، بل عن صورة بعيدة عن جوهره. فالرضا ليس استسلاما، وإنما بصيرة؛ وليس خضوعا للعجز، وإنما تحرر من العجز الداخلي؛ وليس إلغاء للإرادة، وإنما تهذيب لعلاقتها بما خرج عن قدرتها بعد استيفاء الأسباب وبذل الجهد. إنه ليس انصرافا عن الحياة، وإنما طريقة أعمق وأهدأ للعيش فيها.

ومن هنا يمكن النظر إلى الرضا باعتباره نعمة إلهية ومنحة ربانية يفيض الله بها على من شاء من عباده. فهو ليس مجرد حالة نفسية عابرة، ولا شعورا مؤقتا بالسكينة، وإنما ثمرة وعي يتشكل على مهل، حتى يدرك الإنسان أن الوجود لا تحكمه الفوضى، ولا تجري أحداثه وفق المصادفة العمياء، وإنما تنتظمها سنن ثابتة، وتحيط بها حكمة قد يدرك الإنسان بعض أسرارها، ويغيب عنه كثير منها. ولهذا دعا الله تعالى عباده إلى الاطمئنان إليه، وحسن الظن به، وربط كمال الإيمان بالثقة في حكمته، لأن القلب إذا أيقن أن الله أرحم به من نفسه، وأن تدبيره أكمل من تدبير العبد لنفسه، أصبح أقدر على استقبال ما يقدره الله بسكينة، دون أن يتخلى عن مسؤوليته في السعي أو الإصلاح.

ومن هذه الزاوية يغدو الرضا أحد أهم الأسس التي يقوم عليها الوجود الإنساني المتوازن. فالإنسان لا يعيش في عالم صنعه على هواه، ولا في واقع يستجيب لكل رغباته، وإنما يعيش في وجود تتقاطع فيه إرادته المحدودة مع سنن كونية لا يملك تغييرها. وهنا ينشأ كثير من معاناته؛ إذ لا يتألم دائما بسبب ما يقع، وإنما بسبب مقاومته الدائمة لما وقع، ورغبته في أن يكون العالم على الصورة التي يتخيلها لا على الصورة التي جرى بها القدر. ومن هنا لا يكون الرضا مجرد فضيلة أخلاقية، بل رؤية وجودية تعيد بناء علاقة الإنسان بالعالم، فيتحرر من الصراع مع ما لا يملكه، ويتفرغ لما يستطيع أن يصنعه ويؤثر فيه.

ومن الناحية الفلسفية، يرتبط الرضا بإحدى أعمق القضايا التي شغلت الفكر الإنساني، وهي العلاقة بين الحرية والضرورة، وبين الإرادة الإنسانية وحدودها. فالإنسان يشعر في أعماقه بأنه كائن حر، يسعى إلى تحقيق غاياته، وصناعة مستقبله، وتغيير واقعه، لكنه يكتشف مع مرور الزمن أن كثيرا من الوقائع لا تخضع لرغبته، ولا تستجيب لتخطيطه، وأن هناك دائما مساحة من الوجود تبقى خارج دائرة سيطرته. وهنا تتولد أزمة الإنسان الوجودية؛ لأنه يريد أن يكون سيد كل ما يحدث له، بينما تذكره الحياة في كل مرحلة بأن قدرته محدودة، وأن علمه محدود، وأن تدبيره ليس هو التدبير الوحيد.

غير أن الرضا لا يلغي هذه المفارقة، ولا يقدم لها حلا نظريا مجردا، بل يحولها إلى تجربة إنسانية متوازنة. فهو يعلم الإنسان أن الحرية الحقيقية ليست في أن يمتلك كل شيء، وإنما في أن يحسن التعامل مع ما يملكه وما لا يملكه، وأن يميز بين دائرة الفعل التي كلف بها، ودائرة القضاء التي تجري وفق حكمة الله. فإذا اختلطت الدائرتان عاش الإنسان أسيرا للقلق، أما إذا أدرك حدوده، واستوفى أسباب العمل، ثم سلم ما وراء ذلك إلى الحكمة الإلهية، استعاد اتزانه الداخلي، وانطفأ كثير من الصراع الذي يستنزف روحه.

وإذا تأملنا الرضا وجدناه لا يقتصر على صورة واحدة، بل يتجلى في صور متعددة تعكس اتساع التجربة الإنسانية نفسها. فهناك الرضا بما يقدره الله على الإنسان من ابتلاءات وتقلبات الحياة، كالصحة والمرض، والغنى والفقر، والفقد والعطاء، وهو الرضا الذي يحرر القلب من الاعتراض، دون أن يمنع صاحبه من السعي إلى دفع الضرر والأخذ بالأسباب. وهناك الرضا بالطاعة وما تقتضيه من مجاهدة للنفس، لأن كثيرا من الواجبات لا تؤتي ثمارها إلا إذا أداها الإنسان بقلب مطمئن لا بقلب متبرم. وهناك الرضا عن الشهوات حين يقف الإنسان عند حدود الله، فيؤثر ما يبقى على ما يفنى، وما يسمو بروحه على ما تستدعيه رغباته العابرة. ثم يرتقي الرضا إلى أفق أوسع، هو الرضا بالله، حيث لا يعود الرضا متعلقا بما يعطيه الله أو يمنعه، بل بمن بيده العطاء والمنع، وهي مرتبة تسمو فيها النفس على تقلبات الأحوال، لأنها وجدت سكينتها في الثقة بالله، لا في تغير الظروف.

ومن هنا تتجلى الحكمة الإلهية في الرضا بوصفه ثمرة من ثمار الإيمان بحكمة الوجود. فالإنسان بطبيعته ينظر إلى الأحداث من زاوية اللحظة التي يعيشها، ويحاكمها بما تجلبه له من لذة أو ألم، وربح أو خسارة، بينما تنظر الحكمة الإلهية إلى الوجود في كليته، وإلى ما تؤول إليه الأمور في نهاياتها. ولهذا قد يكره الإنسان أمرا يكون فيه صلاحه، وقد يتعلق بشيء يكون سبب شقائه، لأنه لا يرى من المشهد إلا جزءا يسيرا، بينما تحيط الحكمة الإلهية بما خفي وما ظهر، وبما كان وما سيكون.

ومن هنا كان الرضا انتقالا من ضيق الرؤية الجزئية إلى سعة الثقة بالحكمة الكلية. فالإنسان لا يرضى لأنه أدرك كل أسرار القدر، وإنما لأنه أيقن أن وراء ما يخفى عنه علما لا يحيط به، ورحمة لا تنقطع، وحكمة لا يحدها إدراكه المحدود. ولهذا فإن الرضا ليس تعطيلا للعقل، بل اعتراف بحدوده، وليس استسلاما للغموض، بل ثقة بأن ما غاب عن الإنسان لم يغب عن علم الله وتدبيره.

ولعل أعظم ما يثمره الرضا في حياة الإنسان أنه يعيد ترتيب علاقته بالزمن. فالنفوس القلقة تعيش أسيرة لما مضى، تندب ما فاتها، أو تظل مشدودة إلى ما سيأتي، تخشى المستقبل، وتثقلها الاحتمالات. أما النفس الراضية فإنها تعيش حاضرها بوعي واتزان، لأنها تعلم أن الماضي قد مضى بحكمة، وأن المستقبل بيد الله، وأن اللحظة التي تعيشها هي المجال الحقيقي للعمل، والإصلاح، والعبادة، والعمران. ومن هنا لا يعود الزمن خصما للإنسان، بل يصبح ميدانا ينضج فيه وعيه، وتتسع فيه بصيرته، وتترسخ فيه سكينته.

وفي التجربة الصوفية يكتسب الرضا بعدا أكثر عمقا واتساعا، إذ ينظر إليه بوصفه من أدق ما تناوله أهل السلوك في حديثهم عن السير إلى الله. وقد اختلفت عباراتهم في توصيفه؛ فذهب فريق إلى أنه مقام يبلغه السالك بالمجاهدة، ودوام الطاعة، وصدق التوكل، حتى تستقر نفسه على التسليم لحكمة الله. ورأى فريق آخر أنه حال يفيضه الله على القلوب بعد اكتمال المجاهدة، فلا يكون ثمرة للكسب وحده، بل موهبة ربانية يختص الله بها من شاء من عباده. ولهذا قال بعضهم إن الرضا نهاية المقامات وبداية الأحوال؛ لأنه الحد الذي تنتهي عنده مجاهدة النفس، وتبدأ فيه سكينة القلب وأنسه بالله.

ولم يكن هذا الخلاف في حقيقته خلافا على جوهر الرضا، بقدر ما كان اختلافا في النظر إلى طريق الوصول إليه. فالكل متفق على أن الرضا من أشرف المنازل الروحية، وأنه لا يتحقق إلا إذا تحرر القلب من الاعتراض على الله، واستقرت فيه الثقة بحكمته، حتى يصبح العبد مطمئنا في السراء والضراء، والعطاء والمنع، لا لأن الأحوال أصبحت سواء، بل لأن نظره تجاوز الأحوال إلى من يجريها بحكمته ورحمته.

غير أن الرضا لا يعني أن يتخلى الإنسان عن مسؤوليته، أو أن يرضى بالظلم، أو يسكت عن الفساد، أو يقبل التقصير. فالرضا إنما يتعلق بما خرج عن قدرة الإنسان بعد أن يستفرغ وسعه في السعي والإصلاح، أما ما كان داخلا في دائرة تكليفه، فإن الرضا لا يعفيه من واجب تغييره، بل يدفعه إلى ذلك بقلب أكثر هدوءا، وعقل أكثر حكمة، ونفس أكثر اتزانا. ولهذا كان الرضا قوة داخلية، لا صورة من صور السلبية، وحافزا على العمل، لا مبررا للتقاعس.

إن أعظم ما يمنحه الرضا للإنسان أنه يحرره من الصراع مع ما لا يستطيع تغييره، ليتفرغ إلى ما يستطيع إصلاحه. فهو يبدل الاعتراض بالتأمل، والقلق بالسكينة، والاضطراب بالثقة، ويعيد إلى النفس توازنها بعد أن أنهكتها مقاومة ما لا سبيل إلى دفعه. ومن هنا يصبح الرضا أحد أهم أسباب السلام الداخلي، لأنه لا يغير العالم الخارجي، وإنما يغير الكيفية التي يسكن بها الإنسان هذا العالم، فيعيش فيه بقلب مطمئن، وعقل واع، وروح متصلة بالله.

خلاصة القول: إن الرضا ليس مجرد خلق من الأخلاق، ولا حالة نفسية عابرة، بل هو رؤية وجودية، وخبرة إنسانية، ومنحة إلهية، تتوج رحلة الإنسان في فهم نفسه والعالم من حوله. إنه ثمرة إدراك أن الوجود لا تحكمه الفوضى، وإنما تنتظمه حكمة إلهية شاملة، وأن الإنسان وإن كان مطالبا بالسعي، فإنه ليس مطالبا بحمل أعباء ما خرج عن حدود طاقته. فإذا استقام له هذا الفهم، اجتمع في قلبه صفاء البصيرة، وطمأنينة النفس، واتزان الإرادة، فأصبح أكثر قدرة على العيش في سلام مع الله، ومع نفسه، ومع الوجود كله.

وإذا كان الرضا قد منح الإنسان سكينة النفس، وأخرجه من الصراع مع أقدار الحياة، فإن الرحلة لا تقف عند حدود السكينة. فالسكينة ليست نهاية الطريق، وإنما بداية أفق جديد، يتجاوز فيه الإنسان مجرد القبول بحكمة الله إلى التعلق بالله نفسه. وعندئذ لا يعود الرضا غاية مستقلة، بل يصبح جسرا تعبر عليه النفس إلى المحبة؛ لأن من اطمأن إلى حكمة الله، لم يلبث أن يتعلق قلبه بمن له تلك الحكمة. وهنا تبدأ مرحلة جديدة من رحلة الوجود الإنساني، سيكون حديثنا عنها في المقالة القادمة.

***

بقلم: أ. د. ياسر البتانوني

أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنوفية

في المثقف اليوم