عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

عماد خالد رحمة: الأدب والفينومينولوجيا

حين تلتقي التجربة الإنسانية بجوهر الظاهرة

ليس الأدب، في أعمق تجلياته، وصفاً للعالم كما يبدو من خارجه، وإنما هو محاولةٌ للنفاذ إلى العالم كما يُعاش من الداخل؛ وليس الشعر مجرد تسميةٍ للأشياء، بل إنصاتٌ إلى الكيفية التي تظهر بها الأشياء للوعي، وإلى ما تتركه في النفس من رجفةٍ أو دهشةٍ أو قلقٍ أو حنين. ومن هنا ينهض جسرٌ خفيٌّ بين الأدب والفينومينولوجيا؛ جسرٌ لا يقوم على تشابه المصطلحات، وإنما على وحدة السؤال: كيف يظهر العالم للإنسان؟ وكيف تتحول التجربة المعيشة إلى معنى؟

لقد جاءت الفينومينولوجيا، منذ إدموند هوسرل، لتعيد الاعتبار إلى الظاهرة في لحظة ظهورها للوعي، متجاوزةً ما يفرضه العقل عليها من أحكام مسبقة وتصنيفات جاهزة. وكان شعار هوسرل الشهير: «العودة إلى الأشياء ذاتها» دعوةً إلى استعادة الخبرة في كثافتها الأولى، قبل أن تُختزل في المفاهيم والتفسيرات الخارجية.

وفي هذه النقطة تحديداً يلتقي الفيلسوف بالشاعر.

فالشاعر الحقيقي لا يرى الشجرة بوصفها «نباتاً» فحسب، ولا يرى المطر بوصفه ظاهرةً مناخية، ولا يرى الليل مجرد غيابٍ للضوء؛ وإنما يرى الشجرة كما تتفتح في ذاكرته، والمطر كما يوقظ فيه طفولةً بعيدة، والليل كما يضع الإنسان وجهاً لوجه أمام وحدته. إن الأدب يعيد الأشياء إلى حضورها الحي، والفينومينولوجيا تحاول أن تصف هذا الحضور قبل أن تبتلعه القوالب الجاهزة.

أولاً: الفينومينولوجيا بوصفها يقظةً للوعي

الفينومينولوجيا ليست فلسفةً للأشياء بقدر ما هي فلسفةٌ لظهور الأشياء. والفارق بين الأمرين عميق؛ لأن الشيء، في ذاته، قد يكون واحداً، لكنه لا يظهر بالطريقة نفسها لكل وعي.

النافذة، مثلاً، ليست مجرد قطعةٍ من الزجاج والخشب؛ فقد تكون عند طفلٍ منفذاً إلى العالم، وعند عاشقٍ طريقاً لانتظار حبيب، وعند سجينٍ صورةً للحرية، وعند مهاجرٍ آخر إطاراً لوطنٍ لم يعد قادراً على بلوغه.

هنا تبدأ الفينومينولوجيا: ليس بالسؤال «ما الشيء؟» فقط، وإنما بالسؤال الأكثر عمقاً: كيف يظهر الشيء في التجربة؟ وما الذي يجعله ذا معنى بالنسبة إلى الوعي؟

وهذا هو بالضبط ما يفعله الأدب.

فالرواية لا تنقل لنا «الحدث» فحسب، وإنما تكشف كيف عاش الإنسان الحدث. والشعر لا يقدم لنا «الحزن» بوصفه مفهوماً، بل يجعلنا ندخل في نسيجه، ونشم رائحته، ونسمع صمته، ونحس بثقله على الروح.

ومن هنا يمكن القول إن الأدب العظيم يمارس، بطريقة جمالية، ما تسعى الفينومينولوجيا إلى ممارسته بطريقة فلسفية: تحرير التجربة من ابتذال الاعتياد، وإعادة الأشياء إلى دهشتها الأولى.

ثانياً: الشعر بوصفه ظاهرةً معيشة

حين ننظر إلى تاريخ الشعر العالمي نجد أن كبار الشعراء لم يكونوا يصفون العالم بقدر ما كانوا يكشفون كيفية حضوره في الوعي.

عند شارل بودلير، في أزهار الشر، لا تتحول المدينة إلى مكانٍ جغرافي فحسب؛ إنها تجربةٌ نفسية مركبة: زحام، وحدة، غواية، قلق، اغتراب، جمال وقبح في اللحظة نفسها. باريس البودليرية ليست مدينةً خارج الشاعر، بل مدينةٌ تسكن داخله أيضاً.

أما رامبو، حين كتب عبارته الشهيرة: «أنا آخر»، فقد فتح جرحاً عميقاً في مفهوم الذات الشعرية؛ فالذات ليست جوهراً مغلقاً يملك نفسه امتلاكاً نهائياً، وإنما هي فضاءٌ يتقاطع فيه الآخر واللغة والذاكرة والرغبة والعالم. وهذه الفكرة تقترب، من جهة مختلفة، من مركزية الوعي القصدي في الفينومينولوجيا؛ فالوعي ليس صندوقاً مغلقاً، وإنما هو دائماً وعيٌ بشيء، متجهٌ إلى العالم، ومفتوحٌ على ما يتجاوزه.

وهنا لا يعود الشاعر مجرد «أنا» تتحدث، وإنما يصبح موقعاً تتكلم من خلاله التجربة الإنسانية.

وفي الشعر العربي الحديث، يمكن العثور على حساسيات قريبة من هذا الأفق لدى عدد من الشعراء، وفي مقدمتهم أدونيس، حيث لا تعود القصيدة وعاءً لمعنى جاهز، بل تتحول إلى فضاءٍ لتكوين المعنى نفسه. القصيدة لا تقول العالم كما هو؛ إنها تعيد خلق الطريقة التي يمكن أن يظهر بها العالم.

وهنا تكمن إحدى أهم خصائص الشعر: إنه لا يشرح التجربة؛ إنه يجعلها تحدث من جديد داخل اللغة.

ثالثاً: من الظاهرة إلى الذاكرة:

بروست والفينومينولوجيا الأدبية

ربما لا يوجد مثالٌ روائي أكثر دلالةً على علاقة الأدب بالتجربة المعيشة من تجربة مارسيل بروست في البحث عن الزمن المفقود.

إن تذوق قطعة المادلين الشهيرة لا يؤدي إلى مجرد استرجاع معلومة من الماضي، وإنما يفجّر عالماً كاملاً كان يبدو منطفئاً في الذاكرة. الطعم والرائحة والإحساس الجسدي يصبحون مفاتيح للزمن.

وهنا يتحول الماضي من «حدثٍ انتهى» إلى حضورٍ جديد داخل الوعي.

هذه إحدى أعقد حقائق التجربة الإنسانية: الزمن ليس فقط ما مضى، وإنما ما يظل قادراً على العودة فينا. وقد يكون الماضي أكثر حضوراً في لحظةٍ معينة من الحاضر نفسه.

إن الذاكرة، في الأدب، ليست أرشيفاً؛ إنها إعادة تشكل للوجود.

ولذلك فإن بروست لا يكتب عن الماضي بقدر ما يكتب عن كيفية ظهور الماضي في الحاضر. وهذه نقطة ذات حساسية فينومينولوجية بالغة.

رابعاً: جيمس جويس وتيار الوعي: حين تصبح النفس فضاءً سردياً

مع جيمس جويس، ولا سيما في عوليس، تتغير وظيفة السرد جذرياً. فبدلاً من أن يكون الروائي مراقباً خارجياً للشخصية، يصبح السرد أقرب إلى التجول داخل مجرى الوعي نفسه.

الأفكار لا تأتي مرتبةً دائماً، والذاكرة لا تتحرك في خط مستقيم، والانفعالات لا تنتظر اكتمال الجمل، والصور تتداخل مع الأصوات والروائح والذكريات والهواجس.

إن ما يسمى تيار الوعي يكشف أن الإنسان لا يعيش ذاته في صورة منطقية منتظمة، بل في حركةٍ داخلية متشعبة، يتداخل فيها الماضي بالحاضر، والمرئي بالمخفي، والإرادي باللاإرادي.

وهنا يقترب الأدب من سؤال الفينومينولوجيا: كيف يتشكل العالم في الوعي قبل أن يتحول إلى خطابٍ مرتب؟

إن الرواية الحديثة، بهذا المعنى، لم تعد تكتفي بأن تحكي ما حدث؛ بل صارت تسأل: كيف عاش الإنسان ما حدث؟

وهذا انتقال من «موضوعية الحدث» إلى «ذاتية التجربة».

خامساً: الأدب العربي واستعادة العالم من الداخل

لا يخلو الأدب العربي الحديث من تجارب سردية وشعرية يمكن قراءتها في ضوء هذا المنظور.

ففي مدن الملح لعبد الرحمن منيف، مثلاً، لا تبدو التحولات الاجتماعية والاقتصادية مجرد وقائع تاريخية، وإنما تدخل إلى الوعي اليومي للناس: إلى عاداتهم، ومخاوفهم، وعلاقاتهم، وأجسادهم، ولغتهم، ونظرتهم إلى المكان.

التحديث هنا ليس مجرد بنيةٍ اقتصادية؛ إنه صدمةٌ في طريقة رؤية العالم.

وهذه النقطة جوهرية في القراءة الفينومينولوجية: الحداثة لا تُقاس فقط بالمؤسسات والمصانع والمدن، وإنما بما تفعله في إحساس الإنسان بالزمن والمكان والآخر وذاته.

وفي الأيام لطه حسين، نجد تجربةً أكثر خصوصية؛ إذ تتحول الطفولة والعمى والتعليم والقرية والكتاب والجامع والأصوات والروائح إلى مكوناتٍ في بناء عالمٍ داخلي. فالمكان ليس مجرد خلفية للسيرة، وإنما هو جزء من تشكيل الوعي.

إن الطفل لا يرى العالم كما يراه الراشد، والأعمى لا يتلقى المكان بالطريقة التي يتلقاه بها المبصر؛ ولذلك يصبح الحواس والذاكرة والصوت واللمس عناصر أساسية في تشكيل التجربة.

وهنا يتحول السرد إلى تشريحٍ للوعي وهو يتكون.

سادساً: الفينومينولوجيا والطب النفسي: الإنسان ليس ملفاً سريرياً

تزداد أهمية الفينومينولوجيا حين ننتقل من الأدب إلى علم النفس والطب النفسي، لأن الإنسان قد يُختزل بسهولة إلى مجموعة من الأعراض والقياسات والتشخيصات.

غير أن الإنسان ليس أعراضه فقط.

فالقلق، مثلاً، ليس مجرد تسارعٍ في النبض أو اضطرابٍ في النوم؛ إنه أيضاً طريقةٌ يتغير بها العالم في عين الإنسان. المكان الذي كان مألوفاً قد يصبح مهدداً، والمستقبل الذي كان مفتوحاً قد يتحول إلى جدار، والزمن نفسه قد يفقد انسيابه الطبيعي.

وهنا أسهم لودفيغ بنسوانغر في تطوير اتجاهٍ وجودي في الطب النفسي مستفيداً من الفينومينولوجيا، محاولاً فهم المريض من داخل عالمه المعاش، لا بوصفه مجموعةً من الأعراض المعزولة.

كما أن فيكتور فرانكل، في إطار العلاج بالمعنى، أعاد التأكيد على حاجة الإنسان إلى معنى يتجاوز مجرد التخلص من التوتر أو الألم. فالإنسان لا يعيش بالراحة وحدها؛ إنه يحتاج إلى سببٍ يجعل احتماله للألم قابلاً للفهم.

وهنا يقترب الطب النفسي من الأدب بصورة مدهشة.

فالأدب يفعل ما تعجز عنه بعض الجداول الإحصائية: يمنح الألم صوتاً وصورةً وسيرةً وذاكرةً.

إن روايةً عن الفقد قد تجعلنا نفهم الحزن أكثر مما تفعل قائمةٌ طويلة من التعريفات؛ وقصيدةٌ صادقة عن الوحدة قد تكشف بنية الوحدة من الداخل.

ولهذا يمكن القول إن الأدب ليس بديلاً عن العلم، لكنه يمتلك معرفةً من نوع آخر: معرفة التجربة.

سابعاً: اللغة ليست لباساً للمعنى؛ إنها أحد أمكنته

هنا نصل إلى واحدة من أكثر مناطق الالتقاء خصوبةً بين الفينومينولوجيا والأدب: اللغة.

لا تأتي التجربة إلى اللغة وهي مكتملة تماماً؛ كثيراً ما تتشكل التجربة نفسها أثناء محاولة تسميتها.

حين نقول: «أنا حزين»، فنحن لا ننقل حالةً نفسية مكتملة إلى الخارج فحسب؛ إننا نمنح التجربة شكلاً لغوياً يجعلها قابلةً للرؤية والتأمل والمشاركة.

ومن هنا كانت اللغة أكثر من نظامٍ من العلامات.

عند هوسرل، ترتبط اللغة بمسألة المعنى وقصديته، وفي الفكر اللاحق، ولا سيما عند هيدغر، أصبحت اللغة مرتبطةً ارتباطاً وثيقاً بانكشاف الوجود. وتأتي العبارة الشهيرة لهيدغر: «اللغة بيت الوجود» لتكثف هذا التصور، مع أن فهمها لا ينبغي أن يُختزل في استعارةٍ شاعرية منفصلة عن مشروعه الفلسفي.

فالإنسان لا يسكن العالم فقط؛ إنه يسكنه من خلال اللغة.

والكلمة ليست مجرد اسمٍ لشيء حاضر خارجها؛ إنها طريقةٌ في فتح الشيء على دلالته.

حين يقول الشاعر «ليل»، لا يكون قد استدعى الظلام وحده؛ فقد يستدعي الموت، والحنين، والانتظار، والمنفى، والحب، والخوف، والطفولة. الكلمة الواحدة تستطيع أن تحمل تاريخاً نفسياً كاملاً.

ومن هنا تصبح البلاغة، في أحد وجوهها العميقة، دراسةً لكيفية تحول التجربة إلى صورة.

ثامناً: من هوسرل إلى هيدغر وميرلو-بونتي: الجسد يدخل الفلسفة

إذا كان هوسرل قد أعاد الوعي إلى مركز البحث الفلسفي، فإن الفينومينولوجيا اللاحقة وسّعت السؤال لتكشف أن الوعي ليس عقلاً معلقاً خارج العالم.

عند هيدغر، يصبح الإنسان كائناً منخرطاً في العالم، لا متفرجاً عليه من الخارج.

وعند موريس ميرلو-بونتي، يحتل الجسد المعيش مكانةً أساسية؛ فنحن لا نمتلك جسداً كما نمتلك شيئاً خارجياً فحسب، بل نحن نحيا العالم عبر الجسد.

وهذا بالغ الأهمية في الأدب.

فالخوف ارتعاش، والحب اقتراب، والفقد ثقل، والحنين رائحة، والمرض تغير في علاقة الإنسان بجسده ومكانه وزمنه.

الشاعر لا يكتب بالجسد عن الجسد فقط؛ إنه يكتب من داخل الجسد.

ولذلك فإن القصيدة الحقيقية لا تخاطب العقل وحده، وإنما تستثير الذاكرة الحسية: السمع والبصر واللمس والشم والذوق، فتجعل اللغة جسراً بين الجسد والعالم.

تاسعاً: هيدغر والشعر: حين تكشف اللغة ما كان مستتراً

عند هيدغر يحتل الشعر مكانةً استثنائية؛ لأن الشعر، في نظره، لا يكتفي بوصف الموجودات، بل يمكن أن يتيح انكشاف الوجود نفسه.

ومن هنا اهتمامه بهولدرلين.

فالشاعر الكبير لا يضيف زخرفةً إلى العالم، بل قد يكشف ما كان العالم يخفيه تحت اعتياده.

إننا نمر يومياً بجانب شجرة ولا نراها؛ نسمع صوت المطر ولا نصغي إليه؛ نعيش مع اللغة حتى نكاد نفقد الإحساس بعجائبها. ثم تأتي قصيدة واحدة فتجعل الشجرة جديدة، والمطر جديداً، والكلمة جديدة.

وهنا يتجلى أحد أعظم أدوار الأدب:

أن يعيد للعالم قدرته على إدهاشنا.

فالشعر لا يضيف الجمال إلى الأشياء دائماً؛ أحياناً هو الذي يزيل طبقة الاعتياد التي حجبت جمالها.

عاشراً: من الفينومينولوجيا إلى الهرمينوطيقا: التجربة لا تنتهي عند الوصف

مع بول ريكور، ينتقل التفكير من وصف التجربة إلى تأويلها. فالنص لا يكتفي بأن يعكس تجربة صاحبه؛ إنه يفتح أمام القارئ عالماً جديداً يمكن أن يسكنه القارئ مؤقتاً.

وهنا تصبح القراءة فعلاً تأويلياً.

نحن لا نقرأ الرواية لكي نعرف فقط ماذا حدث لشخصياتها؛ وإنما لكي نكتشف شيئاً عن أنفسنا من خلال ما حدث لها.

وهذا ما يجعل الأدب أكثر من وثيقة اجتماعية أو نفسية.

إنه مرآة لا تعكس وجه القارئ، بل تعيد تشكيله.

ومن هنا يمكن فهم الصلة بين الفينومينولوجيا والهرمينوطيقا: الأولى تسأل عن كيفية ظهور التجربة، والثانية تسأل عن كيفية فهم معناها وتأويلها.

والأدب يقف بينهما؛ لأنه يمنح التجربة صورةً قابلةً للعيش، ثم يتركها مفتوحةً أمام تعدد القراءات.

الحادي عشر: الأدب لا يقول الحقيقة فقط؛ إنه يجعل الحقيقة قابلةً للتجربة

قال هيدغر، في سياق حديثه عن الفن، إن العمل الفني يضع الحقيقة في العمل. وهذه العبارة تفتح لنا باباً واسعاً لفهم وظيفة الأدب.

فالحقيقة الأدبية ليست بالضرورة حقيقةً تقريرية.

حين يكتب الروائي عن المنفى، لا يقدم لنا تعريفاً للمنفى؛ إنه يجعلنا نشعر بما يعنيه أن يصبح المكان الذي كان بيتاً مجرد ذكرى. وحين يكتب الشاعر عن الموت، لا يقدم برهاناً على الفناء، وإنما يجعلنا نلمس هشاشة الوجود.

وهنا يكمن الفرق بين الحقيقة التي نعرفها والحقيقة التي نعيشها.

قد نعرف أن الإنسان فانٍ، لكن قصيدةً واحدة عن موت صديق قد تجعل الفناء يتحول من معلومةٍ عقلية إلى تجربةٍ وجودية.

وهذا هو سر الأدب.

إنه يحول المفهوم إلى إحساس، والفكرة إلى صورة، والتاريخ إلى ذاكرة، والحدث إلى تجربة.

الثاني عشر: نيتشه وأونامونو وطه حسين: الأدب بوصفه تأويلاً للمأساة الإنسانية

رغم أن فريدريك نيتشه سبق ظهور الفينومينولوجيا بوصفها مذهباً فلسفياً منظماً، فإن مشروعه يلتقي معها في جانب أساسي: رفض التصورات الجامدة عن الحقيقة والإنسان، والنظر إلى المعرفة من خلال علاقتها بالحياة والتجربة والتأويل.

فالإنسان عند نيتشه ليس كائناً شفافاً لنفسه؛ إنه حقلٌ من القوى والرغبات والتوترات والتأويلات.

أما ميغيل دي أونامونو فقد جعل من المأساة الإنسانية مركزاً للتفكير، ورأى أن الإنسان الحقيقي لا يمكن اختزاله في تعريفٍ تجريدي؛ إنه كائنٌ يتألم، ويحب، ويخاف الموت، ويبحث عن معنى يبرر وجوده.

وهذا الإنسان هو نفسه مادة الأدب الكبرى.

أما طه حسين، في الأيام، فقد جعل من السيرة الذاتية مختبراً للوعي؛ فالطفولة عنده ليست مجرد مرحلةٍ زمنية، وإنما عالمٌ له قوانينه الإدراكية والوجدانية واللغوية الخاصة.

ومن هنا يمكن أن نقرأ الأدب العربي أيضاً بوصفه سجلاً عميقاً لكيفية تشكل الإنسان العربي في المكان واللغة والتاريخ والذاكرة، لا مجرد سجلاً للأحداث.

الثالث عشر: الشاعر فينومينولوجي بالفطرة؟

قد يكون من المبالغة القول إن كل شاعر فينومينولوجي، لأن الفينومينولوجيا لها جهازها الاصطلاحي والمنهجي الخاص. لكن يمكن القول، مجازاً، إن الشاعر العظيم يمارس أحياناً حساسيةً فينومينولوجية من غير أن يستخدم المصطلح.

إنه يتوقف أمام الشيء الذي اعتاده الآخرون.

يرى ما لا يُرى.

يصغي إلى ما لا يُسمع.

ويمنح اللغة مهمة استعادة العالم من تحت ركام العادة.

الشاعر لا يسأل دائماً: «ما هذا؟»

بل قد يسأل، بصورة أكثر عمقاً: «كيف أشعر بهذا الذي يحدث لي؟»

وهذا التحول من «ما هو الشيء؟» إلى «كيف يظهر الشيء في تجربتي؟» هو أحد المفاتيح التي تجعل الفينومينولوجيا والأدب يلتقيان.

الرابع عشر: الأدب ضد اختزال الإنسان

في عصرٍ تميل فيه المعرفة إلى القياس والتصنيف والإحصاء، يصبح الأدب ضرورةً أنثروبولوجية وأخلاقية.

فالإنسان ليس رقماً، ولا ملفاً، ولا تشخيصاً، ولا وظيفةً، ولا هويةً قانونية، ولا مجموعةً من المؤشرات.

إنه كائنٌ له ذاكرةٌ لا تُقاس، وخوفٌ لا يُرى، وحلمٌ لا يُختبر في المختبر، وحنينٌ لا يدخل في الجداول.

العلم يستطيع أن يخبرنا عن آليات الألم؛ لكن الأدب يستطيع أن يجعلنا نشعر بكيفية وقوع الألم في إنسان بعينه.

والفلسفة تستطيع أن تسأل عن الحرية؛ لكن الرواية يمكن أن تجعلنا نعيش مأزق إنسانٍ يقف بين الحرية والخوف.

وعلم النفس يستطيع أن يصف الاغتراب؛ لكن القصيدة قد تجعل الاغتراب صوتاً وشارعاً ونافذةً ووجهاً ومدينة.

وهكذا لا تتعارض المعارف، بل تتكامل.

العلم يفسر، والفلسفة تسأل، والأدب يُجسّد، والفينومينولوجيا تصغي إلى كيفية حضور التجربة في الوعي.

الخاتمة: حين يصبح الأدب عودةً إلى الإنسان

الأدب والفينومينولوجيا يلتقيان، في النهاية، عند عتبةٍ واحدة: التجربة الإنسانية كما تُعاش قبل أن تُختزل.

هوسرل أراد أن يعيد الفلسفة إلى الأشياء ذاتها؛ والأدب العظيم يعيد الإنسان إلى نفسه.

الفيلسوف الفينومينولوجي يضع بين قوسين الأحكام المسبقة لكي يرى الظاهرة في طريقة ظهورها، والشاعر يزيح عن العالم غبار العادة لكي يرى الأشياء في لحظة انبثاقها الأولى.

الفينومينولوجيا تسأل: كيف يظهر العالم للوعي؟

والأدب يجيب بطريقة لا تكون إجابةً جاهزة، بل تجربةً جديدة للقارئ.

إن الرواية لا تمنحنا شخصياتٍ فقط؛ تمنحنا طرائق أخرى للوجود. والقصيدة لا تمنحنا كلماتٍ فقط؛ تمنحنا حواساً جديدة. والسيرة لا تحفظ الماضي فقط؛ إنها تعيد تشكيله داخل الذاكرة. واللغة لا تصف العالم دائماً؛ إنها تفتح لنا إمكاناتٍ جديدة لرؤيته.

لذلك فإن الأدب، في جوهره، ليس هروباً من الواقع، وإنما عودةٌ أكثر عمقاً إليه.

إنه محاولة لاسترداد الإنسان من التجريد، والشيء من الابتذال، واللغة من الاستهلاك، والذاكرة من النسيان، والحياة من تحولها إلى عادة.

ولعل أعظم ما يفعله الشعر هو أنه يوقف الزمن لحظةً واحدة كي يقول لنا:

انظروا… إن العالم الذي ظننتم أنكم تعرفونه لم يظهر لكم بعد.

وهنا، تحديداً، تلتقي الفينومينولوجيا بالأدب:

كلاهما يريد أن ينقذ الظاهرة من موتها في العادة، وأن ينقذ الإنسان من اختزال وجوده إلى ما يمكن قياسه، وأن يعيد إلى التجربة الإنسانية حقها في أن تكون معرفةً، ودهشةً، وذاكرةً، ولغةً، ووجوداً.

فالإنسان لا يعيش في العالم فحسب؛ إنه يعيش في الطريقة التي يظهر بها العالم له.

والأدب هو أحد أعمق الأمكنة التي يستطيع فيها هذا الظهور أن يقول نفسه.

***

بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين

في المثقف اليوم