عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

العيد معروفي: فريدريك لونوار وفن الحياة

أو حين تتحول الحكمة من معرفة إلى أسلوب في الوجود

فرش تمهيدي: ليست الفلسفة عند فريدريك لونوار[1] معرفةً تُحفظ، ولا تاريخًا للأفكار يُستعاد من رفوف الكتب، ولا تمرينًا ذهنيًا يظل معلقًا في فضاء التجريد، وإنما هي، قبل كل شيء، محاولة لاستعادة السؤال القديم الذي يبدو لنا اليوم أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: كيف ينبغي للإنسان أن يعيش؟ هنا تحديدًا تتحدد قيمة كتابه فن الحياة؛ فهو لا يعامل الحياة باعتبارها معطًى مكتملًا، بل باعتبارها إمكانية مفتوحة على التشكيل، وكأن الإنسان لا يولد مكتمل الصورة، وإنما يتعلم بالتدريج كيف يصير ما هو عليه. ومن ثم فإن عبارة «فن الحياة» لا تعني أن للحياة وصفة جاهزة، وإنما تعني أن الوجود الإنساني نفسه قابل للتربية والتهذيب والتأويل، وأن الإنسان لا يرث طريقة عيشه كما يرث ملامح وجهه، بل يصنعها عبر اختياراته وعلاقاته ونظرته إلى ذاته وإلى العالم. وهذا ما يضع لونوار في قلب تقليد فلسفي قديم يجعل الحكمة أقرب إلى ممارسة يومية منها إلى نسق نظري مغلق؛ فالفلسفة، بهذا المعنى، لا تبدأ حين نفتح كتابًا، وإنما حين يصبح العيش نفسه موضوعًا للسؤال.

يستعيد لونوار في هذا السياق المعنى العملي للحكمة، وهو معنى عرفته الفلسفات القديمة حين لم تكن الحكمة منفصلة عن طريقة الحياة. سقراط لم يجعل الفلسفة خطابًا عن الحياة فحسب، بل جعلها امتحانًا للحياة؛ وأبيقور لم يتحدث عن السعادة باعتبارها مفهومًا مجردًا، وإنما باعتبارها نمطًا في ترتيب الرغبات؛ وإبيكتيتوس[2] لم يفصل الحرية عن قدرة الإنسان على التمييز بين ما يدخل في دائرة إرادته وما يقع خارجها؛ ومونتين جعل التأمل في الذات تدريبًا على مصادقة الحياة؛ أما سبينوزا [3] فحوّل الفلسفة إلى طريق للانتقال من الانفعال إلى الفعل ومن العبودية الداخلية إلى الحرية. ولونوار لا يكرر هؤلاء الفلاسفة، وإنما يعيد تركيب بعض عناصر حكمتهم داخل شروط الإنسان المعاصر. لذلك يقول في تقديمه لكتابه إن السؤال المركزي هو: كيف يستطيع الإنسان أن يعيش حياة صالحة وسعيدة في انسجام مع نفسه ومع الآخرين؟[4]

إن أهمية هذا السؤال لا تكمن في بساطته الظاهرة، بل في كونه يعيد الفلسفة إلى أصلها الحي: أن نتعلم كيف نسكن وجودنا قبل أن ننشغل بتفسير العالم. وإذا كان لونوار يسمي ذلك «فنًا»، فلأن الحياة لا تُعطى لنا في صورتها النهائية. إن الوجود واقعة، أما كيفية الوجود فهي اختيار ومسار وتربية. ولذلك فإن العبارة التي يقدم بها الكتاب فكرته الأساسية، ومفادها أن وجود الإنسان واقعة حقيقية، بينما أسلوب عيشه فن من الفنون، تفتح بابًا تأويليًا بالغ الأهمية.[5] فالإنسان لا يستطيع أن يختار أن يوجد أو ألا يوجد، لكنه يستطيع، ضمن حدود وضعه التاريخي والنفسي والاجتماعي، أن يختار شيئًا من الطريقة التي يوجد بها. وهنا تظهر المسافة بين العيش بوصفه بقاءً بيولوجيًا والحياة بوصفها مشروعًا للمعنى. قد يعيش الإنسان سنوات طويلة دون أن يسأل نفسه عن معنى الطريقة التي يعيش بها، وقد يمتلك الكثير من الأشياء دون أن يمتلك سببًا مقنعًا للاستمرار. ومن هنا تصبح الأزمة الحديثة، في أحد وجوهها، أزمة في فن العيش: نحن نعرف كيف ننتج ونستهلك ونتواصل بسرعة، لكننا لا نعرف دائمًا كيف نكون.

إن لونوار يواجه بذلك إحدى مفارقات الحداثة المتأخرة: لقد اتسعت إمكانات الإنسان الخارجية بينما ضاقت، في أحيان كثيرة، قدرته على السكن الداخلي. فالمجتمع الاستهلاكي يعد الفرد بالسعادة عبر الأشياء، والإعلان يحول الرغبة إلى حاجة، والسوق يحول الحاجة إلى سلعة، ثم يجد الإنسان نفسه في حركة لا تنتهي من الامتلاك والاستبدال والمقارنة. لكن وفرة الأشياء لا تعني بالضرورة وفرة في المعنى. وهنا يصبح سؤال السعادة سؤالًا فلسفيًا لا استهلاكيًا؛ لأن السعادة لا يمكن اختزالها في مقدار ما نملك، بل تتصل بالطريقة التي نعيش بها ما نملك، وبنوع العلاقة التي نقيمها مع ذواتنا ومع الآخرين ومع الزمن. وهذا المعنى يتضح بصورة أكبر في كتابه في السعادة: رحلة فلسفية، حيث يرفض اختزال السعادة في اللذة العابرة أو الظروف الخارجية، ويبحثها من خلال أبيقور وأرسطو وأبيكتيتوس وسبينوزا ومونتين وغيرهم[6].

ومن المنظور الهرمينوطيقي، يمكن القول إن لونوار لا يسأل فقط: «ما السعادة؟»، بل يسأل ضمنيًا: كيف نفهم السعادة التي نبحث عنها؟ وهذا فرق جوهري. فالمشكلة ليست دائمًا في غياب السعادة، بل في سوء تأويلها. قد يعتقد الإنسان أن سعادته كامنة في امتلاك ما ينقصه، بينما يكون ما ينقصه في الحقيقة هو القدرة على فهم ما يملك. وقد يتصور أن السعادة تبدأ عندما تتغير الظروف، بينما قد يكون التغيير المطلوب في علاقته بالظروف. إننا لا نعيش الوقائع عارية، وإنما نعيشها داخل تأويلاتنا لها؛ ولذلك فإن تغيير الحياة يبدأ أحيانًا من تغيير القراءة التي نقرأ بها الحياة. وهنا يقترب مشروع لونوار من الحس التأويلي: فالإنسان لا يعيش داخل العالم فحسب، بل يعيش داخل معنى العالم كما يتشكل في وعيه.

يرى لينوار أن السعادة ليست حالة نهائية يصل إليها المرء ويستقر فيها للأبد، بل هي القدرة على بناء علاقة أكثر توازناً مع الوجود. وفي هذا الصدد، يقول جورج برنارد شو: «هناك مأساتان في الحياة: الأولى في عدم الحصول على ما نتوق إليه، والأخرى، في الحصول عليه[7]».

في كتابه في السعادة يجعل من «حب الحياة التي نعيشها» نقطة انطلاق، ثم ينتقل إلى معنى الحياة والرغبة والانتباه والزمن والعلاقة بالآخرين، وصولًا إلى السعادة الفردية والجماعية.[8] وهذا الترتيب ليس اعتباطيًا؛ لأنه يكشف أن السعادة ليست جزيرة منعزلة في الذات، وإنما شبكة من العلاقات والمعاني. الإنسان السعيد ليس الإنسان الذي ألغى الألم، بل الذي استطاع أن يمنح تجربته معنى لا ينهار بمجرد اصطدامه بالهشاشة. لذلك لا تصبح الحكمة عند لونوار هروبًا من الحياة، وإنما شكلًا أعمق من أشكال المصالحة معها.

ومن هنا يمكن فهم عبارته الأخرى التي تجعل الانتقال من الجهل إلى المعرفة ومن الخوف إلى المحبة طريقًا أساسيًا في الحياة.⁵ إن الأمر لا يتعلق هنا بالمعرفة بمعناها المدرسي، وإنما بمعرفة الذات والعالم والرغبات. فالجهل الذي يقصده لونوار ليس مجرد غياب للمعلومات، وإنما عجز عن رؤية الذات في حقيقتها. قد يعرف الإنسان الكثير عن العالم ويظل غريبًا عن نفسه. وقد يمتلك شهادات كثيرة لكنه لا يعرف لماذا يعيش، وماذا يريد، وما الذي يجعله يتألم، وما الذي يمنحه الطمأنينة. لذلك فإن الحكمة تبدأ عندما يتحول الإنسان من سؤال «ماذا أملك؟» إلى سؤال «من أكون؟»، ومن سؤال «ماذا ينقصني؟» إلى سؤال «كيف أعيش ما لديّ؟».

وهنا تكتسب المحبة مكانتها المركزية. فالانتقال من الخوف إلى المحبة ليس مجرد نصيحة أخلاقية، بل هو انتقال أنطولوجي من الانغلاق إلى الانفتاح. الخوف يجعل الآخر تهديدًا، بينما تسمح المحبة برؤيته بوصفه شريكًا في هشاشة الوجود. ولهذا لا يمكن لفن الحياة أن يكون فردانيًا صرفًا؛ فالإنسان لا يتعلم الحياة في عزلة مطلقة. نحن نصير ذواتنا عبر الآخرين، ونكتشف حدودنا من خلال العلاقات، ونتعلم التسامح حين نواجه اختلافًا لا نستطيع إلغاءه، ونتعلم المحبة حين ندرك أن وجودنا نفسه متشابك مع وجود غيرنا.

ومن هنا أيضًا نفهم لماذا لا يكتفي لونوار بالحديث عن السعادة الفردية، بل يفتح السؤال على السعادة المشتركة. فالسعادة التي تقوم على إقصاء الآخرين تحمل في داخلها بذرة نقيضها. لا يستطيع الإنسان أن يبني سلامًا داخليًا كاملًا في عالم يصر فيه على النظر إلى الآخرين باعتبارهم مجرد وسائل لتحقيق رغباته. ولذلك تصبح الأخلاق امتدادًا طبيعيًا لفن الحياة. إن العيش الجيد لا يعني فقط أن أشعر أنا بالرضا، وإنما أن تكون علاقتي بالآخرين أقل عنفًا وأكثر اعترافًا. وفي هذا المعنى، فإن «فن الحياة» ليس فنًا للذات المنعزلة، وإنما فن إقامة العالم المشترك.

وتظهر أهمية هذا التصور بصورة خاصة حين نضعه في مواجهة ثقافة السرعة. فالإنسان المعاصر يعيش تحت ضغط الزمن: سرعة العمل، سرعة التواصل، سرعة الاستهلاك، سرعة الحكم، وحتى سرعة النسيان. لكن الحياة العميقة لا تُعاش بالسرعة نفسها التي تنتقل بها المعلومات. الحكمة تحتاج إلى زمن، والتأمل يحتاج إلى بطء، وفهم الذات يحتاج إلى إنصات. ولذلك فإن فن الحياة هو، في أحد أبعاده، استعادة للزمن الإنساني في مواجهة الزمن التقني. أن نعيش لا يعني أن ننجز أكبر عدد ممكن من الأشياء، بل أن نكون حاضرين في ما نفعله. ومن هنا يكتسب الانتباه قيمة أخلاقية وفلسفية؛ لأن الإنسان الذي لا ينتبه إلى حياته قد يكتشف، بعد سنوات، أنه عاشها من دون أن يكون حاضرًا فيها.

إن هذه الفكرة تجعل لونوار قريبًا من الفلسفة القديمة في تصورها للحكمة باعتبارها تدريبًا. فالحكمة لا تصبح جزءًا من الإنسان بمجرد الإعجاب بها؛ إنها تحتاج إلى ممارسة[9]. لا يكفي أن نعرف أن الغضب مؤذٍ، بل ينبغي أن نتعلم كيف نضبطه. ولا يكفي أن نعرف أن المقارنة بالآخرين تستنزفنا، بل ينبغي أن نتعلم كيف نحرر أنفسنا منها. ولا يكفي أن نؤمن بأن الحياة محدودة، بل ينبغي أن نحيا على نحو يجعل محدوديتها سببًا في تقديرها لا في إهدارها. ولهذا فإن «فن الحياة» ليس فلسفة شعارات، بل فلسفة تمارين داخلية: الانتباه، قبول الذات، فهم الرغبة، بناء العلاقة، تجاوز الخوف، وتعلم المحبة.

وإذا كان لونوار يستدعي عددًا كبيرًا من الحكماء والفلاسفة، فإنه لا يفعل ذلك ليصنع موسوعة تاريخية، وإنما ليبني معهم حوارًا حول السؤال الواحد: كيف نحيا؟ وهذه النقطة بالذات تجعل مشروعه أقرب إلى الهيرمينوطيقا منه إلى تاريخ الفلسفة بالمعنى المدرسي. فهو لا يضع أبيقور في الماضي ثم يغلق عليه باب التاريخ، بل يسأل ماذا يمكن أن يقول أبيقور للإنسان الذي يعيش اليوم في مجتمع الاستهلاك. ولا يترك سبينوزا داخل القرن السابع عشر، وإنما يستخرج من فلسفته إمكانًا لفهم الفرح والتحرر. ولا يستعيد أبيكتيتوس بوصفه وثيقة تاريخية، وإنما باعتباره صوتًا يمكن أن يساعد الإنسان المعاصر على التمييز بين ما يستطيع تغييره وما لا يستطيع.

ومن هنا فإن لونوار يمارس نوعًا من التأويل العملي للتراث الفلسفي. الماضي لا يكون ميتًا ما دام قادرًا على أن يتكلم في الحاضر. والحاضر لا يكون مكتفيًا بذاته ما دام يحتاج إلى ذاكرة الحكمة لكي يفهم أزماته. هذه الحركة بين الماضي والحاضر هي جوهر الفهم التأويلي: لا نعود إلى الفلاسفة لكي نهرب من عصرنا، بل نعود إليهم لكي نرى عصرنا بصورة مختلفة. ولذلك فإن قيمة أبيقور، وسقراط، وأرسطو، وسبينوزا، ومونتين، وبوذا، وأبيكتيتوس عند لونوار لا تكمن في كونهم أصحاب أجوبة نهائية، وإنما في كونهم رفاقًا في السؤال.

وفي هذا السياق يمكن فهم حضور «المعنى» في فلسفة لونوار. فالحياة التي تخلو من المعنى قد تتحول إلى تراكم من الوقائع، مهما بلغت من الرفاه. إن الإنسان يستطيع أن يتحمل الألم إذا وجد له معنى، لكنه قد يعجز عن تحمل الفراغ ولو كانت شروطه المادية ممتازة. ولهذا فإن سؤال السعادة لا ينفصل عن سؤال المعنى. وقد جعل لونوار «إعطاء معنى للحياة» أحد المحاور الأساسية في كتابه: Du bonheur, un voyage philosophique إلى جانب أسئلة الهوية والزمن والآخر والرغبة.[10]

والفلسفة[11] هنا لا تمنح الإنسان معنى جاهزًا، وإنما تساعده على اكتشاف إمكان المعنى في تجربته الخاصة. وهذا ما يجعل لونوار بعيدًا عن الوصفات الجاهزة للسعادة. فهو لا يقول للإنسان: افعل هذه الأشياء وستصبح سعيدًا حتمًا، بل يدعوه إلى الاشتغال على ذاته وعلى نظرته إلى العالم. فالسعادة ليست ضمانة، وإنما إمكانية؛ والحكمة ليست حصانة ضد الألم، وإنما قدرة على ألا يتحول الألم إلى عبث. و«الفرح لا يُؤمر، لكن تتم دعوته[12]». وفي هذا المعنى يمكن أن نقرأ لونوار تأويليًا بوصفه فيلسوفًا يحاول إعادة بناء العلاقة بين الحياة والمعنى بعد أن أصبحت الحياة الحديثة تميل إلى اختزال الإنسان في الإنتاج والاستهلاك والنجاح والإنجاز.

إن أجمل ما في «فن الحياة» أنه يعيد الاعتبار إلى البعد التربوي للفلسفة. فالفلسفة ليست فقط أن نسأل عن الحقيقة، وإنما أن نسأل ماذا تفعل الحقيقة في حياتنا. ما قيمة أن أعرف معنى الحرية إذا كنت عاجزًا عن تحرير نفسي من الخوف؟ وما قيمة أن أعرف معنى الحب إذا كانت علاقاتي قائمة على الامتلاك؟ وما قيمة أن أعرف معنى السعادة إذا كنت أعيش دائمًا في انتظار مستقبل لن يأتي؟ هنا تتحول الفلسفة إلى امتحان ذاتي، ويصبح السؤال الفلسفي موجّهًا إلى صاحبه قبل أن يكون موجهًا إلى العالم.

ومن ثم فإن «فن الحياة» يمكن أن يُقرأ بوصفه محاولة للانتقال من فلسفة الحياة إلى ممارسة الحياة[13]. وهذا الانتقال هو الذي يمنح مشروع لونوار راهنيته. إنه لا يريد للفلسفة أن تبقى في الجامعة فقط، ولا أن تتحول إلى خطاب نخبوي، بل أن تعود إلى الشارع، إلى البيت، إلى العلاقات، إلى الخوف اليومي، إلى الشيخوخة، إلى الحب، إلى الفقد، إلى سؤال الزمن. وهذا هو المعنى العميق لفكرة «فن الحياة»: أن يصبح اليومي نفسه مجالًا للتفلسف، وأن يتحول العيش العادي إلى مادة للتأمل.

وفي المحصلـة، ربما لا تكمن أصالة لونوار في أنه اكتشف سرًا جديدًا للسعادة، بل في أنه أعاد طرح السؤال القديم في لحظة حديثة فقدت شيئًا من القدرة على الإصغاء إليه. فالحياة لا تحتاج فقط إلى مزيد من المعرفة، وإنما إلى حكمة في استعمال المعرفة؛ ولا تحتاج فقط إلى مزيد من الإمكانات، وإنما إلى قدرة على اختيار ما يستحق أن نريده؛ ولا تحتاج فقط إلى إطالة العمر، وإنما إلى تعميق معنى العيش. وهنا يصبح «فن الحياة» فنًا في اختيار ما يجعل الحياة جديرة بأن تُعاش.

إن الإنسان، في المنظور الذي يتيحه لنا لونوار، ليس كائنًا مكتملًا يسير داخل حياة مكتملة، بل كائن يتشكل وهو يعيش. نحن لا نصل إلى ذواتنا مرة واحدة؛ إننا نعيد تأويلها باستمرار. كل تجربة تضيف معنى، وكل خسارة تعيد ترتيب الأشياء، وكل لقاء يفتح إمكانًا جديدًا لفهم الذات[14]. ولذلك فإن الحياة نفسها تصبح نصًا مفتوحًا، لا يمكن اختزاله في قراءة واحدة. إننا نكتب هذا النص بأفعالنا، ونراجعه بذاكرتنا، ونؤوله من جديد كلما تغير موقعنا في العالم.

ولهذا فإن «فن الحياة» ليس وعدًا بالسعادة الدائمة، بل دعوة إلى حياة أكثر وعيًا بذاتها. أن نعرف متى نرغب، ومتى نتخلى؛ متى نتكلم، ومتى نصمت؛ متى نتمسك، ومتى نترك؛ متى نبحث عن التغيير، ومتى نتعلم قبول ما لا يمكن تغييره. وبين هذه المسافات الصغيرة يتشكل ما نسميه الحكمة. وربما تكون الحكمة، في معناها الأكثر تواضعًا والأكثر عمقًا، أن نتعلم كيف نحب الحياة لا لأنها خالية من الألم، بل لأنها، رغم الألم، تظل قابلة للمعنى.

ومن هنا يمكن أن نختم بأن سؤال لونوار ليس: كيف نربح الحياة؟ وإنما: كيف نسكنها؟ والفرق بين السؤالين هو الفرق بين امتلاك الحياة والعيش فيها. الأول ينتمي إلى منطق الإنجاز والمنافسة، أما الثاني فينتمي إلى الحكمة. وفي زمن يكثر فيه الحديث عن النجاح ويقل فيه الحديث عن المعنى، وعن السرعة ويقل فيه الحديث عن الحضور، وعن الاستهلاك ويقل فيه الحديث عن الاكتفاء، تأتي فلسفة لونوار لتذكرنا بأن أعظم إنجاز يمكن أن يحققه الإنسان ليس أن يمتلك حياة مثالية، وإنما أن يتعلم كيف يصنع من حياته، بكل هشاشتها ونقصها وتناقضاتها، عملًا إنسانيًا قابلًا للفهم والمحبة.

وهنا تحديدًا يلتقي لونوار مع الأفق الهرمينوطيقي: فالحياة لا تمنحنا معناها جاهزًا، وإنما تطلب منا أن نفهمها ونحن نعيشها. الإنسان ليس قارئًا للحياة من الخارج، بل هو جزء من النص الذي يقرأه. وكلما تغير فهمه لذاته تغير معنى العالم بالنسبة إليه. ولذلك فإن فن الحياة ليس تقنية للسعادة، بل تربية على الفهم؛ والفهم ليس نهاية الطريق، بل طريقة في الوجود. إننا لا نتعلم كيف نعيش لكي ننتهي من سؤال الحياة، بل نتعلم كيف نعيش لكي يصبح السؤال نفسه أكثر عمقًا.

***

بقلم الدكتور: معروفي العيد

..........................

الهوامش:

أ- المصادر العربية:

لونوار، فريدريك، فن الحياة، ترجمة جوزف كالوستيان، دار الخيال للطباعة والنشر، 2013.

لونوار، فريدريك، في السعادة: رحلة فلسفية، ترجمة خلدون النبواتي، دار التنوير للطباعة والنشر، تونس، 2016.

لونوار، فريدريك، قوة الفرح، ترجمة، أيمن عبد الهادي، دار التنوير، تونس، ط1 2017.

لونوار، فريدريك، الحكمة لمن يبحث عنها، ترجمة عبير محمود، منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق، 2019.

لونوار، فريدريك، المعجزة السبينوزية فلسفة لإنارة حياتنا، ترجمة، محمد عادل مطميط، دار التنوير للنشر والتوزيع، تونس، ط1 2020.

لونوار، فريدريك، فلسفة الرغبة، ترجمة؛ إسكندر حبش، دار الساقي، ط1 2024.

٢- المصادر الفرنسية:

Lenoir, Frédéric, Petit traité de vie intérieure, Paris, Plon, 2010.

Lenoir, Frédéric, Du bonheur, un voyage philosophique, Paris, Fayard, 2013.

Lenoir, Frédéric, La Puissance de la joie, Paris, Fayard, 2015

Lenoir, Frédéric, La Sagesse expliquée à ceux qui la cherchent, Paris, Seuil, 2018.

هوامش

[1] فيلسوف فرنسي معاصر (ولد سنة 1962 في مدغشقر)، تخرج من المعهد العالي للدراسات الاجتماعية في باريس. ألّف ما يقرب عن الخمسين كتابا في علم الاجتماع وتاريخ الاديان والفلسفة والحكمة الشرقية وروايات مترجمة الى أكثر من لغة.

[2]  )إبكتيتوس (باليونانية: Ἐπίκτητος، بالإنجليزية: Epictetus؛ 55م-125م أو 130م) فيلسوف رواقي روماني، قال أن معين السعادة هو النفس لا الأشياء الخارجية. دعا إلى الأخاء، ولم يكتب شيئاً، فروى عنه تلميذه آريانوس. ينتمي إلى المدرسة الفلسفية التي أسسها زينون الرواقي صاحب نظرية المدينة الكونية.

[3]  يقول لونوار في كتابه: المعجزة السبينوزية:" فإذا أردنا أن نعرف معنى المعجزة السبينوزية، يكفي أن ندرك أننا أمام شخص له سمات خاصة: شخص «ظلّ وفيًّا لحبّ الحقيقة، مفضّلًا حرية التفكير على طمأنينة العائلة والطائفة وعلى الانسياق للفكر السائد». لقد كان ضحية أبشع الانتهاكات، ثم التّنكّر له من قبل أهله وعاش تحت التهديد المتواصل، ولكنه بقي وفيًّا دائمًا للخط الموجّه لمسيرته. كان عُرضة للكراهية وللسخرية ولكنه لم يكره أحدًا قط. تعرّض للغدر ولكنه لم يغدر أبدًا. تعرّض للخيرية ولكنه لم يستَخِفّ بأحد قط. ثم شتمه في كثير من الأحيان، لكن ردّه كان دائمًا هو الاحترام. عاش دائمًا باعتدال وكرامة وفي انسجام مع أفكاره» (الخاتمة). في هذه السمات التي طبعت شخص «سبينوزا» على مدى حياته، تتراءى لنا فلسفته كلها التي أرادها أن تكون طريقًا إلى الغبطة، أو بالأحرى درسًا يتكرّم به على بني جلدته، حتى يصبح كل واحد منهم قادرًا على أن يصير نبيًّا، نبيًّا على طريقة المسيح، ولكن خصوصًا على طريقة «سبينوزا".  ينظر في كتاب: فريدريك لونوار: المعجزة السبينوزية فلسفة لإنارة حياتنا، ترجمة، محمد عادل مطميط، دار التنوير للنشر والتوزيع، تونس، ط1 2020، ص، 11.

[4] فريدريك لونوار، فن الحياة، ترجمة جوزف كالوستيان، دار الخيال للطباعة والنشر، 2013، ص. 7-8. وقد ورد في تقديم الكتاب أن المؤلف يريد تقديم «معرفة عملية» تتمحور حول كيفية عيش حياة صالحة وسعيدة في انسجام مع الذات والآخرين.

المصدر نفسه، ص. 9. [5]

[6] Frédéric Lenoir, Du bonheur, un voyage philosophique, Paris, Fayard, 2013, pp. 15-30. والكتاب، بحسب فهرسه، ينتقل من سؤال حب الحياة إلى معنى الحياة والرغبة والانتباه والزمن والعلاقة بالآخرين والسعادة الفردية والجماعية.

فريدريك لونوار، فلسفة الرغبة، ترجمة؛ إسكندر حبش، دار الساقي، ط١ ٢٠٢٤، ص ،٢١. [7]

[8] Frédéric Lenoir, Du bonheur, un voyage philosophique, op. cit., notamment les chapitres « Aimer la vie qu’on mène », « Donner du sens à sa vie », « Le temps d’une vie » et « Peut-on être heureux sans les autres ? »

[9] على سبيل المثال، بالنسبة إلى أبيقور، فإن هذا المثل يمكن بلوغه بفضل الفكر العملي phronesis الذي يساعدنا على الاعتدال والاحساس باللّذات من أجل البقاء في حالة صفاء، وغياب الاضطراب ntaraxie. بالنسبة إلى بوذا، يتعلق الأمر بالتخلي عن رغبة الارتباط بالأشياء، التي تولّد الإحباط والألم، وبذلك فإن الطريقة الوحيدة للوصول إلى حالة السعادة، تكون عبر اليقظة، يعني الوعي بأنني لست الأنا التي أتحد معها بشكل عفوي. لونوار، فريدريك، الحكمة لمن يبحث عنها، ترجمة عبير محمود، منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق، 2019.ص،36.

[10] Frédéric Lenoir, Du bonheur, un voyage philosophique, op. cit., chap. 3, « Donner du sens à sa vie ».

[11] يتساءل لونوار في كتابه: " في السعادة؛ رحلة فلسفية" قائلا: " هل يعني ذلك أن أي تفكـّـر في السعادة سيكون أمراً لا طائل منــهُ؟ يجيب:" لا أعتقـد ذلك أبداً. فبقدر ما هو مهم التأكيـد على خصائصها غير القابلة للحصر وصعوبة فهمها، فإن خصائص السعادة العَصيّة على الضبط، والنسبية، والذاتية، لا تستنفد المسألة. ففي السعادة أيضاً شيءٌ من قوانين الحياة ومن الفعالية الإنسانية التي تؤثّر فيها بقوة، والتي يمكن القبض عليها بالتأمل الفلسفيّ مثلما بالمقاربات العلمية: كعلم النفس، وعلم الاجتماع، والبيولوجيا وعلوم المعرفة...".  فريدريك لونوار، في لسعادة: رحلة فلسفية، ترجمة خلدون النبواتي، دار التنوير للطباعة والنشر، تونس، ط1 2016، ص ص،7-8.

فريدريك لونوار، قوة الفرح، ترجمة، أيمن عبد الهادي، دار التنوير، تونس، ط1 2017، ص47.[12]

[13] Lenoir, Frédéric, La Sagesse expliquée à ceux qui la cherchent, Paris, Seuil, 2018, p. 26.

[14] Lenoir, Frédéric, La Puissance de la joie, Paris, Fayard, 2015, p. 40.

 

في المثقف اليوم