من الإمكان الأنطولوجي إلى الإمكان التاريخي
يندرج مفهوم الإمكان ضمن أشد المفاهيم الفلسفية استعصاءً على التحديد النهائي لأنه لا يشير إلى موجود متعين بالمعنى المتعارف عليه ولا يرقى إلى مرتبة العدم المحض بل يقيم في منزلة وسطى بين الوجود والعدم، بين ما تحقق فعلاً وما لم يتحقق بعد. هذه الصعوبة البنيوية في تحديد المفهوم هي بذاتها ما أبقاه حاضراً في تاريخ الفلسفة حضوراً متجدداً من أرسطو إلى هايدغر ومن ابن سينا إلى بلوخ، إذ لم يكف الفكر الفلسفي عن إعادة بنائه كلما تغيرت أطره المعرفية وأدواته المنطقية. ولسنا هنا بصدد حصر الإمكان في تعريف جامع مانع، فذلك تسرع منهجي لا يفي بتعقد المسألة بل نروم تتبع البنية الاستدلالية التي انتقل عبرها المفهوم من صيغته الأنطولوجية القائمة على ثنائية القوة والفعل إلى صيغته الميتافيزيقية القائمة على ثنائية الوجوب والإمكان، ثم إلى صيغته الوجودية والتاريخية التي جعلت من الإمكان أفق الحرية والفعل الإنساني في الزمن. ويقتضي التحليل الدقيق التمييز بين ثلاثة مستويات لا يجوز الخلط بينها: مستوى أنطولوجي يعالج الإمكان سمةً للموجود الطبيعي في علاقته بالحركة والتغير ومستوى ميتافيزيقي يعالجه سمةً للماهية في علاقتها بالوجود والعدم، ومستوى تاريخي وجودي يعالجه أفقاً للفعل الإنساني في الزمن. وهذا التمييز على ضرورته المنهجية لا يفضي إلى انفصال تام بين هذه المستويات في تاريخ الفلسفة الفعلي، إذ إن كل صياغة لاحقة تستوعب الصياغات السابقة عليها وتعيد بناءها ضمن أفق مفهومي جديد. فحين ينتقل السؤال من الطبيعة إلى الوجود الإنساني ثم من الوجود الإنساني إلى التاريخ، يبقى جوهر الإشكال واحداً ويتغير الأفق الذي يُطرح ضمنه ومجال التطبيق الذي يستدعيه مما يفرض دراسة المفهوم دراسة تاريخية نسقية لا اقتطاعاً لصياغة بعينها من سياقها الفلسفي العام.
يعود الفضل إلى أرسطو في صياغة أول نظرية فلسفية منهجية للإمكان عبر ثنائيته بين القوة والفعل التي وردت في كتاب الميتافيزيقا. فقد أدرك أن تفسير الحركة والتغير في الطبيعة يستلزم منطقياً افتراض حالة وسطى بين العدم المحض والوجود التام، إذ لا يمكن أن ينشأ الموجود من العدم المطلق كما ذهب بارمنيدس، ولا يمكن أن يكون كل تغير وهماً محضاً كما ذهب أتباعه، فلا مناص من التسليم بأن الموجود يحمل في ذاته إمكانية أن يكون على غير ما هو عليه. فالخشب ليس كرسياً بالفعل، لكنه يحمل في مادته القوة على أن يصير كرسياً، وهذه القوة ليست وجوداً فعلياً للكرسي ولا عدماً محضاً بل إمكان حقيقي متأصل في المادة ذاتها. وقد بنى أرسطو على هذا التمييز نظريته في العلل الأربع وتفسيره لحركة الكون من القوة إلى الفعل حتى بلغ به الاستدلال إلى تصور المحرك الأول فعلاً محضاً لا قوة فيه وهو الكمال الذي لا يعتريه نقص الإمكان. ومكّن هذا التصور الدقيق للحركة بوصفها فعلية الممكن من حيث هو ممكن، أرسطو من الرد على مفارقة زينون الإيلي حول استحالة الحركة وجعل الإمكان مفهوماً مركزياً في الفيزياء الأرسطية بأسرها. غير أن هذه الصياغة تظل محكومة بإطار طبيعي فيزيائي بالدرجة الأولى، فالإمكان فيها صفة عارضة للموجود الطبيعي في سيرورته نحو الاكتمال، تُلغى بمجرد تحقق الفعل النهائي ووصف لحالة ناقصة يُراد تجاوزها لا سمة أنطولوجية جوهرية تلازم الموجود بما هو موجود. فهو مرتبط دائماً بموضوع بعينه يحمل استعداداً لتحقق فعل معلوم سلفاً لا بالوجود المطلق من حيث هو وجود، وهذا هو الحد الذي سيتجاوزه الفكر الميتافيزيقي الإسلامي حين يوسّع مجال الإمكان ليشمل كل ما سوى واجب الوجود.
شكّل ابن سينا نقلة نوعية حاسمة في تاريخ هذا المفهوم إذ حرره من إطاره الطبيعي الضيق وجعله سمة أنطولوجية شاملة لكل موجود ليس واجب الوجود بذاته. فقد ميز بين ثلاث مراتب للوجود: واجب الوجود بذاته الذي تستلزم ماهيته وجوده استلزاماً ضرورياً فيستحيل عدمه، وممكن الوجود بذاته الذي لا تستلزم ماهيته وجوده ولا عدمه فتتساوى نسبته إلى الوجود والعدم في ذاته، وممتنع الوجود الذي تستلزم ماهيته عدمه استلزاماً ضرورياً. وميز كذلك بين الإمكان الذاتي وهو تساوي نسبة الماهية إلى الوجود والعدم في ذاتها بمعزل عن أي اعتبار خارجي، والإمكان الاستعدادي المتعلق باستعداد المادة لقبول صورة معينة دون أخرى. وبهذا التمييز الدقيق فض ابن سينا الاشتباك المنهجي بين مستوى التحليل المنطقي المجرد للماهيات ومستوى التحليل الفيزيائي للمواد والصور، وهو اشتباك ظل عالقاً في كثير من مباحث الفلسفة اليونانية المتأخرة. والإمكان في هذا التصور سمة أنطولوجية جوهرية تلازم كل ما سوى الواجب من جماد ونبات وحيوان وإنسان، لا وصف لحالة عارضة تتلبس بها الموجودات الطبيعية في سياق حركتها فحسب. فكل موجود ممكن يفتقر بذاته إلى الوجود ولا يخرج من حيز الإمكان إلى حيز الفعل إلا بعلة موجبة تمنحه وجوباً بالغير وإلا ظل معلقاً بين الوجود والعدم. ومن هذا الأصل بالذات تنبع عناية ابن سينا بمسألة الحدوث والقدم، إذ إن كل ممكن حتى إن قِيل بقدمه الزماني كما في نظرية الفيض حادث بالذات، متأخر رتبةً عن علته وإن لم يتأخر عنها زماناً. وتترتب على هذا التصور نتيجة فلسفية بالغة الخطورة: الإمكان ليس نقصاً عارضاً يُراد تجاوزه بل الشرط الأنطولوجي الذي يجعل التمييز بين الخالق والمخلوق ممكناً من الأساس. فلولا افتقار الممكنات إلى علة تُخرجها من حيز الإمكان إلى حيز الوجوب بالغير لانطمس الحد الفاصل بين الوجوب الذاتي والوجوب بالغير ولصار الوجود كله ضرورة عمياء لا تحتمل التعدد ولا التنوع.
عالج أرسطو الإمكان الأنطولوجي وعالج ابن سينا الإمكان الميتافيزيقي، وكلاهما ضمن نظرية عامة للموجود بما هو موجود. أما الفلسفة الوجودية المعاصرة وفي طليعتها مارتن هايدغر في كتابه الوجود والزمان، فقد نقلت السؤال من مستوى الموجودات إلى مستوى الوجود الإنساني، الكائن الذي يفهم ذاته من خلال إمكاناته لا من خلال ماهية جاهزة سلفاً. فـ"الآنية" عند هايدغر تتميز عن سائر الموجودات بأن وجودها ليس معطى مسبقاً بل إمكان وجود دائم؛ إذ إن الإنسان لا يكون أولاً موجوداً ثم تُضاف إليه إمكاناته لاحقاً بل هو في جوهره وجود منذور للإمكان منفتح دائماً على ما لم يتحقق بعد. وأطروحة هايدغر القائلة بأسبقية الإمكان أنطولوجياً على الفعلية، خلافاً للتصور الأرسطي الذي جعل الفعل أكمل من القوة وأسبق منها رتبة. فالإنسان في سياقنا هذا لا يُفهم انطلاقاً مما هو حاضر أمامنا بالفعل بل انطلاقاً مما يتقدم إليه من إمكانات يختارها أو يتنصل منها، وهذا ما يجعله كائناً تاريخياً بالضرورة إذ لا معنى للتاريخ من دون هذا الانفتاح البنيوي على المستقبل. وقد حرر هذا التحول الإمكان من كونه مجرد إمكان منطقي أو ممكناً ميتافيزيقياً معلقاً بانتظار علة تحققه وجعل منه بعداً وجودياً يعيشه الإنسان في صميم قلقه وحريته ومسؤوليته؛ فحين يفهم الإنسان ذاته من خلال إمكاناته لا يفر من مسؤولية الاختيار لأن كل تحقق لإمكان إغلاق في الوقت نفسه لإمكانات أخرى كانت متاحة.
وقبل الفلسفة الوجودية بقرن كامل، كان سورين كيركغور قد قارب الإمكان من زاوية نفسية دقيقة، جاعلاً منه موضوعاً أصيلاً للقلق لا للخوف العادي. فالخوف ينصب دائماً على موضوع محدد ومعلوم، أما القلق فينصب على الإمكان بما هو كذلك على ذلك الأفق المفتوح من الاحتمالات الذي لا يتعين بعد. وحين يقف الإنسان أمام إمكاناته المتعددة فإنه يقف في الوقت نفسه أمام دوار وجودي حقيقي، لأن كل اختيار تفريط في جوهره بإمكانات أخرى كان يمكن أن تتحقق، وهو ما سماه كيركغور دوار الحرية أي تلك اللحظة التي يعي فيها الفرد أنه هو من سيقرر مصيره بنفسه دون سند خارجي يعفيه من ثقل الاختيار. ويلاحظ كيركغور أن هذا القلق لا يصيب الإنسان في لحظة عابرة من حياته بل يلازمه ملازمة بنيوية طالما بقي كائناً حراً؛ فحتى الطفل حين يبدأ وعيه بالتفتح على إمكانات وجوده يعيش نذراً أول من هذا الدوار، قبل أن يشتد مع نضج الحرية واتساع دائرة الاختيار. والقلق أمام الإمكان في هذا التصور ليس عارضاً نفسياً يُطلب التخلص منه بل الشرط الذي يجعل الإيمان والالتزام الأخلاقي ممكنين من الأساس لأنهما لا يكونان حقيقيين إلا حين يصدران عن اختيار حر في مواجهة إمكانات متعددة متكافئة الجاذبية.
ويشكل الانتقال من الإمكان الوجودي إلى الإمكان التاريخي تحولاً منهجياً دقيقاً يستحق التوقف عنده، فبينما ينصب الإمكان الوجودي على علاقة الفرد بوجوده الخاص، يتناول الإمكان التاريخي قدرة الجماعات والأفراد على تشكيل مصائرهم في فضاء اجتماعي يتقاطع فيه الفعل الفردي بالبنى الجماعية والصراعات المتعددة. وقد عبّر فريدريش نيتشه عن هذا البعد حين ربط بين الإمكان وفكرة الخطر معتبراً أن المستقبل مجال لا تُضمن فيه القيم ولا المعاني، بل هي عرضة دائماً للانهيار وإعادة التقويم، وأن هذا الخطر ذاته هو الشرط الذي يجعل الإبداع التاريخي ممكناً إذ لا إبداع في عالم مغلق على ضرورة واحدة لا تحتمل التعدد. وذهب جان بول سارتر إلى أبعد من ذلك حين جعل من الحرية قدراً لا مفر منه معتبراً أن الإنسان محكوم عليه بأن يكون حراً، إذ لا يستطيع التنصل من مسؤولية اختياره لذاته عبر مشاريعه المستقبلية. وقد أعاد هذا التصور صياغة العلاقة بين الوجود والماهية بحيث تصبح الماهية الإنسانية نتاجاً لاحقاً على الوجود لا سابقاً عليه، فالإنسان يصنع ماهيته عبر إمكاناته المتحققة لا العكس. وبهذا يلتقي الإمكان الوجودي بالإمكان التاريخي في نقطة واحدة، هي أن الفعل الإنساني ليس تنفيذاً لبرنامج مسبق بل تحقيق متجدد لإمكانات متعددة تتنازع فيما بينها على الظهور في صيرورة الزمن.
ويمثل هيغل محاولة فلسفية طموحة لتوحيد الإمكان بالضرورة عبر منطق الجدل التاريخي حيث يرى أن التاريخ مسيرة تحقق تدريجي للعقل والحرية عبر مراحل ضرورية، تتحول فيها الإمكانات المتعددة إلى ضرورة عقلانية بأثر رجعي، فما تحقق فعلاً هو وحده ما كان ممكناً بالحقيقة وما لم يتحقق يُعد إمكاناً مجرداً لا وزن فلسفياً له. وتكمن قوة هذا التصور في قدرته على تفسير التاريخ تفسيراً كلياً متماسكاً إذ لا يُترك فيه شيء للمصادفة العمياء، فكل حدث مهما بدا عرضياً في لحظته يجد مكانه ضمن سيرورة عقلانية شاملة تكشف عن نفسها بأثر رجعي للوعي الفلسفي المتأمل. غير أن هذا التصور يحمل رغم تماسكه المنهجي خطر تسويغ الواقع القائم بوصفه الإمكان الوحيد المشروع، وهذا ما جعله عرضة لنقد حاد من فلاسفة لاحقين، في مقدمتهم ميشيل فوكو الذي رفض قراءة التاريخ كسيرورة متصلة تحقق غاية واحدة ورآه حقلاً من الانقطاعات والصراعات بين خطابات متعددة يسعى بعضها إلى الهيمنة وبعضها إلى المقاومة. فالإمكانات التاريخية عند فوكو لا تُعطى سلفاً بانتظار تحققها الجدلي بل تُنتج وتُقمع في آن واحد عبر آليات السلطة والمعرفة، ومن ثم يصبح السؤال الأهم عنده هو كيف تُستبعد إمكانات بعينها من حقل الممكن الاجتماعي لا كيف تتحقق الإمكانات وفق منطق ضروري. ومن هذا الأصل تنبع عنايته الشديدة بتحليل ما أسماه أنظمة الخطاب إذ إن كل عصر تاريخي لا يحدد فقط ما يُقال وما يُسكت عنه بل يحدد أيضاً، وهذا هو الأخطر ما يمكن التفكير فيه أصلاً وما يستحيل تصوره ضمن حدود عقلانيته الخاصة فتغدو حدود الممكن التاريخي حدوداً معرفية قبل أن تكون حدوداً مادية أو سياسية. وبذلك يتحول الإمكان التاريخي في هذا المنظور إلى ساحة صراع دائم على تعريف ما هو ممكن أصلاً لا أفق مفتوح بطبيعته وحسب، صراع لا يُحسم مرة واحدة وإلى الأبد كما يوحي الجدل الهيغلي بل يتجدد في كل لحظة تاريخية بحسب موازين القوة القائمة.
وقد يُظن للوهلة الأولى أن الفلسفة الماركسية بتشديدها على الحتمية المادية للتاريخ تُلغي مفهوم الإمكان لمصلحة قانون ضروري صارم، غير أن تفحصاً أدق لجدلية المادية التاريخية يكشف أن التناقض بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج ليس معادلة رياضية تفضي إلى نتيجة محتومة آلياً بل ميدانا مفتوحا للصراع الطبقي والوعي الثوري. فالثورة هنا تحقيق لإمكان كامن في بنية المجتمع، لكنها تظل معلقة بين شروط موضوعية وعوامل ذاتية وبين واقع قائم وإرادة جماعية قادرة على تحويله. ففي الطبيعة يتحقق الإمكان بمجرد توفر الشروط الفيزيائية اللازمة، أما في التاريخ فيبقى تحقق الإمكان رهناً بوعي الفاعلين الاجتماعيين وقدرتهم على الفعل الجماعي المنظم. ومن هذا الفارق بالذات نشأت عناية الفكر الماركسي، من غرامشي إلى مدرسة فرانكفورت بمسألة الوعي الطبقي وآليات إنتاج الرضا الاجتماعي بالواقع القائم، إذ إن استمرار الهيمنة لا يقوم فقط على القمع المادي المباشر، بل يقوم أيضاً على حجب الإمكانات البديلة عن وعي الفاعلين أنفسهم حتى يُخيَّل إليهم أن ما هو قائم هو الممكن الوحيد المتاح.
غير أن الاحتفاء بالإمكان التاريخي لا ينبغي أن يقود إلى تصور الحرية الإنسانية مطلقةً لا تحدها قيود، فقد نبّه بيير بورديو من خلال مفهومه عن الهابيتوس إلى أن البنى الذهنية والسلوكية التي يكتسبها الفرد عبر تنشئته الاجتماعية تحدد سلفاً نطاق الإمكانات المتاحة أمامه بحيث يصبح ما يبدو اختياراً حرا محكوماً في الواقع بشروط موضوعية سابقة على الوعي ذاته. وهذا النقد لا يلغي الإمكان التاريخي بل يضبطه ويعيده إلى واقعيته، فالإمكان أفق محدود بشروط مادية ومعرفية واجتماعية لا أفق مطلق، والسؤال الفلسفي الأخلاقي الحقيقي هو كيفية توسيع هذا الأفق المحدود لا افتراض انعدام حدوده من الأساس. ويكمن عمق أطروحة بورديو في أنها تكشف أن أخطر أشكال الهيمنة ليست تلك التي تفرض على الفرد إمكانات بعينها قسراً بل تلك التي تجعله لا يتصور أصلاً وجود إمكانات أخرى غير التي اعتاد عليها فيغدو الخضوع اختياراً يبدو حرا في ظاهره وهو في جوهره نتاج تكييف بنيوي سابق على كل وعي فردي.
ويقدم إرنست بلوخ في أطروحته عن مبدأ الرجاء صياغة فلسفية أصيلة تجعل من الإمكان قوة وجودية فاعلة لا مجرد شرط نظري معلق. فالمستقبل عنده ليس امتداداً آلياً للحاضر بل أفق ما لم يتحقق بعد، مقولة أنطولوجية قائمة بذاتها تستحق أن تكون موضوعاً للتفكير الفلسفي بقدر ما يستحقه الوجود المتحقق فعلاً. وإمكان العدالة والخلاص عند بلوخ ليس وهماً تعويضياً بل قوة كامنة في الواقع ذاته تدفع التاريخ نحو تجاوز نفسه وتجعل من كل لحظة حاضرة ساحة صراع بين نزعة محافظة تسعى إلى إعادة إنتاج الماضي ونزعة تجاوزية تسعى إلى تحقيق ما لم يوجد بعد. وبهذا ينتقل الرجاء الفلسفي من موقف نفسي عابر إلى مبدأ أنطولوجي يقظ، يذكّر بأن ما هو قائم ليس كل الممكن وأن ثمة دوماً إمكاناً آخر ينتظر من يفتح له طريقاً عبر الفعل التاريخي الواعي.
وعلاقة بما سبق يتضح لنا أن مفهوم الإمكان لم يكن يوماً مقولة منطقية باردة تُحصر في تعريف واحد جامع بل مفهوم متحرك تحول بتحول أطره الفلسفية من ثنائية القوة والفعل عند أرسطو إلى ثنائية الوجوب والإمكان عند ابن سينا، إلى الإمكان الوجودي عند هايدغر وكيركغور، إلى الإمكان التاريخي عند نيتشه وسارتر وهيغل وفوكو وماركس وبورديو وبلوخ. وتتفق هذه الصياغات المتعددة على اختلاف مقدماتها ونتائجها وعلى أن الإمكان ليس عدماً محضاً ولا وجوداً تاماً، بل ذلك الفضاء الوسيط الذي يجعل التغير والحرية والتاريخ ممكنة من الأساس. والسؤال عن الإمكان يحمل في صميمه بعداً عملياً وأخلاقياً لا ينفصل عنه إذ إن الوعي بالإمكانات المتاحة وبحدودها معاً هو الشرط الضروري لأي فعل تاريخي مسؤول. فالإمكان ليس مجرد وصف لما قد يكون بل دعوة فلسفية متجددة إلى الفعل الواعي بحدوده والقادر على تحويل ما هو مسكوت عنه أو مقموع من الإمكانات إلى واقع متحقق دون الوقوع في وهم الحرية المطلقة من جهة ودون الاستسلام لضرورة عمياء لا تحتمل التغيير من جهة أخرى. وتكشف دراسة هذا المفهوم والفذلكة حوله عن سمة جوهرية في الفلسفة ذاتها، هي أنها لا تكتفي بوصف ما هو كائن بل تنفتح دوماً على مساءلة حدوده وعلى استكشاف ما يتجاوزه من احتمالات لم تتحقق بعد. وفي هذا الانفتاح الدائم يكمن معيار التمييز بين فلسفة تبرر الواقع وفلسفة تسعى إلى تجاوزه وبين فكر يستسلم لمنطق الضرورة وفكر يظل يقظاً أمام ما لم يتحقق بعد من إمكانات الوجود والتاريخ معاً.
***
د. حمزة مولخنيف








