الإنسان ليس ملكا للدولة، وضميره ليس مرفقا عاما، وإيمانه ليس ملفا في أرشيف السلطة، ومصيره الأخروي ليس اختصاصا لأي مؤسسة أرضية. الدولة كيان بشري نشأ لأن الإنسان احتاج إلى تنظيم حياته المشتركة، وإلى حماية وجوده من الفوضى والقوة الغاشمة
من الخطير ان تتحول الدوله إلى سلطة تقرر نيابة عنك كيف ينبغي أن تؤمن، وبأي صورة يجب أن تحيا، وأي طريق عليك أن تسلك كي تستحق الاعتراف بك إنسانا كاملا. فحين تتجاوز الدولة حدود وظيفتها، وتخلع عن نفسها ثوب المؤسسة المدنية لترتدي عباءة الوصاية على الضمائر، يصبح الإنسان غريبا في وطنه، وتغدو حريته امتيازا تمنحه السلطة لمن يوافقها، وتسحبه ممن يجرؤ على الاختلاف معها.
الدولة في جوهرها الفلسفي، ليست كائنا غيبيا يقف على أبواب السماء، ولا حارسا على مصائر البشر الأخروية، ولا محكمة كبرى تتولى توزيع صكوك النجاة والهلاك. إنها بناء إنساني أقامه البشر لتنظيم حياتهم المشتركة، وحماية حقوقهم، وصيانة وجودهم من الفوضى والاستبداد، وتحويل الاجتماع الإنساني من صراع على البقاء إلى إمكان للحياة الكريمة.
ولعل المأزق الذي وقعت فيه مجتمعات كثيرة هو أنها خلطت بين سؤالين مختلفين في طبيعتهما ومجالهما: سؤال الإيمان الذي ينتمي إلى حرية الإنسان وضميره، وسؤال الدولة الذي يتعلق بالسلطة والعدالة والمصلحة العامة
فالإيمان صفة تتعلق بالإنسان واعتقاده، أما الدولة فهي مؤسسة سياسية وقانونية
تحرير مفهوم الدولة من التصنيفات الدينية ضرورة فلسفية وسياسية، لا انتقاصا من الدين ولا عداء للإيمان، بل دفاعا عن الإنسان في تعدده، وعن الدولة في وظيفتها، وعن الدين نفسه من أن يتحول إلى أداة في يد السلطة
الدولة في وجهه نظري ليست مسلمة ولا كافرة. الدولة إما ناجحة أو فاشلة، عادلة أو ظالمة، قادرة على حماية مواطنيها أو عاجزة عن أداء مسؤولياتها.
إن الدولة التي تستمد شرعيتها من رضا المواطنين، وتخضع مؤسساتها للقانون، وتتيح تداول السلطة، وتضمن استقلال القضاء، تضع نفسها في المجال الذي يمكن فيه تقييم أدائها ومساءلتها. أما الدولة التي تجعل من هويتها المعلنة بديلا عن الإنجاز، فإنها تخاطر بتحويل الولاء للشعار إلى بديل عن الولاء للإنسان.
ان قداسة الدولة لا تستمد من الشعارات التي ترفعها، ولا من العقائد التي تنتسب إليها، بل من قدرتها على صون الإنسان من كل ما ينتهك إنسانيته.
فالدولة التي تظلم باسم الفضيلة لا تصبح عادلة، والتي تقمع باسم الحقيقة لا تصبح حرة، والتي تهين مواطنيها باسم المقدس لا تكتسب من ذلك شرعية أخلاقية.
أريد دولة لا تسألني كيف أؤمن، بل كيف أعيش؛ لا تفتش في ضميري، بل تحرس حقي في أن أكون حرة؛ لا تحاسبني على اختلاف قناعاتي، بل تحاسب نفسها على كل حق أهدرته، وكل كرامة انتهكتها، وكل عدالة تأخرت عن صاحبها.
أريد دولة لا تجعل من الدين امتحانا للمواطنة، ولا من الاختلاف تهمة، ولا من الطاعة فضيلة مطلقة. دولة يتساوى فيها الناس أمام القانون، مهما اختلفت عقائدهم، وتتسع فيها الحياة للعقل الذي يسأل، والضمير الذي يختار، والإنسان الذي يرفض أن يعيش نسخة من الآخرين.
أريد دولة لا تدّعي امتلاك الحقيقة نيابة عن مواطنيها.. انا لا أبحث عن دولة ترشدني إلى السماء، بل عن دولة لا تجعل الأرض جحيما عليا
لا أريد سلطة تقرر كيف ينبغي أن يكون ضميري، بل مؤسسات تضمن ألا يعتدي أحد على حريتي وكرامتي.
اريد دوله لا تتولى حسابي في الآخرة، بل تتحمل مسؤوليتها تجاهي في الدنيا؛ لا تمنحني حقوقي بوصفها هبات من سلطة، بل تعترف بها باعتبارها حقوقا أصيلة لا يملك أحد مصادرتها.
أريد دولة تعرف أن مهمتها ليست إنقاذ أرواحنا من حساب الآخرة، بل حماية حقوقنا في هذه الحياة
أريد دولة لا تسألني ماذا تخفي روحي، بل ماذا ينقص حياتي؛ لا تحاكم أفكاري، بل تحميني من القهر. دولة لا تخاف من العقل حين يسأل، ولا ترتبك أمام الاختلاف حين يظهر، ولا تستمد هيبتها من إخضاع مواطنيها، بل من عدلها في معاملتهم.
أريد دولة يكون القانون فيها أقوى من الحاكم، والحق أعلى من الامتياز، والإنسان أكرم من كل شعار
لا أريد سلطة تفتح لي أبواب السماء بيد، وتغلق في وجهي أبواب الحياة باليد الأخرى. لا أريد دولة تتحدث عن خلاص الإنسان بينما تتركه غريبا في وطنه.
***
ابتهال عبد الوهاب








