وقال لي:
أن يعملَ المرءُ كي يبقى حيًّا فحسب، لا ليحيا... هنا قمّةُ المأساة؛ حيث تُختزل الحياةُ إلى مجرّد استمرارٍ بيولوجيّ. كأنّنا خُلقنا لنسدَّ ثغرةَ الجوع، لا لنُشبعَ عطشَ النجوم.
نبضُ القلبِ دون نبضِ الروح مجرّدُ ميكانيكا للجسد، وساعةٌ رمليّةٌ تُحصي الانهيارَ لا البقاء. فالفرقُ بين أن تبقى وأن تحيا، هو الفرقُ بين أن تكونَ ضحيّةً للزمن، وأن تكونَ صانعًا للمعنى.
وفي هذا المشهدِ الكالح، يقفُ الإنسانُ بين هاويتين:
أيَلعنُ حياتَه ويستسلم، كأنّما يوقّعُ بيده على صكّ موتِه الداخلي؟
أم يصارع، ولو بيدٍ مكسورة، لا ليغلبَ العالم، بل ليحتفظَ ببقيّةٍ من كرامته وسط هذا الوحلِ اليوميّ من الذلّ والهوان، الذي يتقطّر ببطءٍ كالماءِ الباردِ على جبينٍ محموم؟
ربّما يستحقُّ أن يتنهّد، أن يغضب، أن يصرخ:
«كلا! هذا ليس ما خُلقتُ لأجلِه!»
هذا ليس ضعفًا؛ هو أوّلُ خيوطِ الفجرِ في ليلِ الروح. أن تعترفَ بالقسوة، نعم، وأن تنظرَ إليها في عينيها بلا وَهَنٍ ولا خوف. فالاعترافُ بالقسوةِ وعيٌ بها. لكنّ الخطرَ كلَّ الخطرِ أن نسمحَ لها بأن تكونَ الكلمةَ الأخيرةَ في سفرِ حياتنا، وأن نُسلّمَ لها الروحَ كما تُسلَّمُ مدينةٌ محاصرةٌ بلا مقاومة.
أن تمشي...
والابتسامةُ تلمعُ على شفتيكَ كشَمعةٍ في عاصفة، تضيءُ وجهَكَ المتعب. ابتسامةٌ تعني أنّك قرّرتَ ألّا تدعَها تُملي عليك لغةَ وجهك ولا تعني أنّ الجراحَ قد برئت، هذا ليس سذاجةً، يا صديقي؛ هو تمرّدٌ هادئٌ يرفضُ أن تُسرقَ منه إنسانيّتُه، ويرفضُ أن يُختصر.
قرارٌ صامتٌ يهمسُ بقوّة:
«لن أسمحَ لهذا الحاضرِ البائسِ أن يبتلعني ويختصرني في جثّةٍ عاملة.»
فأعظمُ ثوراتِ الإنسانِ لا تُقامُ في الساحات، بل في اللحظةِ التي يقرّرُ فيها ألّا يشبهَ قهرَه.
وما مضى من عمري، مهما كان مثقلًا بالندوب، لن يمحوَ ما بقي من احتمالاتٍ كامنةٍ في الغد.
أحيانًا، لا تكونُ البطولةُ في قلبِ العالمِ رأسًا على عقب؛ قد تكونُ في ألّا يسمحَ الإنسانُ للعالمِ بأن يغيّرَه إلى ما ليس هو. أن يستمرَّ دون أن يفقدَ إنسانيّتَه؛ أن يحتفظَ بقدرته على التألّم، وعلى السؤال، وعلى الدهشة.
أن يمشيَ يوميًّا في هذا المستنقعِ دون أن يفقدَ شيئًا من نقاءِ روحه.
الطريقُ طويلٌ وموحش، لكنّ مَن يخطو عليه بإيمان، ولو كان إيمانًا ممزّقًا، لا يكونُ وحيدًا حقًّا؛ لأنّ في صدره شرارةً ترفضُ الانطفاء، وإن بدا للعيونِ أنّه يسيرُ في صحراءَ قاحلة.
امشِ...
فالغدُ لا يحتاجُ منك أن تصلَ كاملًا؛ يكفي ألّا تصلَ إليه وقد فقدتَ نفسك.
صورةٌ أخرى للعبوديّة الحديثة:
أن تشعرَ بأنّك عبدٌ للبقاء. نحن لا نُستعبدُ بالسلاسلِ الحديديّة كما في العصورِ الغابرة، قد نستعبدُ بوهمِ الأمان. نبيعُ بواكيرَ أعمارنا بفتاتِ اليقين، ونحرقُ أيامنا لنُدفئَ لحظةَ جوع، ثم نتعجّبُ كيف تحوّلَ العمرُ إلى رماد.
ذلك الاختناقُ الذي تحسّه بين يديكَ المتعبتين وروحكَ الجائعة، ذلك الشعورُ بأنّك تُختزلُ في رمقٍ تافهٍ بالكادِ يسدُّ زاويةً من معدتك، ليس مجرّدَ تعب؛ إنّه سؤالٌ يطرقُ بابَ إنسانيتك:
هل خُلقتَ لتعملَ فقط كي تبقى؟
إنّ الإحساسَ المرَّ بأنّ التغييرَ ضربٌ من الوهم، قد يكونُ ثمرةً مرّةً لشجرةِ الإرهاقِ التي غرستها الأيامُ في أعماقك.
حين تُستنزفُ الروح، يضيقُ الأفق، ويتلوّنُ العالمُ بلونِ الجدرانِ الرماديّة، فيرى الإنسانُ الطريقَ مسدودًا، لا لأنّه كذلك في ذاته، لأنّ بصيرتَه أُنهكت من طولِ الوقوفِ في ورشةِ العبوديّة.
والوعيُ، يا صديقي، هو الجرحُ الذي لا يلتئم، ولكنّه الجرحُ الوحيدُ الذي يثبتُ أنّك لستَ حجرًا.
واعلمْ أنّ التغييرَ لا يعني دائمًا هدمَ الجدرانِ والهروبَ إلى أرضٍ مجهولة. أحيانًا يكونُ في نظرةٍ تتبادلُها مع إنسانٍ يشبهكَ في الألم، أو في رفعِ الرأسِ إلى السماءِ ليلًا، حيث تتدلّى النجومُ كمصابيحَ صامتة، بدلًا من التحديقِ في سقفِ غرفتكَ العاري.
وقد يكونُ في كتابٍ تشتريهِ بدلَ سلعةٍ عابرة، أو في لحظةِ وعيٍ تعيدُ فيها تعريفَ حياتكَ بعيدًا عن ميزانِ المالِ والعمل.
العمرُ لا يلغي الاحتمالات؛ يعيدُ تشكيلَها ببطءٍ حكيم.
والحرّيّةُ ليست دائمًا في تركِ العمل؛ أحيانًا تكونُ في استعادةِ جزءٍ صغيرٍ من ذاتكَ داخله. أن ترفضَ أن يُختزلَ وجودُكَ في حفنةِ مالٍ تسدُّ الرمق.
أنتَ لستَ عبدًا، وإن شعرتَ بذلك الآن.
لأنّكَ تتألّم، وتتذكّر، وتسأل.
والآلةُ لا تتألّم، ولا تسأل، ولا تحلم.
أن تقولَ «كلا» في عالمٍ يعلّمُنا أن نقولَ «نعم»... هذا ليس معجزةً سماويّة؛ إنّه انتصارٌ أرضيٌّ مرير:
انتصارُ الوعيِ على الغريزة، والإرادةِ على الاستسلام، والإنسانِ على الترس.
فكنْ وحدكَ، إن لزم الأمر، ولا تسمحْ للجموعِ أن تصنعَ لك وجهًا لا يشبهُك.
فأن تقولَ «لا» حين يصبحُ الانحناءُ عادة، هو أن تحفظَ في داخلكَ شيئًا لم تستطعِ الحياةُ أن تنتزعه منك.
وفي هذه الليلةِ الباردة، امشِ.
لا كمن يعتقدُ أنّ الطريقَ سيُمهّدُ له، بل كمن يعرفُ أنّ الخطوةَ نفسها قد تكونُ شكلًا من أشكالِ الحرّيّة.
ليس المهمُّ أن تغلب.
المهمُّ أن تبقى على عهدِكَ مع نفسك.
ليس المهمُّ أن تغيّرَ وجهَ العالم؛ المهمُّ ألّا تسمحَ للعالمِ بأن يغيّرَ وجهَك الداخلي.
وليس المهمُّ أن تصل.
المهمُّ أن تمشيَ ورأسُكَ مرفوع، وأن تقولَ في صمتك:
«مشيتُ، ولم أنحنِ.»
أن ترفضَ أن تكونَ رمادًا في مهبِّ الريح، وأن تُصرَّ على أن تبقى جمرةً تحت الرماد؛ لا لأنّك تضمنُ اشتعالَها من جديد، لأنّك لم تسمحْ للريحِ أن تقرّرَ وحدها ما تبقّى منك.
فامشِ...
فالحياةُ تقيسُك بما حافظتَ عليه من نفسك في الطريق، لا بما بلغتَه.
وإذا ما سُئلتَ يومًا:
لمَ لم تنحنِ؟
فأجبْ بصمتك، وبابتسامتك المتعبة، وبالكلمةِ التي حفرتَها على جدارِ قلبك:
«لأنّ في الصدرِ روحًا، لا عددًا.
لم أنحنِ؛ لأنّ العنادَ لكرامتي هو عبادتي».
***
عبد الحق طوع








