عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

ناجي ظاهر: التركات الغاليات

تلتقي خلال مسيرتك الأدبية المديدة، بالعديد من الناس. تتوقف عند هذا أو ذاك منهم، حينا برهة وحينا اكثر، ويبرز من بين هؤلاء كتاب وشعراء، ما أن التقيت بهم، طال الزمان أو قصر، حتى غابوا، مخلفين وراءهم اطيب الأثر و.. الاثار، منهم من يوصيك بالاهتمام بما خلفه من أعمال ادبية، كان قد شاركك في وضعه لها، مطلعا اياك عليها اولا فأول، ومنهم من وثق بك فآتى اليك حيث تعمل محررا صحفيا ادبيا، حاملا مجموعته الشعرية الاولى والوحيدة، طالبا منك أن تهتم بها بعد رحيله، ومنهم أيضا، من ترافقت معه فترة قصيرة من الزمن، لكن مديدة في أثرها الوحودي النفسي. يمضى الوقت ويذهب كل من هؤلاء موغلا في رحلته الأبدية الاخيرة، تاركا لك أمانة أو شبه امانة، آليت على نفسك أن تنفذها.. وعدا أو وفاء وخلاصا.

الحاضر الغائب

ربطتني بالصديق الراحل العزيز المحامي توفيق معمر ابن مدينتي الناصرة، علاقة أدبية تواصلت عراها نحو العقدين الكاملين من الزمن. ابتدأت في أواخر الستينيات، بعد أن اطلعت على كتاباته الأدبية خاصة "مذكرات لاجئ - أو حيفا في المعركة"، واذكر أنني سعيت إليه في مكتبه القائم في بيته الفخم، القائم على إحدى حواف ساحة المطران، وجرى اللقاء بيننا وكان كلا منا يعرف الاخر، رويدا رويدا فترة بعد فترة.. توطدت العلاقة فيما بيننا، وكان عادة ما يعبر عن رأيه في هذه الكتابة المنشورة لي أو تلك، في حين أنني كنت.. من ناحيتي، أتابعه وهو يبذل الجهد تلو الجهد لإكمال كتابه عن الزعيم الوطني "ظاهر العمر الزيداني"، وكان ذلك الكتاب الذي اعتمد في تأليفه له على جمع الرواية الشفوية، يكتمل ببطء شديد، لأساعده فيما بعد بالاشتراك مع الصديق الشاعر الراحل عدون ماجد في إعداده للطباعة، بعد العشرات من السنين، وليصدر اخيرا في اواخر السبعينيات. بعدها اقترحت عليه أن يصدر مجددا روايته المذكورة عن حيفا، ففعل بعد أن وافق على قلب العنوان ليضحي "حيفا في المعركة- او مذكرات لاجئ". وفي تلك الاثناء، كان يعمل على رواية من الادب الساخر اطلق عليها عنوان" الغائب الحاضر"، كونها تتحدث عن ذلك القانون الجائر بحق اخوانه الفلسطينيين الباقين في الوطن بعد نكبة ٤٨، ذلك القانون الذي عادة ما تصادر بمقتضاه أملاك الغائبين ظلما وبهتانا. وأذكر أنه وجه ذات جلسة جمعتني به، حديثه الي.. قائلا بنوع من مزاح الرجال.. أنني اطلب منك، اذا لم اتمكن من اصدار هذه الرواية في حياتي، أن تقوم بإصدارها بعد رحيلي. ورحل توفيق قبل سبعة وثلاثين عاما، فما كان مني، إلا أن توجهت إلى ورثته ممن علمت أن مخطوطة تلك الرواية قد باتت بحوزته، ورويت له ما اوصاني به صاحبها، ليخبرني أنه هو من سيقوم بإصدارها. وها هي السنوات قد مضت دون أن يقوم بتنفيذ طباعتها وإصدارها في كتاب. وقد حاولت قبل أيام مع أقارب له.. ولم أخرج، مرة اخرى، للأسف بأي طائل.. وها أنا أكتب لعل امر اصدار هذه الرواية في كتاب .. يحرز تقدما ما، أو يؤدي إلى نشرها لتنضم إلى اخواتها.. مؤلفات الصديق الراحل توفيق معمر وتراثه العامر.

قمح وزؤان

ربطتني بالشخصية الوطنية الشيوعية الشاعر منعم جرجورة. ابو مبدأ، ابن مدينتي الناصرة ايضا، علاقة صداقة من نوع فريد، وقد ابتدأت هذا العلاقة بلقاء، تم بترتيب من صديق آخر راحل، هو حازم وديع زعبي، تعطرت ذكراه، وقد جاء ذلك اللقاء بعد قراءتي مقالة كتبها الراحل المبجل الشاعر الصديق توفيق زياد، ونشرها آنذاك في مجلة "الجديد"، الهامة جدا في تراثنا الثقافي، الصحفي الادبي، محملا إياها عنوانا ظريفا ولطيفا، ما زلت اذكره رغم بعد الشقة ما بين تلك الفترة وهذه، هو "وهو أيضا شاعر واسمه منعم جرجورة". وقد تلا ذلك اللقاء عدد غير قليل من اللقاءات، في هذا الشارع أو تلك الساحة، وكان أنه تردد على مكاتب صحيفة "اليوم السابع" التي أسسها تولى إصدارها الصديق سهيل كرام، صاحب راديو الشمس حاليا، وكان الصديق منعم يتردد على مكاتب الصحيفة ليجلس الي، والى رئيس تحرير الصحيفة الكاتب الشاعر سالم جبران، طابت ذكراه، ويبدو أنه انس الي أكثر فاكثر، ليدخل الي ذات يوم وبيده مخطوطة مجموعته الشعرية الاولى والوحيدة، وليضعها على الطاولة امامي، قائلا لي.. هذه مجموعتي الشعرية الوحيدة. أنها تحمل عنوان "قمح وزؤان". عنوانها يقول لك مختصر رسالتها، غير أن التفاصيل تحمل الكثير كما ستلاحظ. بعد فترة رحل الصديق منعم، تاركا إمانته تلك في عنقي، ولا اخفي أنني كنت افكر في الطريقة التي أصدرها عبرها في كتاب لائق بذكرى صديق عزيز، الأمر الذي أوجد لدي شيئا من الارباك، واعترف هنا أنني قصرت في الاتصال بورثته، غير أن هؤلاء لم يقصروا بحق شاعرهم، فبادروا، لا اعرف كيف حتى اليوم، الى إصدار تلك المجموعة، لافاجا إيجابيا ولارتاح من حمل اثقل كاهلي فترة من الزمن، وكاد يلح علي لاصدر كتابه أو مجموعته الشعرية تلك.. مهما كلف الأمر وغلا الثمن. رحم الله ابا مبدا. وارجو ان يكون قد ارتاح في عالمه الآخر، لصدور مجموعته السعرية قمح وزؤان..وليقر عينا.

صاحب الجبل.. و.. نادية

كما كتبت وكررت في أكثر من لقاء وكتابة، كان آخرها "عبقرية الأيام الأخيرة"، ربطتني علاقة أدبية شعرية اولا، وأدبية شخصية ثانيا، بالشاعر المغفور له حسين فاعور- الساعدي، ابن قرية الحسينية الوفي المخلص. وأذكر أن هذه العلاقة بدأت بمتابعتي الحثيثة لما كان ينشره من قصائد لافتة في صحيفة" الاتحاد" الحيفاوية، وابنتها الرائعة مجلة "الجديد" المذكورة آنفا، في اواخر الستينيات واوائل السبعينيات، ليختفي هذا الشاعر الوطني الساخر اللطيف، على مدى حوالي العقدين من الزمن، وللحقيقة بقيت اتذكره كلما قرأت ما يشبه كتابته، إلى ما قبل اكثر من عقد الزمني ابتداء من العام الجاري، عندما قرأت شيئا مما سجله ونشره في صفحات الفيسبوك، من ذكرياته. ما ان قرأت كتابته تلك، حتى قمت بمكاتبته على جناح السرعة، لنلتقي بعدها، ولنبادر معا إلى تأسيس دار للنشر، أطلقنا عليها اسما ذا ايقاع قوي بالنسبة إلينا نحن الاثنين، هو منشورات المل، وذلك املا بالصلابة والاستمرار، والعمر المديد، وكل هذه الصفات تتوفر كما هو معروف، في شجر المل الصلب المعمر، علما أن هناك شجرة مل، تقوم بالقرب من بيته في الحسينية. وقد تمكنا خلال فترة قصيرة من اصدار عدد من مؤلفاتنا في الشعر والقصة والرواية، وبإمكان من يريد التوسع في الاطلاع على تلك المنشورات، التوجه إلى شبكة البحث العنكبوتية الالكترونية "غوغل"، لتوافيه بما يطلب ويرغب في الاطلاع عليه. لقد تواصلت علاقتنا تلك سنة تتلوها سنة ونشاطا يأتي بعده نشاط .. بانتظام يليق بالآداب وعوالمها الرحيبة، إلى ان جاءني حسين ذات يوم حزين مدلهم الغيوم، ليخبرني أنه سيجري عملية خطيرة في" الوتين"، وليودعني على اعتبار أن ذلك اللقاء بيننا، قد يكون الأخير. وتشاء الأقدار أن تنجح تلك العملية الجراحية، فيدب الحماس مجددا في أوصال الصديق حسين، فيكتب الرواية تلو الرواية، القصيدة تلو القصيدة والمقالة بعد المقالة، وأذكر أنه فأجاني وفاجأ محبيه ومريدي كتابته، برواية "صاحب الجبل"، التي قام بنشر فصول منها في أحد المواقع الإلكترونية، أذكر أنه موقع" صحيفة المثقف"، وليأتي الي ليخبرني أنه كتب أيضا، رواية حملها عنوان "نادية"، وليبتسم وهو يقول لي انه كتب ما يعجبني ويسرني، ويتحدث عن الجبل، الحب والقطط الصديقة الموالية التي تهاجم الأبقار مقتحمة الجبل. بعد حديثه ذاك عن انتاجه الادبي الروائي الجديد.. افاجأ بتدهور صحته، يليها خبر وفاته، فاهرع إلى ورثته طالبا منهم أن أقوم بمهمة الوفاء لصديق مخلص وفي.. فهمت من نظراته الاسية الأخيرة.. أنه يضع الامل في، رجاء أن ترى أعماله الأدبية الأخيرة النور. الحقيقة أقول إن ورثته، استجابوا لي، فقمنا معا بإصدار مجموعته الشعرية الاخيرة "قصائد السخرية والغضب". بعدها حاولت طباعة روايتيه المبهرتين المخطوطتين، (اقراء مقالتي عنه وعنهما تحت عنوان "عبقرية الأيام الاخيرة") فأرسلتهما إلى صديق ناشر، إلا أنه لم يقم بنشرهما حتى الآن، رغم مضي أكثر من سنتين من الوعود، وها أنا أتوجه اليه، دون ذكر اسمه، ولي في هذا اسبابي الخاصة، طالبا منه أن يساهم في طباعة روايتين اعتبرتهما، منذ قراءتي الاولى لهما، درتين في تاج النثر الادبي الروائي في بلادنا. فهل يفعل؟.. من ناحيتي أؤكد له أنه سيربح الكثير.  وأنه إذا ما فعل سيكون، في كل الاحوال.. من ألفائزين. الفالحين.

***

ناجي ظاهر