أقلام حرة

جورج منصور: لم يكن هروباً من الوطن.. بل هروباً بالوطن في القلب

مع اشتداد أصوات المسيّرات في سماء أربيل، وسقوط حطام إحداها على مقربة من شقتنا في مجمع (سكاي تاورز) الواقع على شارع المئة متر المواجه لبلدة عنكاوا، قررنا، زوجتي وأنا، مغادرة المدينة عبر منفذ إبراهيم الخليل الحدودي باتجاه الأراضي التركية، في لحظة أختلط فيها الخوف بالضرورة، والاختبار بالإكراه.

في تلك الليلة، لم يكن الرحيل في البداية قراراً واضح المعالم، بل استجابة لنداءٍ خافتٍ في الداخل يقول: "أبق حياً أولاً". كانت المسيّرات تحوم في السماء كطيور معدنيةٍ بلا قلب، يسبق صوتها ظلالها، ويترك مرورها في النفوس ارتجافاً خفياً. وعندما سقط حطام إحداها على مبعدة ثلاثمئة متر عن محل مسكننا، لم يعد الأمر مجرد خبراً يُتداول، بل صار واقعاً يقف على عتبة الباب.

كنا نحاول أن نواصل حياتنا وكأن شيئاً لم يتغير: نفتح النوافذ صباحاً، نعدّ الفطور، ونقنع أنفسنا أن السماء لن تختار بيتنا هذه المرة. لكن في تلك الليلة تغيّر كل شيء: دوّى صوتٌ قصير، ثم اهتزت الأرض قليلاً. بعد دقائق، خرج الناس إلى الأزقة. كانت قطعة كبيرة من الحطام قد سقطت قرب البيت؛ معدن أسود محروق، ورائحة غريبة في الهواء. عندها فقط أدركنا أن المسافة بيننا وبين الخطر لم تعد كبيرة كما كنا نتصور.

بدأت الرحلة من أربيل في الساعة الخامسة والنصف صباحاً، حيث كان الظلام لا يزال يخيّم والمدينة لم تفتح عينيها بعد. بدت الشوارع الواسعة التي تضج بالحياة لاحقاً هادئة، والسيارات قليلة، والهواء يحمل برودة الفجر. خلفنا بقت القلعة العتيقة، شاهدة على قرون طويلة من التاريخ، بينما مضت السيارة شمالاً عبر الطريق المؤدي إلى الحدود.

مع الخروج من المدينة، بدأت السهوب الواسعة بالظهور. امتدت الأرض بلونها الترابي بين تلال منخفضة، تتخللها قرى صغيرة وبيوت متناثرة. كان الطريق مستقيماً في كثير من مقاطعه، لكن المنظر بدأ يتبدل باستمرار: جبال بعيدة لاحت بلون أزرق خافت، وقطعان أغنام ترعى على سفوح التلال، وشاحنات ضخمة تسير ببطء وكأنها قوافل حديثة قي طريق تجارة قديم.

كلما ابتعدت سيارتنا عن أربيل، كان الطريق يصبح أكثر فراغاً، إلا من الشاحنات الضخمة المتجهة نحو الحدود. شكلت هذه الشاحنات التركية الطويلة قوافل بطيئة محمّلة بالنفط الخام والوقود والبضائع القادمة إلى العراق أو الخارجة منه. مررنا بقرى صغيرة، وبمحطات وقود متواضعة، ومقاهٍ مغلقة لم تقف أمامها سيارات المسافرين كما هو معتاد.

بعد يضع ساعات، بدأ الطريق بالاقتراب من منطقة زاخو، حيث تغيّر المشهد. أزداد عدد الشاحنات، وأصبح الطريق أكثر ازدحاماً. هنا شعرتُ أنك تقترب من بوابة العبور الكبرى بين بلدين. وعلى مسافة قصيرة، ظهر معبر إبراهيم الخليل، أحد أكثر المعابر البرية نشاطاً في المنطقة.

كلما اقتربنا من الحدود، كان الشعور غريباً: شيء بين الارتياح والحزن. الارتياح لأن السماء هناك قد تكون أكثر هدوءاً، والحزن لأن البيت يبقى خلفنا، واقفاً وحده.

عند الحدود، توقفت الحركة في صفوف طويلة. كان معبر إبراهيم الخليل مزدحماً بوجوهٍ تشبه بعضها. وجوه لم تخطط للسفر، لكنها تحمل حقائب صغيرة وثقيلة في الوقت نفسه- ثقيلة بما فيها من قلق وذكريات. وقفت سيارات المسافرين إلى جانب مئات الشاحنات التي امتدت كأنها نهر من الحديد. استغرقت الإجراءات وقتاً طويلاً، لكن هذا الانتظار وإن كان جزءاً من طقوس السفر البري، بدا أكثر من ذلك بعد أن أشتدت الضربات الأمريكية- الإسرائيلية على إيران وبدأت تحرق المنطقة برمتها، حيث أُغلقت المطارات وبدأت حركة السفر براً تزداد يوماً بعد آخر.

وعند الحدود، حين تلتقي طرق الشاحنات بصمت المسافرين، يدرك المرء أن الوطن يمكن أن يصبح فجأة مسافة خلفه، وأن خطوة واحدة قد تفصل بين الخطر والأمان. كان هروبنا بلا خيار، فقد أصبحت الحياة نفسها هي القضية الأولى، بعد أن صارت السماء مزدحمة بأجنحة معدنية، ومسيّرات تمرّ ببطء فوق البيوت وتترك في الهواء طنيناً بارداً يشبه القلق.

بعد أن اجتزنا البوابة العراقية، عبرنا بضعة مئات من الأمتار لنصل إلى الجانب التركي، المعروف باسم معبر خابور الحدودي. هنا تبدل كل شيء تقريباً. ظهرت اللافتات باللغة التركية لتحل محل العربية والكردية، وصارت الطرق أكثر اتساعاً  وتنظيماً، وبدت الحواجز حديثة. دخلنا رسمياً الأراضي التركية، لنجد أنفسنا في بلدة سيلوبي الصغيرة، أولى المدن التركية على هذا الطريق. وهنا تبدأ رحلة أخرى، داخل جنوب شرق الأناضول، حيث الطبيعة مختلفة، والأرض قاسية والجبال صلبة.

ثم أمتد الطريق غرباً عبر أرضٍ قاسية وجميلة في آنٍ واحد، ومررنا قرب (جزرة)، المدينة التي يمر بجوارها نهر دجلة في رحلته الطويلة. ثم يتواصل الطريق نحو (نصيبين)، حيث التاريخ القديم لمدنٍ عرفت الحضارات منذ آلاف السنين.

الطبيعة هنا مختلفة قليلاً عن كردستان العراق: تلال صخرية، وقرى مبنية بالحجر، وسماء واسعة تبدو أقرب إلى الصحراء منها إلى الجبال. الطريق هادئ في معظم الأوقات، والسيارة تمضي وكأنها تقطع صفحات من جغرافيا قديمة. والطريق طويل لكنه هادئ.

مضت السيارة غرباً، ومرّت قرب (جزرة) ثم باتجاه (نصيبين). رأينا مزارع صغيرة وقرى حجرية بلون التراب. تحمل هذه المنطقة تاريخاً عميقاً، فقد كانت يوماً جزءاً من طرق التجارة القديمة بين بلاد الرافدين والأناضول.

وقبيل الوصول، بدأت مدينة ماردين بالظهور على الأفق، وعلى قمة التل، كأنها لوحة حجرية معلّقة فوق السهل. بيوتها القديمة مبنية من حجر أصفر دافئ، وشرفاتها الضيقة تطل على سهول واسعة تمتد حتى الحدود السورية. المدينة ترتفع فوق تلٍ طويل، وبيوتها الحجرية بلون العسل تتدرج صعوداً كأنها سلالم معلقة فوق السهل الواسع. منظرها من بعيد يشبه مدينة خرجت من كتاب تاريخ.

وعندما وصلنا إلى مطار ماردين لاحظنا شيئاً غير مألوف للمسافر: النهار هادئ أكثر مما ينبغي، والمطاعم مغلقة، والأبواب نصف موصدة، وكأن المدينة تمسك أنفاسها. فقد صادفت الرحلة في شهر رمضان. الناس صائمون، والحياة اليومية تتباطأ احتراماً للشهر الفضيل. المقاهي التي تعمل أحياناً تبقي أبوابها شبه مغلقة، حتى الأكشاك الصغيرة تبدو صامتة، وكأن المدينة تأخذ قسطاً من السكون.

لكن مع اقتراب الغروب يبدأ المشهد بالتبدل ببطء. الأضواء تشتعل في المطاعم، والطاولات تُرتّب على الأرصفة، والروائح الأولى للطعام الساخن تنتشر في الهواء. ومع أذان المغرب، تمتلئ الشوارع بالحياة فجأة؛ وكأن المدينة التي ظلت ساكنة طوال النهار استيقظت دفعة واحدة. تظهر أطباق الشوربة الساخنة والخبز الطازج والكباب، وتعود الضحكات إلى المقاهي. المدينة التي بدت ساكنة طوال النهار تتحول فجأة إلى مدينة يقظة، وكأنها كانت تنتظر لحظة واحدة فقط لتستعيد نبضها.

في مطار ماردين، ألتقينا بعدد من الأجانب: خبراء ومدّرسون، جلهم كان قادماً من العاصمة بغداد عبر الطريق البري أيضاً. كانوا قلقون من الوضع الأمني في العراق، حتى أن أحداهن حكت لنا قصتها، وكيف أنها نجت قبل يوم من عملية أختطاف طالتها في بغداد من قبل ثلاثة رجال ملثمين ومدججين بالسلاح.

بعد ساعات من الأنتظار أقلتنا طائرة الخطوط الجوية التركية إلى إسطنبول. كانت الطائرة مزدحمة بالمسافرين، وكنتُ في قرارة نفسي أتساءل: هل كان الهروب جبناً، أم نوعاً من الحكمة القاسية؟ فالإنسان أحياناً لا يهرب من أرضه، بل يهرب بها في قلبه، ريثما تهدأ السماء.

هربنا من جحيم المسيرات، من صفير الطائرات وصوت الانفجارات، لم نفكر كثيراً بما ينتظرنا. كل ما كنا نريده هو أن تنجو، أن نعبر المسافة بين الخوف والحياة. وحين وصلنا إلى تورنتو، استقبلنا صمت مختلف؛ ليس صمت الخوف، بل صمت الثلج وهو يتساقط بكثافة، والبرد يلامس وجهينا كأنه يقول: هنا حرب من نوع آخر، حرب مع الغربة والحنين. وبين نار الوطن وبرد المنفى، وقفنا متسائلين: أيهما أقسى… جحيم الرحيل من الوطن أم صقيع المنفى؟

***

جورج منصور

في المثقف اليوم