يقول أبو علي الحسن بن الحسن بن الهيثم البصري "354 - 430 ه" في مقدمة كتابه "الشكوك على بطليموس": "الحق مطلوب لذاته، وكل مطلوب لذاته فليس يعني طالبه غير وجوده. ووجود الحق صعب، والطريق إليه وعر، والحقائق منغمسة في الشبهات. وحسن الظن بالعلماء في طبع جميع الناس... وما عصم الله العلماء من الزلل، ولا حمى علمهم من التقصير والخلل، ولو كان ذلك كذلك، لما اختلف العلماء في شيء من العلوم، ولا تفرقت آرائؤهم في حقائق الأمور، والوجود خلاف ذلك. فطالب الحق ليس هو الناظر في كتب المتقدمين، المسترسل مع طبعه في حسن الظن بهم، بل طالب الحق هو المتهم لظنه فيهم، المتوقف فيما يفهمه عنهم، المتبع الحجة والبرهان، لا قول القائل الذي هو إنسان، المخصوص في جبلّته بضروب الخلل والنقصان. والواجب على الناظر في كتب العلوم، إذا كان غرضه معرفة الحقائق، أن يجعل نفسه خصمًا لكل ما ينظر فيه. ويجيل فكره في متنه وفي جميع حواشيه، ويخصمه من جميع جهاته ونواحيه، ويتهم أيضاً نفسه عند خصامه فلا يتحامل عليه ولا يتسمح فيه. فإنه إذا سلك هذه الطريقة انكشفت له الحقائق، وظهر ما عساه وقع في كلام من تقدمه من التقصير والشُّبه"1.
أول من نبهني إلى أهمية كتاب "الشكوك على بطليموس" لابن الهيثم هو الصديق العزيز الأستاذ عبد الأمير المؤمن، الباحث المتمرس في التراث العلمي، وذلك قبل أكثر من أربعين عامًا. كما حفزتني على كتابة هذا المقال قراءة ترجمة الأستاذ عبد الرحمن المرزوقي المهمة لكتاب برادلي ستيفنز "ابن الهيثم: أول عالم تجريبي"2.
كانت الشكوك منهجًا في التراث العلمي، فقد تغلب العقل العلمي نسبيًا على سلطة المنطق الأرسطي عندما احتكم إلى الملاحظة والمشاهدة والتجربة. ظهرت كتب "الشكوك" الناقدة للعلم الطبيعي اليوناني، لأن التجربة منحت العالِم مرجعيةً مستقلة عن النص، فاستطاع اختبار آراء القدماء، وكشف أخطائها، وتصحيح نتائجها، من دون أن يجعل مكانة أصحابها بديلًا عن الدليل. في المقابل، لم أعثر، في حدود ما اطلعت عليه، على كتاب يحمل عنوان "الشكوك" خصص لنقد تسلط المنطق الأرسطي على الفلسفة والكلام وأصول الفقه.
لا يعني ذلك غياب نقد المنطق الأرسطي في تراثنا، فقد نقد شهاب الدين السهروردي، 549–587هـ/1154–1191م، عددًا من أسسه في القسم الأول من كتاب "حكمة الإشراق"، كما ناقش قضاياه بتفصيل أوسع في قسم المنطق من كتاب "المشارع والمطارحات"، فراجع نظرية الحد والتعريف، واختزل أشكال القياس، واعترض على بعض التقسيمات والمقولات المنطقية المشائية. وخصص ابن تيمية، 661–728هـ/1263–1328م، كتابه "الرد على المنطقيين"، المعروف أيضًا باسم "نصيحة أهل الإيمان في الرد على منطق اليونان"، لنقد الحد الأرسطي والقياس، ورفض دعوى حصر اليقين فيهما، وأكد إمكان تحصيل المعرفة من الحس والتجربة والخبر والقياس التمثيلي.
وفي العصر الحديث ظهر كتابان مهمان في مدرسة النجف، ألّف الأول علي كاشف الغطاء، 1331–1411هـ/1913–1991م، بعنوان: "نقد الآراء المنطقية وحل مشكلاتها" في جزأين؛ خصص الأول للتصورات، والثاني للتصديقات، وألحقهما بخاتمة في المغالطات، فناقش آراء المناطقة، وراجع قواعدهم، واقترح حلولًا لبعض مشكلاتها. وقدم محمد باقر الصدر، 1353–1400هـ/1935–1980م، في كتابه "الأسس المنطقية للاستقراء" محاولة جديدة لمعالجة الثغرة التي تركها المنطق الأرسطي في الاستقراء الناقص، وسعى إلى تأسيس الانتقال من ملاحظات جزئية محدودة إلى تعميم علمي مرجح، مستعينًا بحساب الاحتمالات، ومميزًا بين مرحلتي التوالد الموضوعي والتوالد الذاتي للمعرفة.
غير أن هذه المحاولات، على أهميتها، لم تؤسس منطقًا بديلًا يحل محل المنطق الأرسطي في التفكر الديني والتعليم، ولم تتحول إلى نموذج معرفي "براديغم" تتبناه جماعة علمية ومؤسسات معرفية، وظل أكثرها يتحرك داخل أسئلة المنطق القديم ومفاهيمه، أو ينقده من دون أن يعيد بناء مناهج العلوم على أساس المشاهدة والتجربة والاستقراء. فقد لبثت عملية التفكير خاضعة للنموذج المعرفي اليوناني قرونًا طويلة، فتحول هذا النموذج من أداة يستخدمها العقل إلى سلطة تحدد شروط التفكير وحدود السؤال ومعايير البرهان. ظل العقل ينقد النتائج بأدوات المنطق الأرسطي، من دون أن ينقد الأداة التي ينتج بها تلك النتائج.
سنشير في مقال قادم إلى أسباب انحسار منهج الشكوك في التراث العلمي، وانصراف جانب كبير من طاقة العقل إلى علوم لا تحتكم إلى المشاهدة والتجربة. فقد ظهر في تاريخنا عدد من العلماء الأفذاذ الذين كانت لهم ريادة في علوم متنوعة، واعتمدوا الملاحظة والقياس والتجربة، غير أنهم ظلوا يعملون، بدرجات متفاوتة، داخل النموذج المعرفي "البراديغم" الأرسطي البطلمي الجالينوسي الموروث من اليونان. وإن كان ذلك لم يمنعهم من نقد بعض آراء اليونان، وكشف أخطائها، وتصحيحها وتجاوزها في مسائل أساسية، كما فعل الرازي في الطب، والبيروني في الفلك والمعادن، وابن الهيثم في البصريات والفلك، وابن النفيس في التشريح. غير أن هذه المنجزات بقيت جهودًا فردية متفرقة، ولم تنتظم في نموذج معرفي "براديغم" بديل، تتبناه جماعة علمية، وتتوارثه مؤسسات مستقلة، وتعمل على اختباره وتطويره وتراكم نتائجه. حضر العالم التجريبي في تراثنا، وغابت البيئة المعرفية والمؤسسية القادرة على تحويل منجزه إلى تقليد علمي مستدام، يقود إلى ثورة شاملة في فهم الطبيعة ومعايير إنتاج المعرفة.
يمثل أبو علي الحسن بن الحسن بن الهيثم البصري "354–430هـ/965–1040م" مرحلة متقدمة في تاريخ العقل العلمي في الحضارة الإسلامية. كان الشك لديه أداة منهجية لتحرير العقل من هيبة الأسماء وسلطة الموروث، ومدخلًا إلى اختبار الآراء ومراجعة الأدلة والكشف عن مواطن التهافت والقصور فيها. الشك عند ابن الهيثم يفتح الطريق إلى معرفة أكثر دقة، كما أعلن ذلك بوضوح في مقدمة كتابه "الشكوك على بطليموس"، إذ حذر من اختلاط المعرفة بالأوهام والعادات والأحكام المسبقة، ونبّه إلى الكيفية التي يحجبها حسن الظن بالأعلام. أشار إلى أنه لا تكفي شهرة العالم، ولا قدم كتابه، ولا اتفاق الناس على تعظيمه لإثبات صحة آرائه، فقيمة القول تستمد من حجته، لا من مكانة قائله. ينبه ابن الهيثم إلى أن "حسن الظن بالعلماء في طباع جميع الناس"، وأن القارئ إذا استسلم لهذا الميل تلقى أقوال المتقدمين كأنها حقائق نهائية. العلماء بشر يصيبون ويخطئون، ولم يعصمهم الله من الزلل أو التقصير، ولو كانوا معصومين من الخطأ لما اختلفوا في مسائل العلم وحقائق الأشياء. يضع ابن الهيثم قاعدة معرفية حاسمة: "فطالب الحق ليس هو الناظر في كتب المتقدمين، المسترسل مع طبعه في حسن الظن بهم، بل طالب الحق هو المتهم لظنه فيهم، المتوقف فيما يفهمه عنهم، المتبع الحجة والبرهان، لا قول القائل". تبدأ المعرفة عند ابن الهيثم بنقد الثقة العمياء بالمكانة العلمية للقائل، وإخضاع كل قول للسؤال مهما علا شأن صاحبه.
لا يكتفي ابن الهيثم بالشك في أقوال الآخرين، وإنما يطالب الباحث أن يشك في فهمه وأحكامه أيضًا، فيقول إن على الناظر في كتب العلوم "أن يجعل نفسه خصمًا لكل ما ينظر فيه، ويجيل فكره في متنه وفي جميع حواشيه، ويخصمه من جميع جهاته ونواحيه، ويتهم أيضًا نفسه عند خصامه، فلا يتحامل عليه ولا يتسمح فيه". يتجه النقد هنا في مسارين متلازمين: نقد الموضوع الذي يدرسه الباحث، ونقد الذات التي تمارس الفهم والحكم. ربما يخطئ المؤلف، وربما يسيء القارئ فهمه، وربما يقوده التعصب إلى رفض قول صحيح أو قبول قول ضعيف، لهذا يشترط ابن الهيثم الإنصاف، فلا يتحامل الناقد على النص، ولا يتساهل معه. طبّق ابن الهيثم هذا المبدأ في كتاب "الشكوك على بطليموس"، فدرس ثلاثة من أهم كتب بطليموس.
لم يرفض ابن الهيثم تراث بطليموس، فقد أدرك قيمته العلمية وأفاد من منجزاته، لكنه فصل بين احترام العالم والتسليم بأقواله. استوعب نظامه، وقارن بين مقدماته ونتائجه، وبين نماذجه الرياضية وما يمكن وجوده في العالم الطبيعي. تركز اعتراضه على أن نجاح النموذج في وصف حركة الكواكب والتنبؤ بها لا يثبت أن البنية التي يفترضها موجودة فعلًا في السماء. ميز ابن الهيثم بين مطابقة النتائج للرصد وصدق تفسير الظاهرة، وطالب بنظرية تجمع بين الدقة الحسابية والإمكان الطبيعي. رفض إخضاع الواقع للنموذج، ودعا إلى إعادة بناء النموذج بما يلائم الواقع، ففتح نقده الطريق أمام إصلاح الفلك البطلمي.
استعادت مدرسة مراغة هذه المعرفة في سياق مشروع علمي جماعي هدفه بناء نماذج تطابق الرصد، وتحافظ على انتظام الحركة الدائرية، وتتخلص من تناقضات نظام بطليموس. ابتكر نصير الدين الطوسي "597–672هـ/1201–1274م" نماذج هندسية أكثر اتساقًا، أشهرها "مزدوجة الطوسي"، التي تولد حركة خطية من حركتين دائريتين منتظمتين. ووضع مؤيد الدين العرضي "نحو 597–664هـ/نحو 1200–1266م" قاعدته الهندسية المعروفة بـ "قاعدة العرضي"، واستعملها في إعادة بناء حركات الكواكب من دوائر منتظمة من دون الحاجة إلى بعض افتراضات بطليموس. وطور قطب الدين الشيرازي "634–710هـ/1236–1311م" نماذج مدرسة مراغة، وأعاد تركيب أدواتها الرياضية بحثًا عن هيئة تجمع بين دقة الحساب والإمكان الطبيعي. بلغ هذا المسار مرحلة أكثر نضجًا عند ابن الشاطر "704–777هـ/1304–1375م"، الذي أنشأ نماذج جديدة لحركة الشمس والقمر والكواكب، وتخلص من "معدل المسير"، وهو نقطة افتراضية جعل بطليموس حركة الكوكب منتظمة بالقياس إليها، مع أنها لا تتطابق مع مركز العالم أو مركز فلكه. لم تكن إنجازات هؤلاء نقلًا مباشرًا عن ابن الهيثم في كل تفاصيلها، وإنما كانت استئنافًا لمطلبه المعرفي: ألا يكتفي النموذج الفلكي بالنجاح الحسابي ومطابقة الرصد، وأن يكون متماسكًا وقابلًا للتصور في العالم الطبيعي.
كان كتاب "الشكوك على بطليموس" إعلانًا مبكرًا على أن العلم لا يتقدم بتقديس النماذج الموروثة، وإنما بفحصها واختبار اتساقها، والكشف عن تناقضاتها، وفتح الطريق أمام بناء بدائل أكثر دقة. لم يقدم ابن الهيثم في هذا الكتاب بديلًا فلكيًا متكاملًا لنظام بطليموس، لكنه كشف أزماته، خاصة التعارض بين نجاح بعض نماذجه في الحساب وتعذر وجود هيئاتها المفترضة في العالم الطبيعي. تجلى هذا المنهج بصورة أوسع في "كتاب المناظر"، إذ لم يقبل نظرية خروج أشعة البصر من العين التي تبناها إقليدس وبطليموس، ولم يكتف بما ورثه من التراث الطبي، خاصة وصف جالينوس لتشريح العين ووظائف أجزائها. جمع بين الهندسة والطبيعيات ووصف بنية العين والملاحظة والاختبار، وحلل ظواهر الضوء والإبصار إلى عناصرها، ثم فحص فروضه بتغيير شروط التجربة ومقارنة نتائجها. انتهى إلى أن الإبصار يحدث بوصول الضوء من الأجسام إلى العين، مع احتفاظه ببعض تصورات جالينوس في وظائف أجزائها. كانت التجربة عنده وسيلة لامتحان الفرضية ومواجهة نتائجها بالواقع، وعندما تتعارض سلطة الموروث مع ما تثبته الملاحظة والحجة والبرهان، يمنح الأولوية للدليل.
نسبت إلى ابن الهيثم مؤلفات تتصل بهذا المسار، من أشهرها "حل شكوك كتاب إقليدس في الأصول وشرح معانيه". وسبق محمد بن زكريا الرازي "251–313هـ/865–925م" ابن الهيثم إلى تأليف كتاب "الشكوك على جالينوس"، الذي ناقش فيه آراء جالينوس الطبية والفلسفية، مستندًا إلى خبرته السريرية ومشاهدته الطويلة للمرضى. لم يمنعه تقديره لجالينوس من الاعتراض عليه، فميز بين ما تثبته الممارسة الطبية وما يقرره الكتاب النظري. رأى الرازي أن الوفاء للعلم لا يتحقق بترديد أقوال المعلم، وإنما بمراجعتها وتصحيحها. لهذا يمثل كتابه نموذجًا مبكرًا لمقاومة الأبوة المعرفية، ويثبت أن التلميذ يستطيع تجاوز أستاذه حين يمتلك دليلًا أقوى.
***
د. عبد الجبار الرفاعي
.........................
1- ابن الهيثم، الحسن، الشكوك على بطليموس، تحقيق: د. عبد الحميد صبرة، ود. نبيل الشهابي، تصدير: د. إبراهيم مدكور، ص3، 1971، مطبعة دار الكتب، القاهرة.
2- ستيفنز، برادلي، ابن الهيثم: أول عالم تجريبي، ترجمة: عبد الرحمن المرزوقي، 2025، جمعية الفلسفة السعودية، الرياض.








