في تاريخ الإنسانية الرحب، لم يكن الفيلسوف قريناً لشيء مثل اقترانه بالمعنى. أي القدرة القصوى على اكتشاف دلالات الأشياء، وقراءة المعاني في الحياة. إن المعنى هو أصل الفلسفة لا إمكانية التأمل والتجريد. فالإنسان كائن يعيش داخل المعني ليس إلاّ. ومهما تعقدت انماط العيش، ستظهر الأشياء تبعاً لما تعنيه بالنسبة لنا. نحن نحب في إطار المعنى، ونحزن ارتباطاً بالمعنى، ونموت عبر المعنى. هنالك لا موت صائر إلى العدم دون سرديةٍ ما. ومن ثمَّ نحرص أنْ يكون صائراً إلى معنى أيا كان. ثمة "مسيرة ميتافيزيقية " نحتفظ بذاكرتها الحية داخل اعماقنا طوال الوقت. وفجأة على إثْرها تمثل الأشياء المادية مستوى مختلفاً من الوجود. لأننا ندرك المعاني في المواقف والاحداث كما ندرك الكائنات. ونحن نمارسها مع الأفعال التلقائية التي يتم انجازُها.
أجل الإنسان يحيا ويموت ضمن سرديات زاخرة بالمعاني. ويتطلع إلى ذلك وارثاً بعضَ جوانبها وناسجاً الجوانب الأخرى من مشاعره الحية. ولعلَّ مَنْ يعشْ في " ناطحات السحاب"، قد يأخذه "مشهدُ سربٍ من النمل" تتعثر خطاه بين التراب. ومخافة أنْ تدهسه أقدام الإنسان، يهرول متحسساً الأرض باحثاً له عن مخرج. والعالم في خلفيات الأديان والعقائد عالم ملئ بالدلالات والرموز والروحانيات. كما أننا نعيش ردحاً من الزمن مُقتفين آثار الأحداث والظواهر، لا لشيء إلاَّ لكونها تركت فينا معنى لا ينقطع. والزمن بهكذا عيش مشبعٌ بهذا "العائد الادخاري" طوال العمر. وتدريجياً تفقد الوقائع بريقها الوجودي وتستمر الظلال في لحمة الحياة من مرحلة إلى أخرى.
تجارب معنى
لم تأتِ الفلسفة إلينا كنوعٍ من صداقة الحكمة فقط، بل جاءت ملازمةً لدلالات القيم والحقيقة ومعرفة قوانين الأفعال والأشياء. ولذلك كانت الفلسفة تدريباً متواصلاً على العيش في زخم المعاني. الفيلسوف كائن حسّاس لاقط لتحولات المعاني واختلافاتها. كل الفلاسفة يشتركون في هذه السمة: المعنى مرجعية لا يمكن الحياد عنها دون أن تفقد شيئاً عظيماً. وكان السعي نحوه يجمع فلاسفة الطبيعة والحياة واللغة والتقنية والتاريخ والقيم والحضارة والثقافة جنباً إلى جنبٍ. في مجمل هذه الفضاءات، ثمة ما يبحث عنه الفلاسفة ألا وهو: ماذا تعني الأشياء لنا في أقصى وجودها احتمالاً؟!
المعنى في العربية أتٍ من المعاناه، شدة الاحتمال، صعوبة القصد، مكابدة الغايات. فلكي تفهم ما يدور حولك من عوالم، فأنت ستعاني تحولاتها الجذرية قريبةً كانت أم بعيدةً. بل وإلى الدرجة القصوى من وجودك، ستقف على حافة الحياة. وبمقدار ما يحتمل الانسان وجوداً، يستطيع أنْ يفهم دلالاته الخاصة. وفي العادة نحن لا نعرف المعاني على وجه الدقة، فهي ليست مجال معرفة ولا ميدان مشاهدة، بل هي مجال تجربة وحياة وتقلب ومخاص وفناء وبقاء وأحوال. عشْ قوة المعني أيا كان، عندئذ يمكنك أن تقول قولاً عميقاً، وباستطاعتك أن تفهم ما مغزى أن تحيا على الأصالة. المعاني ليست خارج التجارب المتداخلة معها إنسانياً، فهي عمق التجربة ذاتها. لأنَّ هناك انكشافاً متواصلاً لما تعني لك من أفعال وأحداث.
تراث الفلسفة هو تاريخ في تجارب المعنى التي عايشها الناس. لم يُرد الفيلسوف تنظير اً صرفاً بمعناه الفردي، ولكنه كان يتكلم بلسان حال الحياة. وهذا هو ما أعاد تفكيره إلى اصالة التجربة الحية من وقت إلى آخر. وهي التفاصيل التي تجعل حياتنا أثيراً مشتركاً مع كافة الكائنات. غير أ نَّ الإنسان متميز بتصفية "شوائب التجارب"، لتغدو أفقاً حُراً في اتجاه ذاته. وربما لا تشعر الكائنات الحية الأخرى بتنوع التجارب، لأنها منهمكة في حياة رتيبة تحكمها الغرائز والظروف الطبيعية، في حين نجد الإنسان واعياً بتباين وتعدد حيواته بقدر تعدد التجارب. لو أنَّ ثمة تعريفاً مقتضباً للانسان، لكان هو الكائن المتعدد الحيوات خلال حياته الواحدة.
السبب الرئيس أن احتمال العيش في الحياة هو نتيجة لثراء معناها الكامن فينا. لأن المعنى في الحياة ليس اعتباطاً، ولكنه يُنوّع جوانبها، يجعلها أكثر كثافةً وحضوراً. أنت يا صاح لا تعيش مرة واحدةً، ولو كان عمرك يوماً، بل مرات ومرات حتى الرمق الأخير. مشكلتك أنك تنظر من بعيد دون احتمال المعاني. سر الأسرار الذي يجعل المكان ليس هو المكان، والزمان ليس هو الزمان، والناس ليسوا هم الناس كما نعرفهم، هو سر المعاني لا أكثر ولا أقل. تتبدل الأشياء، وتجيء الاحداث وتذهب، غير أنها تترك أثراً غائراً فيما تشعر به. والمعنى الراسب - كما يقول جورج جادمر - أكثر قوة من الزائل في تشكيل عوالم البشر. كل معنى مختزل (أصيل) في الحياة يحتفظ بانسانية إنسان ما.
لم تكن الفلسفةُ موجهةً فقط إلى الطبيعة كما عُرفت في البدايات، إنما في احياء الفكر والإرادة والقوة داخل البشر. ولأن الإنسان يحتاج أُنساً مع الإشياء عوضاً عن الوحشة والغربة، كانت المشاعر وألفة المعاني بديلاً . فالمعاني تكون لصيقة الصلة بالانسان، حتى أنه لا ينفصل عنها ولا تنفصل عنه. إنه يبثها في عباراته ونظراته وابتساماته وأفعاله ونمط ملابسه وطرق عيشه. الانسان فلسفياً مشروع معنى وليس مشروع وجود كما أطلق عليه فلاسفة الوجودية. المعنى هو الماهية وهو الوجود معاً، وتظل ماهيته سائرة مع المعاني وتحولاتها الحرة.
تجارب المعنى تتجلى في الشعور بالسعادة، الفرح، الحب، الألم، الهشاشة، الضعف، القوة، الشغف، المرض، التواضع، الكآبة، التفاهة. وانطلاقاً من تجارب فردية كهذه ذهبنا إلى احتمال قوة العيش. فقد ظهرت أصالة الحياة فينا لا كظاهرة، بل كامتداد إنساني عاصف. كل فلسفات الحب والقوة والحياة والسلطة والطبيعة نشأت عن هذه الجذور.
أنْ تحيا بالمعنى
ربما الانسان العادي يعيش مع المعنى، يرى المعنى مباشراً في سلوك أو سلعة أو علاقة أو موقف. ولكنه لم يحيا بالمعنى كحال وطريق للفيلسوف. الأخير لدية المهارة أن يلتقط المعنى وينحت جوانبه إنسانياً ويضيء نتائجه الحرة إلى اقصاها. شرط التفلسف أن تعيش حراً في أفق المعنى. فالفلسفة ضرب من صياغة الحياة بإزميل المعاني في الهواء الطلق. لا فلسفة ترتب أفكارها في جنح الظلام ولا في كهوف معزولة، الفلسفة الأصيلة ابنة الحياة في وضح النهار. وهي كذلك لكونها تخاطب انسانية الإنسان دون قيود. الفلسفة تعلم البشر: كيف يعيشون بالمعنى. وهذا مستوى أخر بخلاف إدراك المعاني، فقد تعي أنت أو غيرك وجود الأخيرة، ولكن ممارستها وابداعها حالاً وممارسةً شيء آخر.
تاريخياً كانت الحكمة هي الكلمة الأقرب إلى ذلك. ليست الحكمة وجه من وجوه المعرفة، بل هي أنواع متباينة بقدر تباين المعاني التي يتغياها البشر. ويتوقف على هذا ما يحتاج الإنسان الحكيم إلى معرفته وفهمه في الحياة لا المواقف المحدودة. لأن الحياة ليست حزمةً من الأشياء تقبل مرة واحدة وإلى الأبد، فهي تفاصيل من الأحداث والوقائع. تأخذ أوزانها الدالة مادامت تقترب أو تبتعد عن معناها.
المعنى في الفلسفة ليس خيطاً مجرداً، ولكنه يتشكل بقائمة متنوعة من: الأهداف والقيم والمعالم الأكثر أهمية في الحياة بجانب الهدف النهائي، إن وجد. كما ترتبط المعاني بالوسائل التي نصل بها إلى هذه الأهداف دون تبعات باهظةٍ، وترتبط بمعرفة أنواع المخاطر التي تهدد إمكانية وصولنا إلى هذه الأهداف؛ وكيفية التعرف على المخاطر وبأية وسائل يتم تلاشيها أو التقليل منها.
والمعنى يدعو الفيلسوف لدراسة الكائنات الإنسانية في كل المواقف. كيف تبدو الأنماط المختلفة من البشر بصدد الأفعال والدوافع؟ وما إذا كانت تمثل تهديدات أم فرصاً لحياة أفضل؟ وشأن المعنى أن يكون بعيد المدى فصلاً فيما هو غير ممكن أو ممكن تحقيقه (أو تجنبه). وكيفية تحديد الأشياء والأفكار المناسبة أو غير المناسبة ومتى يتم ذلك. ومن جهة أخرى ارتباطاً بالمعاني تتم معرفة: متى يمكن تحقيق أهداف معينة بصورة كافيةٍ؛ وأية قيود يصعب تجنبها وبأية صيغة يمكن قبولها، وكيفية إيقاظ الذات وعلاقاتها بالآخرين أو بالمجتمع، ومعرفة أية قيم حقيقية وغير ظاهرة للأشياء المختلفة، ومتى ينبغي اتخاذ وجهة نظر بعيدة المدى أم اتخاذ أخرى قريبة. ومعرفة تنوع وصرامة الحقائق، والمؤسسات، والطبيعة البشرية؛ وفهم الحوافز الحقيقية للإنسان؛ وكيفية التأقلم والتعامل مع المآسي والمعضلات الكبرى في الحياة، والتعامل مع الأشياء الشريرة والأشياء الطيبة الأساسية ً.
ترويض المعنى
ليس المعنى صورياً، بل هو معنى حياة. حين يفقد الكائن البشري معناه الحي، لن يكون أكثر من كائن آخر. والمعنى لا يتحدد هكذا بناء على افتراض سهل المنال. لأنه في غالب الأحوال ليس شفافاً، ولا مواتياً بحسب قيم الخير والحق والجمال. المعنى ممكن أن يكون قاتلاً مثله مثل السكين، وقد يكون مدبباً كرأس حربة نافذة. وكل أفعال الشر لها معنى بصورة أو أخرى.
الارهابيون الذي يرون نهاية العالم تبدأ بحزام ناسف، يقطعون بكون المعنى سردية أخروية. ويبحثون فيما يعدونه من خطط وتدابير قاتلة عن معانٍ. وربما الكلمات والعلامات والاشارات قد حان قطافها، حين تتطابق مع ما يستهدفون. فتبدو الأشياء تتحرك بدلالات ميتافيزيقية مقيدة بالموت. وليس الموت عارياً، بل مغلفاً بالجهاد والاستشهاد. لأنه إما النصر وهو معروف في أفق الحياة، وإما الشهادة وهو معنى قابل لابقاء الشخص بصورة أخرى.
الفلسفة لا يعنيها معتقدات البشر، ولكنه تراهن على ألا تتحول إلى فخاخ موت. تفتح دروباً لمعان جديدة، ولكن ليست على جثث الآخرين. المعاني قد تُحيي وقد تَقتل في الوقت عينه، والمهم فلسفياً أن تروض نوازع الشر داخل عقلية الكائن الذي يدرك. الفلسفة فن ترويض الشرور، حتى تكون المعاني أكثر احتمالاً. الترويض هو العقلانية التي تحرر الكائن من قيوده واكراهاته النوعية. فالتفلسف يعطينا مساحةً من الفهم والتساؤل والنقد، وتلك الممارسات ليس آليات، بل مسارات يخوضها الإنسان بحثاً عن ذاته.
ليست الشرور خضوعاً لقهر، بل املاء من دوافع سوداوية للنيل من الآخرين. التبصُر الفلسفي يجعل الإنسان عارفاً بطبيعة الشر ودوافعه وانحراف أهدافه. إنه لون من الترويض المتأمل والنقدي للغرائز وكيفية ممارستها. لأن التأمل ليس مرتبطاً – كما هو شائع – بالتحليق دون أرض، ولكنه تصفية متأنية لرصيد الشرور. القضية أن يحصر الناس الفلسفات في شقها المجرد، متناسين كون التأمل خارجاً من كائنات من لحم ودم. وليس القدرات العقلية واقفة بالطيران فوق الواقع انعزالا، لأن هذا لا يحدث على وجه الحقيقة.
الحقيقة أن التأمل معجون بالغرائز حتى الثمالة. فالحب غريزة تسامت وانفصلت عن الواقع، الموت فكرة وواقعة، حتى أصبحت مقولة حياتية، الأمل حدث يحتاج إلى مناسبة وشروط. ذلك عن طريق المعنى، لا معنى هناك بلا مضمون ولا دلالة. وربما طرائق التعبير عن التأملات هي التي تجعلها محلقةً دون سبب. كما أنَّ أكراهات الثقافة تعزل التأمل، حتى لا يلتصق بالواقع. لأنها تريد مبررات للثنائيات التي تتبناها بين (الواقع والخيال). وكذلك كل التأملات عبارة عن استعارات فقدت أصولها لسبب أو لآخر مع الاستعمال. وبات من المتعين ايجاد فكرة عامة لها كي يتم تداولها.
قد يُقال إن الحكمة أقرب إلى ذلك من التفلسف، هنا يجب توضيح كون الفلسفة تطرح أسئلة وتصوغ مفاهيم . وليس شرطاً أن تقوم على النُصح كما هي الحكمة. لأنَّ الأخيرة في أغلب جوانبها تستند إلى اخلاقيات الأفعال بينما تشتغل الفلسفة على العقل وتطوير قدراته الحرة. أي أن الفلسفة تتجاوز الحكمة من جهة الفهم وبناء المفاهيم والأداء الذي يجعلها نافذة. كما أن فنون العيش لا تنتظر حكمة آتية من تجارب حياتية، بل تحتاج إلى آلية مستمرة، تتطلب" أداء معنى" لا خطف أقوال وسلوكيات.
صحيح يؤكد الفرنسي رينيه ديكارت على بعض الواقع كعنصر ٍ مهم اتساقاً مع مكونات الحكمة، ولكنها ليست حكمة عشوائية، بل مستندة إلى المعرفة والتجربة. وقد لجأ ديكارت إلى المقارنة بين التصرف الحكيم والاعمال الإلهية، فالأخيرة أعمال قائمة على المعرفة والعلم. وبالتوازي قد يقال إن الرجال يتفاوتون في الحكمة وفقًا لمدى تفاوتهم في معرفة أهم الحقائق. ومن بين هذه الحقائق المهمة، كما يقال، حقائق حول العيش على نحو جيد، بالإضافة إلى المعرفة المطلوبة في مجالات التواصل والعيش بين الناس. وهذا المجال تطرحه الفلسفة كفضاء من أداءات المعنى في الحياة.
اختصاراً تمارس الفلسفةُ دورها لتحُل دون انحراف المعاني عن مسارات الإنسانية. ربما يكسب الفردُ موقفاً، وقد يربح مالاً، ولكنه سيخسر العالم، لأنه فقد بوصلة المعنى. انحراف المعنى ليس انحرافاً محدوداً، بل انحرافاً في رؤى الكون والوجود. الارهابي لا يقتل فرداً وإلاّ لو كان الشأن كذلك، لكان" رأسه الأصم" قابلاً للنقاش من حيث المبدأ، ولكنه حين يقتل، إنما يفترض قتل أي انسان آخر. لأنه بالفعل انجز عمومية المعنى المدمر سلفاً. ولذلك لا يُفرق الارهاب بين إنسان وآخر، بين دين وسواه، لقد أغلق ذهنيته على اسقاط جميع معاني الحياة. ومن ثمَّ فإنَّ أخطر مهام الفلسفة هي: أن تروض المعاني الشرسة داخل الإنسان، أي تُضيء الجانب المظلم من كينونتنا كمأوى أخير للأشباح والخرافات.
***
د. سامي عبد العال – أستاذ فلسفة








