عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

حاتم حميد محسن: لماذا فضّل جيل دولوز اخلاق سبينوزا على الاخلاق التقليدية؟

يقدم سبينوزا لنا فلسفة ليست اكثر او اقل من فلسفة القوة، الحرية والمرح. ديلوز كان من أوائل المفكرين المعاصرين الذين استفادوا من التأثيرات السياسية لفلسفة سبينوزا. تبنّى ديلوز أخلاق سبينوزا الجوهرية بدلا من الاخلاق المتعالية، وهي تحكم الأفعال من خلال تأثيرها على قدرة المرء في الفعل. كان لسبينوزا تأثيرا هاما على الفيلسوف الفرنسي ديلوز. عبر قرائته لسبينوزا، صاغ ديلوز نظرية جديدة للاخلاق ترفض كل من العواطف الحزينة التي تفرض ذاتها من خلال الاخلاق وفلسفة المتعالي التي تدعمها. اخلاق سبينوزا قدمت دليلا للارشاد الذاتي الذي يرفض العقوبة. هذا لأن ديلوز رأى الأفكار تنشأ من طريقة هندسية اعتُمدت في الاخلاق كنظام محايد من الملاحظة والاوصاف للكيفية التي تتحرك بها الاجسام وتتصرف تجاه بعضها البعض.

يعتقد ديلوز ان أهم الإنجازات الاستثنائية لفلسفة سبينوزا هي في تجاوزها (في شكل نقد الاخلاق) الشفرات الأخلاقية للفلسفة التقليدية وفي استبدالها بأخلاقيات او علم الاخلاق ethics لا توجد فيها سلطة أعلى من الحياة (الله، نظام العقل، القانون الإلهي، واجب عالمي). في هذا المعنى، أفعال الانسان تُحكم حصريا من خلال ممارسة الحضور الداخلي. سلوك الانسان يتم تقييمه طبقا لأخلاق تطبيقية تركز على الفهم بدلا من العقوبة.

سبينوزا ينكر التعالي ابستميا وبرجماتيا أيضا، مجادلا ان الطبيعة، في ذاتها، اكثر من كافية لإرشاد الفعل الإنساني – نحن لا نحتاج لتصنيف الأفعال البشرية طبقا لأصناف أخلاقية مجردة. بالنسبة لسبينوزا، الاخلاق يجب ان تكون مستندة الى انطولوجيا السلطة والمقدرة، وان السؤال ليس ما اذا كان الفعل بذاته خيرا ام شرا. السؤال الوحيد هو ما اذا كان يزيد ام يُضعف الحياة، ما اذا كان يوسع نطاق سلطة المرء ويضيف الى سعادته. شيء ما هو سيء اذا كان يُضعف، ويقيد ويحد من قدرات المرء. هذا التمييز بين الاخلاق morality والأخلاقيات ethics سيكون جوهريا لفلسفة ديلوز: الاخلاق هي الحكم من الأعلى، الاخلاقيات هي الحكم من الداخل. الاخلاق تؤسس قوانين عامة صحيحة موضوعيا بصرف النظر عن السياق، بينما الاخلاقيات تدرس تأثير علاقات معينة.

وهكذا، يرث ديلوز استنتاجا محرِّرا من فلسفة سبينوزا: الاخلاقيات هي تجريبية. الناس، كأجسام وعقول مرنة هم دائما يسعون الى تطوير أشكال للوجود ملائمة لازدهار الانسان – أي انها تحقق اقصى قدر من الفرح.

الجسم كموقع للمعرفة

اقتباس آخر شهير اتخذه ديلوز من سبينوزا هو "نحن لا نعرف ماذا يستطيع الجسم ان يعمل". هذا هو التحدي الأكثر قوة لتاريخ الفكر الغربي حيث قاد الفلاسفة من افلاطون الى ديكارت الوعي الى الجوهر الحقيقي لماهية الانسان. الجسم اعتُبر ثانويا، غير موثوق به، فاسدا كمصدر للمعرفة. سبينوزا قلب البناء الهرمي رأسا على عقب.

يرى ديلوز ان سبينوزا جاء ليذيب الفرق. الذهن والجسم صفتان متوازيتان لنفس الجوهر، لا يهيمن أي منهما على الاخر. الذهن الواعي لم تعد له سيادة على حياة الانسان. هو اصبح جزئيا كالجسم . لذلك، فان الجسم يشكل حقلا للقدرات والعلاقات الأساسية، حيث يشعر الانسان بالعواطف، الحاجات، والتحولات بدون معرفة الظروف التي تنتجها. تماما مثل الجسم حين يعبر عن القوى التي تتجاوز النية الواعية، الفكر يجب ان يُفهم في بعده اللاواعي الأساسي. يستمر ديلوز بالجدال ان هذا الفهم، سيتكشف ببطء باتجاه فكرة راديكالية جديدة للوجود الإنساني تستند على العاطفة والشدة والتحول.

هذا الخط من التفكير سيكون هاما للجزء الأكبر من أعمال ديلوز اللاحقة، حيث السؤال ليس ما هو الشيء بالضرورة، وانما ماذا يمكن ان يعمل، ما هي العلاقات التي يمكن ان تدخل فيه، وما هي القوى التي يمكن الحفاظ عليها. لذلك، فان الجسم ليس الشيء السلبي للوعي وانما شبكة نشطة من القوى مرتبطة بالبيئة التي تواجهها. طبقا لذلك، يفترض سبينوزا ان الاخلاقيات هي اخلاق القدرات والتجريب بدلا من الطاعة والامتناع.

الأوهام الثلاثة للوعي

يؤمن سبينوزا ان الذهن البشري لا يمتلك معرفة مباشرة بالحقيقة، وانما هو يدرك فقط آثار الأشياء، بينما يتجاهل أسبابها الحقيقية. الناس واعون برغباتهم وعواطفهم، لكن نادرا ما يكونون واعين بالعلاقات التي ينشأوون من خلالها. يلاحظ ديلوز ان هناك ثلاثة أوهام معينة للوعي:

1- وهم السبب النهائي. الطبيعة يجب ان تكون مخصصة للاستخدام ، او، كما يُعبّر عادة، لأجل الانسان، لأن عالم الطبيعة يُفسر كنظام يستجيب لغايات الانسان.

2- وهم الإرادة الحرة، او فكرة اننا نمتلك، ونعرف، رغباتنا التي تجعلنا نعتقد نحن أناس نختار بحرية.

3- يرى الناس ان مثل هذه المغالطات تُسقط على الله باعتباره حاكما أخلاقيا عظيما يجعل العالم يعمل من خلال النية الواعية والعقوبة. بالنسبة لديلوز، هذه ليست أخطاء فكرية بسيطة، وانما وسائل للهيمنة. عندما يعتقد الناس انهم مذنبون امام سلطة متعالية، هم يخضعون بسهولة للخوف والطاعة والعار.

لهذا فان الاخلاق معتمدة على سوء فهم السببية وليس حول الكيفية التي تؤثر بها الاجسام او التي تعمل بها العلاقات الاجتماعية. الاخلاق تعاقب الافراد طبقا لاصناف مجردة للاثم والمسؤولية. بالنسبة لسبينوزا، الحرية هي معرفة الأسباب التي تقررنا، بالإضافة الى التأثيرات الناتجة بفعل تلك الأسباب. كلما اصبحنا اكثر وعيا بالعلاقات التي تشكل عواطفنا وافكارنا، كلما اصبحنا نستطيع الفعل اكثر. هذا نال اعجاب ديلوز كثيرا، لأنه استبدل الاخلاق بالمعرفة والفهم. او كما يرى ديكارت: بافكار واضحة ومتميزة.

متعة القوة وحزن الاستبداد

ان الفرق بين المرح joy والحزن يوفر انطولوجيا أساسية لاخلاقيات سبينوزا. يجادل سبينوزا ان العواطف ليست مجرد مشاعر خاصة وانما مؤشرات لتغيرات في قدرة الشخص على التصرف. المرح يحدث عندما تزيد اللقاءات من قدرتنا وتسمح لنا لنصبح اكثر نشاطا. الحزن هو نتيجة لفقدان القدرة على الفعل حينما تتضاءل قدراتنا، وعندما تتحلل العلاقات التي تشكل هويتنا. ينظر ديلوز في الاثار السياسية للنظام الميتافيزيقي لسبينوزا. الأنظمة التقليدية للاخلاق تعتمد على انتاج العواطف الحزينة للحفاظ على السلطة. حيث ان الذنب، الخوف، العار، الاستياء، وكراهية الذات هي عواطف جوهرية. العواطف التي تضعف الافراد، هي عواطف تجعلهم مطيعين ويمكن حكمهم. ديلوز يعود باستمرار الى شخصيات المستبد، الكاهن، والعبد. كل الشخصيات الثلاثة مترابطة مع بعضها من خلال العواطف الحزينة. المستبدون يحتاجون الى سكان خائفين، القساوسة يحتاجون ضمائر مذنبة، والافراد المستاؤون يبحثون عن المعنى من خلال ادانة الحياة بدلا من تأكيدها. ديلوز يرى سبينوزا كفيلسوف التأكيد. بدلا من غرس المعاناة باسم الفضيلة، يجب على الشخص الأخلاقي ان يبحث عن لقاءات مبهجة توسع قدراته. ضمن العلاقات المبهجة تدخل الاجسام والاذهان في مركب يقوّي احدهما الاخر. المرح ينقل الافراد أقرب الى النشاط، الابتكار، والحرية. بالمقابل، الحزن يحبس الناس في حالة من السلبية.

المرح عاطفة عميقة ومعقدة، ليس خاليا من الجدية ويختلف عن التفاؤل. انه زيادة في السلطة، تكثيف للوجود. ديلوز أعجب بسبينوزا كفن عملي للحياة بدلا من مؤسسة عقابية. وبذلك، فان الهدف من النظام الأخلاقي يصبح تعلّم كيف تنظّم اللقاءات، العلاقات، وأشكال الحياة التي تعظّم الفعالية المبهجة الى اقصى حد بينما تقلل القوى التي تضعف إمكانية الانسان على الفعل.

علم سلوك العلاقات والقدرات Ethology of relations

يدعو ديلوز الى ايثولوجيا سبينوزية كبديل للاخلاق التقليدية. هذه الايثولوجيا ستركز على الواقع الموضوعي والعاطفي للاجساد اثناء الحركة: القدرات، التجارب، مختلف الإمكانات للتحول الذاتي.

العلاقات المختلفة للتركيب والتحلل التي يمكن ان يدخلا فيها، التحول من الاخلاق الى الايثولوجي، كدراسة للقدرات الجسدية، سوف تغير راديكاليا معنى الاخلاقيات.

الاخلاق التقليدية تحكم الفعل طبقا لإمتثاله لقاعدة عالمية. أخلاقيات سبينوزا تطرح سؤالا يتعلق بقدرة الكائن على الوجود. ماالذي يعزز السلطة ويؤدي الى انخفاض القوة؟ كل فرد هو جسم، شيء ممتد، وذهن، للتفكير. كل جسم له نظام من العلاقات تشكل هويته. كل جسم قادر على التأثير والتأثر. الاخلاقيات او الايثولوجي تصبح علم دراسة هذه العلاقات المتعددة ووصفها. انطولوجيا سبينوزا ليست اقل ثورية من اخلاقياته. الاجسام والاذهان تُفسر كعملية ديناميكية.

هما يدخلان باستمرار في علاقات جديدة، لقاءات، يباشران تحولات، ويطوران او يفقدان قدرات. سبينوزا يقدم مشروعا مضادا للعالمي يتوافق بشكل مذهل مع ما بعد الحداثة. شيء ما يكون مصدر قوة في سياق ما وقد يكون مدمرا في سياق آخر. لهذا فان فكر الأخلاقيات يجب ان يبقى متيقضا تجاه التفرد، الظروف، السياق، والاختلاف.

ديلوز استعمل مفهوم القوة والقدرة في عدة مواقف أخرى في عمله. فكره النقدي يستقصي الأنظمة الاجتماعية التي تنظم الرغبة وتوجّه المشاعر وتشكل إمكانات الوجود والتحول.

***

حاتم حميد محسن

.....................

The collector, July 29,2026

في المثقف اليوم